ثقافة وفنمختارات

لماذا نفكر فجأة في غلق “فيس بوك”؟

 

كنت أتساءل لماذا نفكر فجأة في غلق “فيس بوك”؟ ما الذي يدعونا لحذف “تويتر” من هاتفنا لفترةٍ ما؟ ربما إلى جانب أنه توفيرًا للوقت ومحاولة للتركيز في عملنا، فهناك أيضًا شعور واعِ -أو غير واعِ- بعدم الجدوى وصعوبة الانتماء إلى تلك المواقع، ما يجعل في تجاهلها شعورًا بالراحة والسيطرة على مجريات الأمور، والبُعد عن الدفاع البائس عن حقائق تبدو بدهية.

التساؤل الشخصي هذا، كان بجانب محاولة لفهم لماذا توجد دائمًا أزمات حول الأخبار الكاذبة المنتشرة دون سبب مقنع، لكن الشركات الكبرى المسؤولة عن مواقع التواصل تدرك الإجابة بالفعل.

وهي الإجابة التي يدور حول محاورها الفيلم التسجيلي “the social dilemma” أو “ورطة التواصل” الذي عُرض مؤخرًا على “نتفليكس” على ألسنة صانعي هذه المواقع، فكل شيء يحدث على “السوشيال ميديا” هدفه لفت الانتباه، وإن كان الأمر يبدو مجانيًّا في الظاهر، وبالتالي تغيير وجهات النظر والمعتقدات لدى البشر، كما يقول الفيلم: إذا لم تدفع ثمن المنتج، فأنت المنتج.. ليس في الرأسمالية ما يُقدَّم مجانًا.

مشهد من فيلم “ورطة التواصل”

إحداثيات الورطة الأخلاقية

يعلم معظم دارسي الفلسفة أن هناك بعض القضايا غير قابلة للدفاع عنها وإبداء الإعجاب بها أو تدميرها كليًّا، وربما هي النتيجة ذاتها التي نواجهها عند الحديث عن قضية مواقع التواصل الاجتماعي بالإعجاب أو الغضب، خصوصًا إذا كنا نناقشها غالبًا من خلالها مواقع التواصل ذاتها، وهي المعضلة التي تظهر أيضًا مع مشاهد فيلم “ورطة التواصل”.

الطريقة الوحيدة لشرح أي شيء هي الإقرار بأسبابه، ما يعني أننا كلما شرحنا شيئًا على أساس حالته الابتدائية كان أفضل، لذلك عليّ أن أبدأ بأن الحقيقة هنا تبدو أكبر كثيرًا مما تبدو عليه في الفيلم الذي يتحدث عن الورطة الأخلاقية المرتبطة بمواقع التواصل، والتي تتعامل معها الخطابات الإعلامية باختزال يلقي بالمسؤولية كلها على هذه المواقع، وهو أمر ليس مُجديًا في كل حال.

فمثلما تنتج الرأسمالية أسباب انهيارها من داخلها، بحسب التحليل الماركسي، كذلك تقدم مواقع التواصل أزماتها بنفسها، وكذلك الحال مع علاقة الفيلم بمواقع التواصل وشبكات الإنترنت، فقد أنتجته شركة “نتفيلكس” التي خرجت من رحم مواقع التواصل بالأساس.

أفيش فيلم مطاردة المرجان

في فيلمهما التسجيلي الأول كثنائي “مطاردة المرجان“، 2017، عمل الكاتب ديفيز كومبي والمخرج جيف أورلسكي على تقصّي أسباب نقص الشعاب المرجانية تحت الماء مع الوقت، وأظهرت التحقيقات خطأ التعامل البشري في استخدام المياه والتخلص مما لا يلزم داخلها.

كذلك الأمر جاءت فكرة فيلمهما التسجيلي الثاني، من إنتاج
“نتفليكس” كسابقه، يُحمّل الاستخدام البشري الخاطئ، فقط، مسؤولية الأزمات المتعلقة بمواقع التواصل الاجتماعي.

يطرح الفيلم أسئلة تتعلق بمدى قيام مواقع التواصل المدمرة بوظيفتها (التواصل): كيف تتمكن هذه الوسائل من السيطرة على مشاعرنا؟ وكيف يمكن لتصميمها ذاته أن يؤيد الأفكار والأخبار الكاذبة على الحقيقية؟

ورغم تكرار طرح هذه الأفكار، فإنها تبدو طازجة طوال الفيلم، وذلك بحكم مجيئها من على ألسنة صناع محتوى ومؤسسين في “فيس بوك” و”تويتر” و”جوجل” و”إنستجرام” وغيرها من المواقع العالمية ذاتها التي تسيطر على عقول وأفكار العالم فعلاً ومجازًا.

وقد اختار أبطال الفيلم التسجيلي الابتعاد والاستقالة منها والتحذير من آثارها، بمصاحبة موسيقى تصويرية منتقاة بعناية لوضع مربك وإشكالي كهذا.

“ورطة التواصل”.. فيلم جيد الصنع لا يؤخذ عليه سوى نهايته الحالمة، يجسد أزمة الإنسان شبه المجبر على استخدام مواقع التواصل ومعايشتها كحياة حقيقية متوهمة وموازية لحياته الطبيعية، ويرصد محاولة التأقلم على وضع حاجز نفسي بين مشاعره الذاتية تجاه نفسه وشخصه وصورته الحقيقية وبين الصورة التي يود الظهور بها.

لم يكن عليه أن يدين أشرارًا يفرضون سيطرتهم على هذه المواقع، بقدر لفت الأنظار إلى رغباتنا نحن ومشاعرنا التي تحتاج إلى إعادة تأهيل للتعامل مع هذه المواقع، بدلاً من التعويل على عدم سيطرتنا على الأمور.

مسلسل الخيال العلمي المرآة السوداء

تاريخ شخصي للتواصل المُلهم

منذ 25 يناير/ كانون الثاني 2011 كنت ضمن جيل أكثر حماسة وتسليم للعالم مما أصبحت عليه الآن. آنذاك ظهرت كتابات في صحف العالم غير العربية تتحدث عن عظمة الكاتب “شارلي بروكر” ومسلسل الخيال العلمي الصاعد “المرآة السوداء” التي تحكي فكرتها المركزية فداحة ومساوئ مواقع التواصل التي تنضح خسائر تتضاعف عن المرجو من استخدامها، تبع المسلسل أعمال أخرى، غير مهم حصرها، تتضمن فكرة الفيلم ذاتها وتصوّر مواقع التواصل كشيطان أعظم، كان وما زال رأيي أنه عمل شعبوي وشديد المبالغة.

لكني على الأقل الآن أدرك وجاهة قراري في سياق حياتي العملية ومجتمعي الكبير. إذا كنت تقرأ هذا الكلام الآن فأنت تعلم أن عملي يخرج من هذه المواقع بنحو أساسي أو مستمر عليها لأسباب عدة، كما أن غالبية معرفتي الشخصية وكثيرين غيري لم تكن لتتشكل لولا احتكاكنا بالمجال العام عن طريق مواقع التواصل ذاتها، تويتر وفيس بوك.

كنت أرى في السابق أنه لا مانع من مشاعية حياتي وأفكاري على مواقع التواصل، وليس هناك ما أخجل منه على الإطلاق، لكن ساعتها لم يكن هذا الهوس والجنون بردود الفعل على هذه المواقع كما هي الحال الآن.

الآن يمكن طرح الأمر بصيغة إشكالية أكثر تركيبًا، لا تقف على اعتبار وسائل التواصل تؤثر في قرارات من يجهل تصميمها وما يُراد منها تحديدًا، فمع الوقت تطور الأمر ليجعل الجميع محط الاختبار: دائمًا هناك احتياج إلى شحذ الإعجاب بحياتنا وأفكارنا، دائمًا هناك محاولات لتصحيح خطأ لا يعلم أحد مصدره.

دائمًا الجميع يمكنه أن يقول ما يريد في أي سياق يشاء، والغلبة في الانتشار عمومًا للحديث الكاذب لأنه يجني أموالاً أكثر ويجعل الجميع على مواقع التواصل لفترة أكبر، أكثر من الكلام الحقيقي لأن “الحقيقة مملة”.

كاتب هافنجتون بوست الإنجليزية يقر بأن التكنولوجيا ومواقع التواصل لم تسهم في حل التعقيدات بأي حال من الأحوال، في حين يتبادل جيل التسعينات التعازي في عقدهم الذي كان خاليًا من مواقع تسببت في “عدم الرغبة في التواصل الحقيقي”.

يدافع عن ذلك كريستوفر ميمز في صحيفة وول ستريت جورنال معتقدًا أن التصور الذي يشير إلى أن العالم بائس والأوضاع العالمية في أسوأ صورة، هو نتاج العديد من الانحيازات المعرفية التي تغذيها زيادة توافر المعلومات عبر مواقع التواصل وليس المواقع ذاتها.

ورطة التواصل الاجتماعي

قيد الحلم

رغم انتقاداتهم الشديدة، فإن الأشخاص الذين قوبلوا في فيلم “المعضلة الاجتماعية” ليسوا كلهم من المتشائمين.. فقط يُقترح في النهاية أنه من خلال التغييرات الصحيحة، يمكننا الوصول إلى الجيد من وسائل التواصل الاجتماعي دون السيئ، لكن حقيبة الحلول الشخصية والسياسية التي يقدمونها في الفيلم تخلط بين هدفين مختلفين للنقد: التكنولوجيا التي تسبب السلوكيات المدمرة، وثقافة الرأسمالية غير المراقبة التي تنتجها، وبالتالي تحمّلها المسؤولية.

مواقع التواصل لم تكن يومًا الشر الأعظم المتسبب في الدمار، كما يمكن أن يُفهم بنحوٍ أوَّليٍّ من الفيلم، وكما نشاهد ونقرأ بُكائيات يومية تلصق بها كل بلاء وعماء وتنزع مسؤولية الإنسان ذاته من الأمر. ويبدو أن التعديلات والإجراءات التي يريد الفيلم تغييرها يمكن ببعض التدريب الذاتي تغيير غالبها، دون إلقاء مسؤولية نظرتنا إلى العالم على الرجل الأبيض الجالس بعيدًا ويملك كل شيء. يُسأل في المتبقي منها حكومات الدول الكبرى والصغرى، ملوك العالم الأول والنامي على الدرجة ذاتها.

 

حسام الخولي

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى