لنا ديننا

عقيدة سادة الكوكب

بعد سلسلة من الإخفاقات نحّت “داكني تاكارت” أخاها -رئيس شركة “تاكارت” للسكك الحديدية- عن اتخاذ القرار في محاولة لإنقاذ المؤسسة الضخمة. انعدام الكفاءة لم يكن خاصًّا بشقيق “داكني” وحده، فالطبقة التي انتمى لها الأخوان وتحكمت في اقتصاد الولايات المتحدة فقدت السيطرة بعدما سمح تراخيها وضعفها للحكومة أن تبالغ في فرض الضرائب مهددة الشركات الكبرى بالاستيلاء على عددٍ منها، ونتيجة لتلك السياسات تداعى الاقتصاد.

أثناء محاولات “داكني” إنقاذ الشركة تقع حوادث غامضة. يختفي عدد من كبار المديرين التنفيذيين ورجال الأعمال والعلماء، ثم تقود الصدفة “تاكارت” لكشف اللغز عندما تسقط طائرتها في أحد الوديان فتفاجأ بأن المختفين أنشئوا به مجتمعًا جديدًا كنوع من الإضراب ضد سياسة الحكومات التي ابتزّت أموالهم وحاصرت مؤسساتهم وشركاتهم.

الإضراب يقوده وينظر له طالب فلسفة ومخترع يدعى “جون غالت”. اعتقد الشاب النابغ في أفكار مفادها أنه لا ينبغي لأحد العيش من أجل أحد آخر، لذا رفض الرضوخ لإملاءات فرضتها الطبقة الحاكمة على “رجال العقول” حتى يتنازلوا عن نتاج عملهم تحت دعاوى المساواة وعدالة التوزيع، واختفى بعيدًا عن الأنظار ليؤسس مجتمعًا جديدًا بعيدًا عن سلطة أية حكومة.

هذا ملخص لرواية عنوانها “أطلس متململًا”، ظهرت أول مرة سنة 1957 وحملت رؤية فلسفية رشحتها لأن تغدو الكتاب المقدس للتيار الليبراتي، ووفق إحصائية لمكتبة الكونجرس 2009 احتلت الرواية المركز الثاني في التوزيع بعد الإنجيل، أما المؤلفة فهي الروائية والفيلسوفة “آين راند” التي عدّها أتباع المذهب نبية له.

في تعريف موجز لـ”الليبراتية” فهي فلسفة سياسية اجتماعية تنحاز إلى حقوق الأفراد وحرياتهم، ويعارض الليبرتاريون أي نوع من التدخل الحكومي في الاقتصاد أو الحياة الخاصة، وهم فيما يخص ذلك أكثر تشددًا من أتباع الليبرالية الكلاسيكية.

وبخصوص تعاليم نبية الليبراتية فقد تأسست على قاعدة نيتشوية رأت في البقاء القيمة أو الغاية النهائية للإنسان، وكل ما عدا هذه الغاية فهو وسيلة، فما يعزز حياة المرء خير وما يهددها شر، وضمن هذه الرؤية نظرت الفيلسوفة الأمريكية ذات الأصل الروسي إلى الأخلاق باعتبارها ضرورة لبقاء الإنسان على المدى الطويل، فهي ليست غاية في حد ذاتها.

استفسرت “راند” في روايتها على لسان “غالت”: “هل تسأل ما هو الالتزام الأخلاقي الذي أدين به لإخواني في الإنسانية؟ الجواب هو لا شيء؟”.
لهذا سعى “غالت” إلى ترسيخ نظام اجتماعي يقوم على الاعتراف بالحقوق الفردية، بالأحرى نظام رأسمالي الملكية فيه تعود فقط للقطاع الخاص، أما الدولة فلا يجوز لها التدخل أو استعمال القوة ضد المواطنين، وتقتصر مهمة الحكومة على تحصين الفردية في مواجهة أي اعتداء إلى جانب حماية حقوق الإنسان، فوفق رؤية “آين”: لسنا دولة ولا مجتمعًا بقدر كوننا تجمعًا بشريًّا مبنيًّا على إرادتنا، ويستجيب لمصلحتنا الفردية.

"جاك دورسي" مؤسس "تويتر"

الأفكار التي بذرتها “راند” بين صفحات روايتها الأشهر وفي أعمالها الأخرى، أينعت في عقول عدد كبير من سادة العصر، فمؤسس “آبل” رائد الأعمال الأشهر “ستيف جوبز” عدّ “آين” مرشدة له، بينما أبدى “جاك دورسي” مؤسس “تويتر” والمدير التنفيذي للشبكة الاجتماعية إعجابه البالغ بأعمال “راند” واعتناقه تعاليمها. كما يُعد كلٌّ من “بيتر ثيل” مؤسس “باي بال”، و”كيفين سيستروم” مؤسس “إنستجرام”، و”سيرجي براين” مؤسس “جوجل”، و”ترافيس كالانيك” الرئيس التنفيذي لـ”أوبر”، و”إيفان شبيغل” المؤسس والرئيس التنفيذي لـ”سناب شات”؛ من أتباع نبية الليبراتية “آين راند”.

صورت “راند” أمثال هؤلاء الرواد بالإله أطلس في الميثولوجيا الإغريقية، الذي عاقبه “زيوس” بأن أجبره على الوقوف حاملًا السماء فوق كتفيه للأبد، ومسايرة لهذا التخييل حذرت “آين” مما قد يلحق بالبشرية إذا أسرفت في الضغط على هذه الفئة المختارة: ماذا لو قابلت ذات يوم ذلك العملاق الذي يحمل العالم على كتفيه ورأيت الدماء تسيل على صدره وذراعيه ترتعشان وأقدامه تتخبط، ومع ذلك لا يزال يحاول رفع العالم حتى آخر ما تبقى له من قوة، وكلما بذل جهدًا أكبر ازداد ثقل العالم على كتفيه، ماذا تود أن تقول له؟” تجيب: أقول له، ضع هذا الحمل عن كاهلك.

تقضي دعوة “آرين” الليبراتية بفصل الاقتصاد عن الدولة مثلما جرى مع الدين، فكما أن تدخل الدولة في الدين مفسدة للاثنين فكذلك الحال مع التدخل في الاقتصاد لصالح فئات “غير منتجة” فهو يفسد الدولة واقتصادها معًا، أما المنظومة الاجتماعية السياسية المثلى لإعلاء الليبراتية فهي الرأسمالية، وتحديدًا “رأسمالية عدم تدخل الدولة في الشئون الاقتصادية” التي تعتنق “مبدأ التاجر” متمثلًا في التبادل الطوعي بين طرفين مستقلين.

على عكس كثير من الرأسماليات السائدة، لا وجود في رؤية “آين” لطبقة رجال أعمال طفيلية كونت جل ثرواتها من خلال محاباة الدولة، فالسبيل الوحيد الشرعي لتراكم الثروة يكون عبر ما تسميه “راند” بـ”الجهد الصادق”.

الفيلسوفة والروائية الأمريكية "آين راند" (1905-1982)

في يوتوبيا “آين” العقلانية هي الفضيلة الأخلاقية الرئيسية، وتفيد بأن على المرء أن يبذل أقصى ما في وسعه ليحقق ذاته غير معنيّ بشيء آخر، لهذا فالأنانية فضيلة، والإيثار أو التضحية بالنفس من أجل الآخر فعل لا أخلاقي، وأي مساعدة يمنحها المرء لغيره استثناء للقاعدة، ولا تصحّ المساعدة إلا في سبيل إسعاد الفرد لنفسه.

أنت لست مسئولًا سوى عن تحقيق سعادتك، ونشاطك الأنبل هو إنجازك، والمطلق الوحيد لديك العقل، وهو الوسيلة الشرعية لبلوغ غايتك في السعادة التي تصورها “راند” بكونها “حالة من البهجة لا تناقض فيها، بهجة دونما عقاب أو شعور بالذنب”.

ولكي يتحقق الفرد لا بد له من مجتمع تصفه “آين” بأنه “جمعية طوعية بين أناس لا تجمعهم سوى المصلحة الشخصية لكل منهم”، ومقياس فضيلة مجتمع كهذا المال، واكتسابه يكون بواسطة “الجهد الصادق”، لا عبر عطايا الحكومات ومحاباتها، فـ”عندما يجري تداول المال بالإكراه لا بالموافقة، وعندما تجد أنه من أجل أن تنتج فإنك مضطر إلى الحصول على إذن من أناس لا ينتجون شيئًا، وعندما ترى الأموال تتدفق على أولئك الذي يتعاملون لا بالبضائع بل بالمحاباة؛ فلتعلم حينها أن مجتمعك محكوم عليه بالفشل”.

وهو ما حدث في ديستوبيا “راند”، حيث جمعت الحكومة حولها مجموعة من رجال الأعمال الطفيليين لتسند إليهم من المشروعات ما ضخّم ثرواتهم، في حين جازى المسئولون “أصحاب العقول” بالضرائب والقيود، لينسحب أولئك فيما يشبه الإضراب ويدخل العالم في فوضى عارمة، عندها يقرر “غالت” العودة لإنقاذ الوضع، ويلقي بيانًا على الشعب يشرح فيه أسباب الخراب ورؤيته للحل، رؤية ربما لا تحكم عالم اليوم كما طمحت الفيلسوفة الأمريكية، لكن ما كان لها أن تتخيل الإنجاز الذي أرساه جيل جديد من رواد أعمال يتبعون تعاليمها بعدما أبدعوا عالمًا سيبرانيًّا أمسى يوجه ويدير واقعنا.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram