لم تفلت من "كورونا"

المنتجات الصينية بمصر الأكثر تضررًا

قبل عدة أعوام استأجرت “سماح” منزلًا صغيرًا في حي الدقي بمحافظة الجيزة لبدء مشروعها الصغير التي طالما حلمت به “بوتيك” لبيع ألعاب وعرائس الأطفال والفوانيس الرمضانية والحقائب النسائية وبعض الإكسسوارات المنزلية، وجميعها منتجات صينية الصنع تتعاقد مع مستوردين للبيع بالجُملة لشرائها.

مع انتشار فيروس كورونا في مصر وزيادة عدد الإصابات، تأثر عمل “سماح” التي خسرت موسم شهر رمضان الذي اعتادت أن تكون نسبة مبيعاتها كبيرة فيه لزيادة الطلب على فوانيس رمضان صينية الصنع، وكذلك مواسم الأعياد. تقول لـ”ذات مصر”: “مبيعاتي تأثرت بنسبة 90%، كورونا قضى على كل شيء”.

“سماح” تقول لـ”ذات مصر”، قد “أضطر لبيع بعض ذهبي الخاص إذا ظلت نسبة المبيعات في هبوط؛ حتى لا تتراكم عليَّ الالتزامات المتمثلة في إيجار البوتيك”. مضيفةً: “صاحب الشقة لا يتحمل تأخر الإيجار، وكذلك مرتبات العاملين، فضلًا عن فواتير الكهرباء وصيانة الأسانسير. التزاماتي كتيرة ممكن توصل لـ25 ألف جنيه في الشهر”.

انخفاض نسب استيراد مصر من الصين 80% منذ تفشي كورونا

تعمل “سماح” على الطلبيات التي تأتيها عبر مواقع التواصل الاجتماعي “الأوردرات الأونلاين” التي يتراوح عددها ما بين 10 إلى 15 طلبًا يوميًّا وهو ما “يسد خانة من خانات” التزاماتها الكثيرة حسب وصفها.

تقول: “طموحي حاليًّا أن أتحصل على نفقات المحل وأحافظ على مكاني ولا أضطر لتركه، ولو طلع لي مكسب يبقى خير، فمجرد أني أفكر في ترك البوتيك أشعر باليأس والحزن، فهو مجهود وتعب أعوام”.

مُخلص الجمارك في ميناء بورسعيد شمال شرق القاهرة “قدري مجاهد”، يقول لـ”ذات مصر”، إن نسبة الاستيراد من الصين بعد تفشي كورونا انخفضت بنسبة 80%، على الرغم من عدم توقف الاستيراد بشكل كامل، كما أن عدد الحاويات التي تدخل الميناء الآن قليل جدًّا.

جمارك ميناء بورسعيد

ويضيف “مجاهد” أن المصانع الصينية تعمل في هذه الفترة على إنتاج منتجات طبية لمواكبة المساعي العالمية لمواجهة وباء كورونا، مثل القفازات والكمامات الطبية لكثرة الطلب عليها، خصوصًا في ظل ضعف إنتاج الكثير من الدول لتلك الأدوات الطبية.

وحققت الصين إيرادات تصل إلى 1.4 مليار دولار في مارس الماضي من مبيعات المواد الطبية إلى الخارج، حيث صدرت نحو 4 مليارات قناع و37 مليون سترة طبية واقية، بالإضافة إلى مليون مقياس حرارة وأجهزة للتنفس الاصطناعي، حسب تقرير نشره موقع “نيوز ري” الروسي.

ويشير المُخلص الجمركي إلى أن عدم قدرة المستوردين على السفر بسبب وقف الطيران أثر على تجارتهم، موضحًا أن الطلب عبر الإيميل ليس حلًّا، مضيفًا: “يجب أن يرى المستورد البضاعة بنفسه كي لا يتعرض للنصب، ويتأكد من شحن المنتج الذي طلبه وليس منتجًا آخر، لكن يمكنه الطلب أونلاين في حال كان له مصدر موثوق في الصين يستطيع معاينة البضائع قبل شحنها إلى مصر”.

سوق المنتجات الجلدية تأثر بكورونا.. والسلع المصرية البديل

مبيعات بوتيك “سارة علاء” لبيع الشنط الحريمي والإكسسوارات “الهاند ميد” وأدوات المطبخ التي تُستورد معظمها من الصين وتركيا، تأثرت بنسبة 50 إلى 60% منذ بداية أزمة كورونا، تقول سارة لـ”ذات مصر”: “إن المستوردين الذين تتعامل معهم رفعوا الأسعار بنسبة 30 إلى 40%، مؤكدة أن سبب هذا الارتفاع هو صعوبة الاستيراد في ظل الظروف الراهنة”.

عدم توافر بعض السلع التي يكون الطلب عليها كبيرًا جعل “سارة” تخسر العديد من زبائنها، تقول: “الزباين بتيجي تسأل على طقم توابل معين، لكن ما بيبقاش متوفر في السوق، وبالتالي خسرت زباين وفلوس.. فضلت مدة كبيرة أدور على المنتجات اللي نقصت عندي لكن المستوردين اللي بتعامل معهم مش عارفين يستوردوا”. وعن بدائل “سارة” في حال استمرت الأزمة تقول: “سأعتمد على السلع المصرية الصنع”.

منتجات جلدية مستوردة
مخلص جمركي: الموانئ خالية من الوباء ونلتزم بالإجراءات

“أحمد العطار”، مُخلص جمارك في ميناء بورسعيد، يقول لـ”ذات مصر”: “لا يوجد شحن للمنتجات كاملة الصنع لعدم قدرة سفر المستوردين للصين وشراء منتجاتهم ثم تحميلها للقاهرة، أما السلع الأخرى مثل السلع الغذائية والمواد الخام فتدخل بسهولة؛ وذلك لشحنها من المصانع الصينية إلى المصانع المصرية مباشرة”.

أحمد العطار مخلص جمارك بميناء بورسعيد

“العطار” يضيف: “لا توجد بضاعة تدخل الميناء، وعندما يتحسن الوضع سيتم إدخال جميع البضائع المتروكة في الميناء”، مشيرًا إلى أن السلع التي يتم إدخالها الآن هي البضائع التي شُحنت من الصين إلى القاهرة قبل تفشي الوباء في مصر وفرض الإجراءات الاحترازية.

وأكد أنه لا يوجد تفشٍّ للوباء في الموانئ ولا أثر له على المنتجات المستوردة، موضحًا: “السلع التي يتم شحنها لا تتأثر بالمرض لأنها تظل في البحر لمدة 15 يومًا قبل الشحن، وهي فترة كافية لقتل أي فيروس على السلع”.

كورونا يجبر "محمود" على البحث عن عملٍ جديد

“محمود عبدالعزيز”، مستورد ملابس وأدوات رياضية من الصين، يقول لـ”ذات مصر”: “الوضع سيئ جدًّا. تجارتي تأثرت بأكثر من 90% بعد دخول الوباء مصر، وإذا استمر الوضع على هذا الحال سأغير نشاطي وأعمل في أي مجال آخر بعيدًا عن التجارة”.

قرار مجلس الوزراء في 18 مارس الماضي بتعليق رحلات الطيران الخارجية للحد من انتشار كورونا، أثر على عمل “عبدالعزيز”، لعدم قدرته على السفر للصين لشراء سلعه ومعاينتها قبل شحنها إلى مصر، وقبل صدور القرار بأيام كان شريكه قد سافر للصين لاستيراد بعض الأدوات والملابس الرياضية حتى جاء قرار الحكومة بوقف حركة الطيران، وعَلِقَ شريكه هناك فترة طويلة قبل أن يعود بخفّي حنين.

“عبدالعزيز” يرى أنه لا بديل أمامه عن الاستيراد من الصين، لأن جميع الزبائن، حسب قوله، تعتمد على المنتجات الصينية، لجودة التقفيل والخامة، مؤكدًا أن الإجراءات الاحترازية ساهمت في تراجع المبيعات بشكل كبير، لافتًا إلى أن الإقبال على شراء الملابس والأحذية وغيرها قليل جدًّا؛ فشراء الطعام والشراب والمنظفات والمعقمات المطهرة أهم بكثير حاليًّا بالنسبة للجميع.

ويُضيف “عبدالعزيز”: “الوباء قضى على سوق هذه السلع بشكل كبير، ونسبة مبيعات منتجاتي في محال البيع بالقطاعي تراجعت بنسبة 90%، وهو أمر غير معهود من قبل”.

أحمد شيحة عضو شعبة المستوردين في الغرفة التجارية

عضو شعبة المستوردين في الغرفة التجارية “أحمد شيحة”، يقول لـ”ذات مصر”، إن استيراد جميع المنتجات متوقف حتى الآن عدا استيراد السلع الغذائية والطبية، موضحًا أن تأثير فيروس كورونا لم يقتصر على المنتجات الصينية فقط، بل شمل جميع المنتجات التي تستوردها البلاد من الخارج.

المتضررون من كورونا: ننتظر الفرج أو دعم الحكومة

“حسين سيزار”، مستورد وصاحب محل بيع شنط حريمي بالجُملة، تأثرت مبيعاته بعد توقف الاستيراد من الصين بنسبة تصل إلى 98%، ويقول لـ”ذات مصر”: “أحمد الله أن عندي خزينًا يكفي للفترة الحالية، لكن في حال استمرار الوضع بالشكل دا، ناس كتير هتقعد في البيت”.

 

ليس لدى مستورد الشنط الحريمي أي حلول أخرى للخروج من المأزق، خصوصًا أن نسبة الشراء الأونلاين على سلعة من هذا النوع قليلة جدًّا، يقول “سيزار”: “لا توجد رغبة لدى الشعب للشراء، فما الهدف من شراء ملابس أو أحذية أو شنط إذا كانوا يخافون أن يذهبوا إلى المطاعم والكافيهات والسينمات، فارتداء الشنطة مرتبط بالخروج وليس بالجلوس في المنزل”.

ولم يكن “صالح فوكس”، تاجر السلع الرياضية بالمنصورة (شمال القاهرة)، أحسن حالًا من “سيزار”، إذ يعتمد على بيع الأدوات الرياضية للملاعب والرياضيين، مثل كرة القدم والأحذية والملابس الرياضية، التي قل الإقبال عليها منذ غلق الملاعب والأندية الرياضية. يقول لـ”ذات مصر”: “يعتمد شغلي على بيع تلك الأدوات بنسبة 60%، والشيء الوحيد الذي عليه إقبال هي الأدوات الرياضية التي يمكن اقتناؤها بالمنزل”.

تجارة الملابس الرياضية

لا حلول أمام “فوكس” في هذه الفترة سوى “انتظار الفرج” على حد قوله، مُطمئنًا لوجود خزين يكفيه للشهور القادمة، ولكن ما يقلقه هو تدني نسبة الشراء وصعوبة الاستيراد.

نائب رئيس الأعمال المصري الصيني: "السوق في حالة ركود كبيرة

“مصطفى إبراهيم”، نائب رئيس الأعمال المصري الصيني، يقول لـ”ذات مصر”: “لم يؤثر كورونا على اقتصاد مصر فقط، بل على اقتصادات دول العالم أجمع، ولا يمكن لأي شخص أيًّا كان أن يتنبأ بأرقام حجم الخسائر النهائية التي لحقت بالاقتصاد المصري بسبب جائحة كورونا”.

ويضيف “إبراهيم”: “يمكن بعد القضاء على الفيروس أو الحد من انتشاره في مصر قياس حجم التأثير على السلع أو المنتجات الصينية، لكن حاليًّا لا يمكن ذلك، ووارد جدًّا إعلان بعض الشركات إغلاقها، وكذلك بعض القطاعات الأخرى”.

نائب رئيس الأعمال المصري الصيني يوضح أن الصين تعرض كل السلع التي تنتجها للتصدير، إلا أن المشكلة تكمن في الطلب، فالمنتجات التي تستوردها مصر تقتصر على الأدوات والأجهزة الطبية، لكن المنتجات الأخرى كالملابس والأحذية لا يوجد عليها طلب الآن لأن السوق في حالة ركود عميق.

يؤكد “إبراهيم” أن الحكومة لم تدعم القطاع التجاري والخدماتي مثل دعمها لقطاعي السياحة وكذلك الصناعة، يقول عنهما: “تعطيهما الدولة أولوية”، مطالبًا الحكومة بتسهيل عملية الاقتراض لدعم الاستثمار التجاري مثلما يحدث مع الاستثمار الصناعي، وتقديم الدعم للمستوردين والتجار.

ويضيف: “لا يمكن الاستغناء عن المنتجات الصينية لا الآن ولا مستقبلًا، فالطلب على السلع الصينية ما زال قائمًا، وهي سلع لها جمهورها الخاص الذي يبحث عن منتجات بجودة جيدة وأسعار في متناول يده، وفي حال بحث عن بديل آخر فسيكون في مستوى أسعار المنتجات الصينية. العمل مع الصين سيزداد في الفترات القادمة فهي مصنع العالم، وهي بلد صامد يستطيع أن يتجاوز أشد المحن”.

الصين أفلتت من كورونا.. ومنتجاتها عالقة في الموانئ

“عتمان أنور”، مستورد سلع من الصين وصاحب مكاتب جُملة وقطاعي لبيع النظارات الطبية والشمسية، تراجعت مبيعاته بنسبة 70% بعد تفشي فيروس كورونا، كما يقول لـ”ذات مصر”.

وبالرغم من أن باستطاعة “أنور” طلب المنتجات عبر الإيميل، إلا أنه خيار يحمل الكثير من المخاطرة بسبب عدم ضمان مستوى البضاعة وجودتها ومطابقتها للمواصفات، يقول: “يمكن الاتفاق مع مصنع ما لعمل المنتج وشحن الأوردر، لكن لا يمكن ضمان جودته ما لم أره وأعاينه، لهذا السفر ضروري قبل الشحن للمعاينة”.

صاحب محال النظارات لديه خزين يكفي لتشغيل محلاته الخاصة لبيع القطاعي، لكنها ليست كافية لبيعها لباقي التجار الذين يتعامل معهم: “لا يمكن أن أجازف وأبيع لهم وأنسى محلاتي. ولا أعرف متى يسدد أولئك التجار ثمن المنتجات التي يقومون بشرائها لهبوط نسبة البيع في الفترة الحالية وعزوف المواطنين عن الشراء”.

الاستفادة من الأزمة ودعم الصناعات المحلية

المحلل الاقتصادي “أحمد علي” يقول لـ”ذات مصر”، إنه في حال استمر فيروس كورونا فترة أطول فعلينا التحول لتشجيع الصناعة المحلية والإنتاج المحلي حتى لا نظل تحت رحمة الاستيراد، مضيفًا: “وارد تحت ظروف جبرية أو قهرية أن يتوقف الاستيراد مرة أخرى، فهل أظل تحت رحمة الاستيراد، سواء كدولة أو رجال أعمال أو مستوردين”.

“علي” يؤكد ضرورة إعادة النظر في قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، مطالبًا الدولة بدعمه بشكل أكبر حتى يستطيع توفير البديل في أي ظرف مثل الظروف الحالية على سبيل المثال؛ كتوفير الكمامات، والملابس الجاهزة، والأحذية، وغيرها.

ويُضيف “علي”: “لا أعرف أي حلول يمكن للمستورد الذي يعتمد في تجارته على المنتجات الصينية أن يتبناها، فلا بديل أمامه عن تلك السلع، لأسعارها المنخفضة وتصنيعها الجيد، فلا توجد منتجات أرخص من المنتجات الصينية، واللجوء لأي منتجات أخرى يعتبر مخاطرة لا أعتقد أن أي مستثمر سيخوضها في الفترة الحالية، لذا فإن مستقبل السلع الصينية في مصر قوي جدًّا”.

ويستشهد “علي” بالبيانات التي نشرتها مؤخرًا التجارة الخارجية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والتي تفيد بأن الصين هي أكثر الدول التي تستورد منها مصر، والتي بلغت قيمة الواردات منها 4 مليارات دولار في الربع الأول من العام الماضي.

ويؤكد أن إمكانيات السوق الصيني المتعددة في تصنيع المنتجات المناسبة لمستوى دخل المشتري العادي، جعلها قادرة على إغراق الأسواق العالمية، مضيفًا: “الدليل على ذلك أنهم كانوا السبب في ظهور فيروس كورونا، والآن نراهم قادرين على التعافي منه، والرجوع لحياتهم الطبيعية، وإعادة عجلة الإنتاح مرة أخرى، وغزو الأسواق بالمنتجات الطبية التي يحتاجها العالم حاليًّا، فالشعب الصيني قادر على تحويل الأزمة لمكسب كبير له” على حد وصفه.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

هناء طلال

صحافية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search