وجهات نظر

رمزيات الإشارة.. لماذا يفضل الصوفيون تفسير الآلوسي؟

ربما يمثل كتاب روح المعاني، لمحمود شهاب الدين الآلوسي، آخر التفاسير التقليدية الكبيرة، قبل بدء عصر النهضة العربية، فصحابه أحد أكابر المتأخرين، وعلم من أعلام العراق في القرن الثالث عشر الهجري، ظهر في بيئة يتجاور فيها علماء السنة مع مراجع الشيعة، في ظل الدولة العثمانية التي وفرت منعة ودعما للمذهب الحنفي، والعقيدة الأشعرية، والطرق الصوفية.

مولد الآلوسي

ولد الآلوسي عام 1227 هجرية، لأب ينتسب إلى الفرع الرضوي الموسوي من البيت الحسيني، ونشأ كأجداده متفقها على المذهب الشافعي، لكنه كثيرًا ما كان يميل إلى أقوال أبي حنيفة، ثم ترسخت علاقته بالمذهب الحنفي حتى صار مفتيا للحنفية في بغداد، مما يعني أنه أصبح أحد أهم الرؤساء الدينيين في الدولة العثمانية كلها، دون تعصب أو تقليد.

بذل الآلوسي في تفسيره جهدا كبيرا، حيث أخرجه على طريقة التوسع والإطالة، بجمع آراء السلف والخلف، والمقارنة بينها، والنقل من تفاسير من سبقه، والتعامل مع الأحاديث والآثار رواية ودراية، ورد الإسرائيليات الموضوعة، والتوسع الكبير في مسائل اللغة والنحو، وإيراد القراءات القرآنية دون اكتفاء بالمتواتر منها، ما دامت ستفيده فيما يقرر، وعنى الآلوسي أيضا في تفسيره بأسباب النزول، ووقائع نزول الآيات في السور، حتى جاء تفسيره في تسعة مجلدات ضخمة.

التصوف وروح المعاني

كان للتصوف أثر كبير في تفسير روح المعاني، فقد اتصل الآلوسي بالطريقة النقشبندية، وكان له ولاء للسهروردية والخلوتية، فأصبح من أهل الذوق والمعرفة، لذا نجده يميل في كثير من المواضع إلى ما يعرف بالتفسير الإشاري، الذي يخرج بالآيات عن معانيها المباشرة إلى معان صوفية عميقة لا يعطيها ظاهر اللفظ، ويتضح الأثر الصوفي في تفسير الآلوسي، من خلال إنشاده الشعر الفارسي من مثنوي جلال الدين الرومي، أو ديوان المولى جامي، متعرضا للمذاهب الفلسفية والكلامية، كما يتبدى الأثر الصوفي في اختياره لاسم كتابه: “روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني“.

والصوفية يحتفون بتفسير الآلوسي، ويرونه من أنسب التفاسير لطريقتهم، لاسيما وأن الرجل وعقب إيراده لآراء وأقوال المفسرين، في كل مقطع قرآني، يخصص قسما لعرض آراء الصوفية، وما قالوه في نفس الآيات، التزاما بما قرره في مقدمة تفسيره من أن “المعاني الصوفية أشارت إلى دقائق ذوقية تنكشف لأرباب السلوك”.

إقرأ أيضا: تراث مُهدَر: التفسير الصوفي للقرآن وتجديد الوعي الديني

الآلوسي والتحفظ على المعاني الباطنية

لكن الآلوسي كان متحفظا منضبطا، يتجنب الوقوع في المعاني الباطنية التي تعارض اللغة وأصول الشرع، وفي هذا الجانب يقول محمد الفاضل ابن عاشور: “لقد استطاع  الآلوسي أن يقيم حدا فاصلا بين معرفته العلمية والصوفية، ومنهجيه الظاهري والباطني، بعدوله عن طريقة الشيخ إسماعيل حقي في حمل النصوص القرآنية على معاني التصوف، حتى تنبو بذلك أحيانا عن دلالاتها اللغوية ومحاملها الشرعية”.

كما كانت لحالة التدافع الفكري السني الشيعي في العراق، أثرها في كتاب الآلوسي، فبعد المقارنات والردود، كان يبذل جهده لرد ما في تفسير الفضل بن الحسن الطبرسي من أقوال تخالف ما عليه أهل السنة، فيناقشها وفق القواعد الأصولية، والتراكيب البلاغية.

الآلوسي والأجوبة العراقية

ولا عجب، فالآلوسي صاحب كتاب “الأجوبة العراقية“، الذي تناول طائفة من المباحث الكلامية والفلسفية والرياضية المهمة، كان عدد من علماء الشيعة في إيران قد وجهوها إلى العراق على سبيل التعجيز لأئمة السنة، فرد عليها الآلوسي ردًا محكمًا، وأخرجها في كتاب ذاع وانتشر بعنوان “الأجوبة العراقية في الرد على الأسئلة اللاهورية”.

إجمالا، يميل الآلوسيِّ لآراء السلف في المسائل الاعتقادية، لكنه لا يسير في خط صارم لا يتبدل، فأحيانا ما يؤيد آراء الخلف، أو يرجح قول الأشاعرة، كما أنه يتعقب كثيرًا من مسائل الرازي، ويرد عليه، ويحشد الأدلة لنصرة رأيه، إضافة إلى تميزه على الزمخشري بالاهتمام بالأسانيد والتخريج.

الآلوسي والتمرس في آداب اللغة

ولا شك أن كتاب روح المعاني يمثل أحد أهم التفاسير التي اهتمت بالجوانب البيانية واللغوية، فالآلوسي متمرس قوي بآداب العربية وأصولها، مع تضلع في الآداب الفارسية، وأشعارها التي تقوم عليها مناهج التصوف، مِمَّا مكَّنه من عقد المقارنات بين النصوص، ووضع يده على مناطق التفوق أو المؤاخذة بين نص وآخر.

استغرق تأليف تفسير روح المعاني خمسة عشر عاما كاملا، وخرج في صورة موسوعة كبرى في اللغة والأدب والتصوف، مع غزارة إنتاج صاحبه، ورحلته التاريخية إلى الآستانة، التي وصفها في كتاب مطبوع بعنوان “رحلة الشمول في الذهاب إلى استامبول”.

وقد وصفت موسوعة تاريخ الآداب العربية العلامة الآلوسي قائلة: كان السيد محمود سريع الخاطر، نسيج وحده في قوة التحرير، وسهولة الكتابة، ومسارعة القلم، ألف كتبًا عدة في التفسير والفقه والمنطق، وكتاب كشف الطرة عن الغرة، وهو شرح على درة الغواص للحريري، ورسالة في الإنسان، وحاشية على قطر الندى لابن هشام ألفها وعمره لا يتجاوز 13 عاما، والتبيان في مسائل إيران، كما ترك شعرا غزيرا رقيقا، قبل أن يرحل في شهر ذي القعدة عام 1270 هجرية.

التفسير الإشاري في روح المعاني

يعد تفسير روح المعاني، أحد أبرز التفاسير ذات الطابع الصوفي، إذ اهتم كثيرا بما يعرف بالتفسير الإشاري، وهو استنباط معنى لا يعطيه ظاهر اللفظ، ومن أمثلة ذلك ما يقوله عند تفسير “البسملة” في أول سورة الفاتحة، واهتمامه بكل حرف فيها، وتوبقفه وقفة مطولة مع “الباء” في “بسم” إذ يقول: “وعندي في سر ذلك أن الباء هي المرتبة الثانية بالنسبة إلى الألف البسيطة المجردة المتقدمة على سائر المراتب فهي إشارة إلى الوجود الحق، والباء إما إشارة إلى صفاته التي أظهرتها نقطة الكون ولذلك لما قيل للعارف الشبلي أنت الشبلي؟ فقال أنا النقطة تحت الباء، وقال سيدي الشيخ الأكبر قدس سره:

الباء للعارف الشبلي معتبر … وفي نقيطتها للقلب مدكر

سر العبودية العلياء مازجها … لذاك ناب مناب الحق فاعتبروا

أليس يحذف من بسم حقيقته … لأنه بدل منه فذا وزر

والصفات إما جمالية أو جلالية، وللأولى السبق كما يشير اليه حديث “سبقت رحمتي غضبي”.. وباء الجر إشارة إليها لأنها الواسطة في الإضافة والإفاضة فناسبها الكسر وخفض الجناح ليتم الأمر ويظهر السر، وفي الابتداء بها هنا تعجيل للبشارة ورمز إلى أن المدار هو الرحمة كما قال صلّى الله عليه وسلم: “لن يدخل أحدكم الجنة عمله قيل حتى أنت يا رسول الله قال حتى أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته”.

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى