وجهات نظر

لماذا ننتظر الانتقام الإلهي؟

مصطفى علي

كاتب مصري

في رده على سؤال وصل إلى دار الإفتاء المصرية يقول: “هل يجوز الدعاء على الظالم؟”، أجاب الشيخ أحمد وسام، أمين الفتوى بالدار، بأن هذا “جائز ولكن الدعاء هنا على الظالم يكون له فن في اختيار الكلمات، مثل أن أقول (حسبي الله ونعم الوكيل) أو(اللهم رُدَّ ظلم فلان عني)”، فيما أوضح الشيخ أحمد ممدوح، أمين الفتوى بدار الإفتاء، ردا على السؤال ذاته، أنه “يجوز للمظلوم الدعاء على الظالم، مصداقًا لقول الله تعالى: (لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا)، (النساء:148).

مثل هذه الفتاوى تقصُر المواجهة مع مَن نراه “ظالمًا” على البُعد الديني الغيبي، كأننا وكّلنا الله في الدفاع عنا ولا حاجة لنتخذ ما يلزم منطقيا وواقعيا لنحمي أنفسنا أو لعرض وجهة نظرنا في هذه المظلمة، التي تمثل بشكل أو بآخر وجهة نظر الظالم تجاهنا.

وعقب كل وفاة لكاتب يراه جمهوره “مُستنيرا” -وحيد حامد مؤخرا- تُبعث صورة الانتقام الإلهي في ذاك المتوفَّى، الذي صار وحيدًا في قبره مصحوبا بلعنات وشماتات مَن اختلفوا معه في رأيه وما طرحه من أفكار يرون أنها “تمسهم أو تشوه عقيدتهم وثوابتهم”، ويكأن الغيبَ انتقم لهم أخيرًا بإماتة هذا الباطل/الكاتب، رغم أن هذا “الباطل” عاش بينهم لا يفعل سوى عملية طرح أفكار ونصوص لفترة تقدر بعشرات السنين، ولم يظهر بين هؤلاء الشامتين -المنتمين إلى تيارات الإسلاميين غالبا تنظيما أو حُبًّا عن بُعد، واحد يبارزه فكرة لفكرة، بل جلسوا طوال هذه السنوات منتظرين العقاب السماوي وعذاب القبر لتُشفى صدورهم من غلٍّ اكتنزوه ضد غليان الأفكار، التي طرحها كاتب أو مفكر أو فنان، مفضلين آلية الدعاء والصبر على آلية المواجهة الفكرية، حتى يحصل لهم الانتقام الحتمي في النهاية بيد غيرهم أو نيابة عنهم، سواء في صورة إله أو في صورة مرض، ولسان حالهم يقول “إني مغلوب فانتصر”، لكن شتان بين قائلها اليوم وقائلها الأول، النبي نوح، الذي دافع عن فكرته بدعوة وترويج وعمل لما يقرب من عشَرة قرون، فلما انتهت أدواته إلى لا شيء اضطر إلى استعمال سلاح الغيب.

بصيغة الكسل تلك، التي تتمثل في سلاح الدعاء على الظالم، يتحول الإنسان إلى كائن غير نشط في الحياة، لا يصلح بالتأكيد إلى خلافة الله في الأرض وإدارتها بالأدوات الأرضية الحكيمة، تلك الحياة التي يُراد له فيها أن يكون فاعلا لا منتظِرا ولا مستضعَفًا، لأن هذا الذي يقول عن نفسه إنه كان مستضعفا وصفه النص القرآني بأنه ظالم لنفسه:

“إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ”.. (آية 97 سورة النساء).

أيضا بهذه الصيغة، التي تميل إلى ترك القدر يتصرف نيابة عنا، تتحول الحياة إلى ساحة انتظار، لا نفع ولا استخدام لها، لا فائدة من عقل فيها ولا طاقة بدن، فالكل مركون كمخزن أحقاد مغلوبة على أمرها انتظارا لأمر فوقي يمحق “الظالمين” ويهلكهم ويجعلهم في الدرك الأسفل من الجحيم.

هذا المعنى، الذي نُنزله من السماء إلى حساباتنا الأرضية، يصب تصوراتنا المحدودة عن الإله في قالب بشري يحقد ويمتلئ غلا، فصورة الدعاء المغلوب الذي ينتظر لحظة التشفي في كائن مات تجعلنا نتصور “الله” يغضب كالإنسان، وينتقم مثله بردّات فعل إنسانية أرضية، هذه صورة تُخل بالعدالة الإلهية ونظرتها الأشمل والأكمل في المحاسبة وتقييم المساحة بين الخطأ والخطيئة وما بينهما من منطقة اجتهاد مطلوب، يعتمد فيها العقل على حاسة الفكر.

فالمقاصد الإلهيّة في موت فنان لا تختلف عن المقاصد من موت عالم دين، إلا أننا كبشر ننحاز إلى مشاعرنا وأهوائنا وغرائزنا وتعصّبنا، ونسينا أن المحبّة الإلهيّة أعظم من الكبْر وأوسع من محدوديّة الإنسان.

وهنا أتساءل: هل انتقامي من بشري مثلي يكافئ أو يماثل انتقام الإله؟

الإجابة تكمن في تحليل الانتقام البشري، الذي هو انتقام ثأر وكبرياء واستعلاء، ويهدف إلى إبادة الآخر وحجب الرحمة عنه، أما تصوراتنا عن انتقام الله فهي، رغم قصورها، يمكن أن نُجمع على أنها “إعادة خلق الإنسان من جديد ووضع حدّ لشرّه كي يرتفع إلى مستوى المحبة والتعمير”.

ومن زاوية أخرى، يبدو أن النص المقدس يدعم فكرة التأجيل تلك، مثلما ورد في (إنجيل لوقا 6-21): “طوبى لكم أيها الجياع الآن، لأنكم تشبعون.. طوبى لكم أيها الباكون الآن، لأنكم ستضحكون”.. إنها متعة التأجيل وآفتُه، والتي ملخصها أنْ تألّموا الآن لتحصدوا نعيما فيما بعد، واصبروا الآن، لتنهال عليكم الجنان ولو بعد حين..

وهذا يقودنا إلى تعريف “المنتقم”..

فقد ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي قال: “إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، مَن أحصاها دخل الجنة”، والأسماء التسعة والتسعون قد أوردها الترمذي في حديث عن أبي هريرة مرفوعا: “وذكر فيه من ضمن التسعة والتسعين: المنتقم وذو الجلال والإكرام”، ولكن العلماء اختلفوا في تصحيح حديث الترمذي هذا، فمنهم من رآه صحيحا ومنهم من اعتبره مُدرجا، أي أن أحد مَن روى عنهم الترمذي هذا الحديث هو الذي اجتهد في استنباط هذه الأسماء من الكتاب والسنة، لكن الشيخ ابن عثيمين ممن يعتقد الإدراج في الحديث المذكور، وقد اجتهد في تعيين تسعة وتسعين اسما بالاستقراء من الكتاب والسنة، ليس منها “المنتقم ولا ذو الجلال والإكرام”، وعليه فإن الرأي الأوقع أن اسم “المنتقم” ليس مما ثبت في الحديث عن أسماء الله الحسنى، وإنما جاء في القرآن مقيدا كقوله تعالى: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ [سورة السجدة:22]، وقوله: إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (سورة إبراهيم: 47)، والحديث الذي في عدد الأسماء الحسنى، والذي يذكر فيه المنتقم، ليس هو عند أهل المعرفة بالحديث من كلام النبي.

إذن فتصور الإله على أنه “منتقم” يتنافى مع المثال الأعلى للرحمة والمحبة، فهو لا يعاقب أقواما بالزلازل والأعاصير والبراكين والأمراض، إذ يبتلي المؤمن به وغير المؤمن بنفس تلك الكوارث والأوبئة، فلا تتحرك أقداره في الدنيا بناء على المعتقد الديني، بل ربما لحكمة أخرى نجهلها، ولا تزال أبوابها مفتوحة للتدبر.

وإذا كان مصير كاتب، مثل وحيد حامد، أنتج عشرات النصوص والأفكار والمعارك -أيا كان اتفاقك معها وأيا كانت جدواها- هو الهلاك في النار، فماذا سيكون مصير مَن ترك ساحة الدنيا منسحبًا منها غير تارك لأثر يدل على وجوده ذات يوم هنا على الأرض، التي كُلف من الله بتعميرها؟!

نعود إلى صيغة الدعاء المقبول لدى شيوخ الإفتاء، والذي وجب أن يتضمن “فنا في اختيار كلماته”، إذ لا يمكن لداعي الهلاك أن يجد في قاموسه لغة فنية، فهو القائل والمؤمن دائما بأن الفنون حرام ولهو عن ذكر الله، وأنها ليست مما يحسُن صنعُه في الحياة..

إن المسلمين اليوم من أكثر الأمم تلقيا للمساعدات الدولية بسبب المآسي والكوارث والحروب التي يعيشونها، وربما هذا ما يعلق الضعفاء بفكرة الغيب، لانعدام أملهم في أنفسهم وفي عالم أرضي عادل، وهذا بالضبط ما يفتح نافذة للتطرف.. فالعاجز عن الدفاع عن نفسه بفكرة وعن وجوده بقوة ليس أمامه إلا أن يحتمي بالميتافيزيقا أو أن يكون سيكوباتيا معاديا للمجتمع..

وهنا أذكّر المنتظرين لانتقام الرب بدعوة النبي محمد لقومه الذين آذوه حين راح يبلغهم بفكرِه حين قال: اللهم اهد قومي إنهم لا يعلمون!

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

القصص المتعلقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى