"لما قالولي ده ولد"

الملولالة "سِيم" تحدي السائد

افتح هاتفك الذكي الآن يا صديقي واذهب إلى تطبيق SoundCloud. في خانة البحث، اكتب “شمالي يا هوا الديرة”، وستظهر لك ضمن النتائج أغنية لفرقة الفنون الشعبية الفلسطينية. استمع إلى المقطع الأول منها، ثم ابدأ القراءة. لا تقرأ المقال إن لم تفعل، لأنك على الأغلب لن تفهم شيئًا، كما سيفوتك الكثير من المتعة.

* * * *

إذا كنت قمت بذلك، فأنت على الأغلب لم تفهم حرفًا مما سمعت. لا تجعل ذلك يُحبطك، وسأقوم بتقديم بعض المساعدة. يقول المقطع الأول من هذه الأغنية:

شماليلالي يا هوالي للديرة الشماليلالي يارويللو

عليللي لابوابهوللم تفتح شماليلالي يا رويللو

وأنا الليلة لابعث معاللي للريح الشماليلالي يا رويللو

يصللار ويدورلللي على الحبيلي يابا يارويللو

ليست هناك أي أخطاء إملائية في النص السابق، وهذا هو ما تقوله كلمات الأغنية بالفعل. هل فهمت الآن، أم تحتاج لمزيد من المساعدة؟ يبدو أن القراء صاروا متعبين جدًا هذه الأيام!

تعال عزيزي وسأخبرك.

ما سمعته لتوك ينتمي لنوع من الغناء الفلسطيني القديم يُسمّى “الملولالة” (بتشديد اللام الأولى على الأغلب)، والأغنية التي سمعتها هي إحدى أغنيات التراث الريفي الفلسطيني، والتي ربما حتى كثير من فلسطينيّي اليوم لا يعرفونها نظرًا لقِدمها.

يقوم هذا النوع من الغناء على التشفير عن طريق إضافة حرف “لام” متكرر لكل كلمة تقريبًا (بقواعد معينة ومُغرقة في التعقيد)، بحيث إن من يسمع الأغنية يستحيل عليه أن يفهم المضمون ما لم يكن مُلمًّا بقاعدة التشفير.

تقول الأسطورة إن النساء في الريف الفلسطيني كن يتواصلن مع أزواجهن المعتقلين داخل سجون الاحتلال الإنجليزي (1920-1948) بهذه الطريقة المشفرة، حتى يستطعن إبلاغهم ببعض الرسائل التي تخص موعد تهريبهم، أو قدوم القوات المعاونة قريبًا دون أن يفهم حراس السجن مضمون الرسالة.

لكن الأمر، بطبيعة الحال، بدأ ينتشر لاحقًا كنوع مستقل من الغناء الشعبي. من نوع الغناء الموروث نفسه غنّت منذ سنوات قليلة الفنانة الشابة الراحلة “ريم بنَّا” أغنية “يا طالعين الجبل” (يمكنك الاستماع إليها الآن أيضًا على SoundCloud)، والتي تستخدم طريقة التشفير نفسها، ولكن بطريقة أبسط بعض الشيء:

يا طالعين عين للل الجبل يا موللل الموقدين النار

ففي هذا المثال البسيط إذا قمت بحذف أحرف اللام الزائدة ستصبح الجملة ببساطة:

يا طالعين عين الجبل يا الموقدين النار

وبذلك نعود إلى الأغنية التي استمعنا إليها في البداية، فإذا قمت بحذف أحرف اللام الزائدة فيها، ينفك تشفيرها لتصبح أمام التالي:

شمالي يا هوا الديرة شمالي

على اللي أبوابهم تفتح شمالي

وأنا الليلة لابعث مع الريح الشمالي

يصل.. ويدور لي على الحبيب يابا

****

والآن دعك من الهاتف الذكي عزيزي القارئ، وتعال معي إلى رحلة قصيرة في خيالي، فأنا لا يمكنني تخيّل هؤلاء النساء اللواتي كن يغنين هذا النوع من الغناء في الريف الفلسطيني القديم بشكل جماعي (بدون موسيقى تصويرية أو توزيع مهيب أو رقصات مبهرة) إلا بنفس الطريقة التي أتذكر بها جدتي عندما كانت تغني لنا تلك الأغنيات الموروثة ذات الإيقاع المتكرر لتساعد الأطفال على النوم، أو لتسلي نفسها أمام موقد الخبز القديم فوق سطح منزلها:

لما قالولي ده ولد

انشد ضهري وانفرد

لما قالولي دي بنية

وقعت الحيطة عليّا

هذا الخيال يكاد يسلبني عقلي من فرط الانبهار، ولا أدري تحديدًا لماذا: هل لأنهن نساء؛ بحيث تتحدى الملولالة كل افتراضاتنا الذهنية المسبقة عن “الجندر الأضعف”، والتي لا بد أنك لاحظتها للتو في أغنية جدتي؟ أم لأنهن فلسطينيات؛ بحيث يأتي الانبهار من تخيلات رومانسية لمقاومة الاحتلال وللحياة في ظله؟

لا أدري في الحقيقة، وربما فقط تبهرني “الملولالة” بسبب حبي لجدتي رحمة الله عليها.

و”الملولالة” بالمناسبة ليست هي المثال الوحيد على هذا التشفير المعقد في الموروث الشعبي، ففي مصر لا تزال الثقافة الشعبية تذكر لغة “السيم” التي كانت شائعة بين تجار المخدرات في الثمانينيات والتسعينيات، حيث يقومون باستبدال الحرف الأول من الكلمة بحرف آخر من كلمة تأتي بعدها.

ويمكن للقارئ المصري أن يتذكر بسهولة مشهد الفنانة “عبلة كامل” من فيلم “عودة الندلة” أثناء اقتحامها فيلا “جعبل / عزت أبو عوف”، وهي تتحدث بلغة “السيم”، ثم رد فعل الفنان “محمد شومان” الذي اعتقد أنها تتلو تعاويذ سحرية.

كذلك في تونس، هناك ما يُسمى “القِجمِّي”، وهو نوع من التشفير يكون شائعًا بين أبناء الحي الواحد حتى يتمكنوا من التواصل دون أن يفهم الغرباء، وقد استعاده مغني الراب التونسي الشاب klay BBJ في بعض أغنياته.

كل هذه الأمثلة البسيطة تطلعنا إلى أي مدى يمكن للغة أن تكون وسيلة مقاومة فعّالة للسُلطة، فسواء كانت الملولالة نوعًا من المقاومة الجندرية أو مقاومة الاستعمار، وسواء كان “السيم” و”القجمي” من أشكال تحدي سلطة ثقافة المجتمع السائدة أو التحايل عليها؛ لكن اللغة تقوم هنا بالتعالي حتى على ذاتها، وتتمرد على نظامها الداخلي نفسه.

لاحظ أن التمرد هنا ليس في مضمون العبارات، ولكنه تمرد يحدث على مستوى منطق اللغة ذاته. اللغة هنا تنفجر بالتمرد والغضب من داخلها، وليس على أطراف حروفها كما بإمكانك أن تفعل في مشاجرة أو مظاهرة سياسية.

اللغة هنا أيضًا تمارس نوعًا من التمييز المقصود، فهي تتوقف عن أن تقسم نفسها بين متحدثيها بعدالة، لكي تختار من سيفهمها ومن ستمنعه من الفهم. فاللغة هنا، إذن، تنفلت من السلطة القابضة على المجتمع، لكي تصبح هي بذاتها سلطة!

واللغة ليست كائنًا يعمل في الفراغ، لكنها تعمل ضمن فضاء الوعي الإنساني الأوسع، والذي تكشف هذه الحالات الاستثنائية من التشفير اللغوي عن قدرته المتجددة على اختراع الرمز والمعنى، وعن قدرة الإنسان دائمًا على ابتكار الاجتماع وإدارته، والانفلات من أي سلطة تحاول احتواء امتداده وديناميته، حتى سلطة العجز الإنساني والمحدودية البشرية نفسها.

فـ”الرمز” بكافة أنواعه (الحرف/العبارة/الأغنية/اللوحة/.. إلخ) ليس إلا اختزالًا مذهلًا للخبرة الإنسانية، وتكثيفها في مادة قابلة للانتقال من ذهن إلى آخر عبر قنوات التواصل، وبالتالي مراكمة التجارب والخبرات الاجتماعية، وحفظها من التبدد، ومن ثم تجاوز مستوى الوجود المادي الطبيعي إلى مستوى أرقى وأعقد.

و”الفن” و”الثقافة” و”العلم” و”الدين” ليسوا جميعًا سوى خزانات عملاقة للرموز تمت مراكمتها عبر آلاف السنوات من الخبرة الإنسانية على الأرض.

تفتح الملولالة أذهاننا على المطلق، فالإيمان في جوهره ليس إلا تلك المحاولة الدؤوبة من الوعي نحو التجاوز والمفارقة، حتى لو ظل في تلك الرحلة التصاعدية مسجونًا داخل “الرمز”، لكنَّه يظل دائمًا يتمرد على الرمز ليصنع رمزًا آخر، وهكذا.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

يامن نوح

باحث أنثروبولوجي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram