قبل غلق السفارة الأمريكية

بغداد في "شيء من الخوف"

كان آخر ما يحتاج إليه رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، الآن، أن يقع ضحية “الخوف الأول”، الذي عبّر عنه عندما تولى رئاسة الحكومة في مايو/أيار 2020: “ألا يقع العراق ضحية الصراع الأمريكي – الإيراني”.. وقتها، استقبل الكاظمي سفيري واشنطن وطهران في بغداد، وكانت رسالته واضحة: “كفى”.

في زيارته الأولى إلى البيت الأبيض في أغسطس/آب الماضي، حظي الكاظمي بإعجاب شخصي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولهذا فإن الطعنة السياسية التي شعر بها الرجل الآن، (تهديد وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، بإغلاق السفارة الأمريكية في بغداد)، لا بد من أن تكون مؤلمة، إذ لم يمض وقت على عودة رئيس الحكومة “المظفرة” من واشنطن متسلحًا بإعلان جدولة انسحاب القوات الأمريكية من العراق حتى ألقى بومبيو كرة النار في وجهه.

ترامب والكاظمي
المحطة الأخيرة للصراع؟

القنبلة السياسية التي فجرها بومبيو بإبلاغ الرئيس العراقي، برهم صالح، ثم الكاظمي نفسه، بأن واشنطن تبحث إغلاق سفارتها في بغداد ما لم تنجح قوات الأمن العراقية في وقف هجمات الصواريخ على المنشآت الدبلوماسية والعسكرية الأمريكية، أو ما تبقى منها على الأراضي العراقية، يضع العراق والمنطقة على مفترق طرق لا تعرف وجهاتها ولا مآلاتها، ذلك لأن “الإنذار الأمريكي” المباغت من شأنه خلط أوراق عديدة، قد يكون الكاظمي أولى ضحاياه بانتحاره سياسيًّا، ويشكل تحولاً كبيرًا في منطقة الشرق الأوسط بعدما مثّل العراق، قبل 17 سنة، ذروة الاندفاعة الأمريكية في “ألغام المنطقة”.

الإشكالية الرئيسة تتمثل في أن الأمريكيين يدركون تمامًا حساسية الوقائع العراقية القائمة منذ ما بعد غزو 2003، والتي لا “ذنب” للكاظمي فيها، ويدركون أكثر أن قرار اغتيال قائد “فيلق القدس”، قاسم سليماني، ونائب قائد الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس، في مستهل 2020، نقل مرحلة الصراع الأمريكي-العراقي إلى مستوى أكثر حدة وخطورة، وترك تأثيره الكبير في مجريات الصراعات وأدواته.

قاسم سليماني الذي اغتالته أمريكا

قبل إعلان الإنذار الأمريكي، لمس الكاظمي بنفسه حدة الموقف الإيراني، ففي زيارته الأولى إلى الخارج، التقى في طهران مرشد الجمهورية الإيرانية، علي خامنئي، الذي قال له: “لقد قتلوا ضيفك في بيتك”، في إشارة إلى قاسم سليماني.

معنى هذا الكلام أن خامنئي يجد نفسه متحررًا من “الخوف الأول” للكاظمي، أي إن قرار الإيرانيين بالعمل على إخراج القوات الأمريكية من العراق لا يزال قائمًا مهما كان الثمن.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الهجمات الصاروخية والعبوات الناسفة التي تستهدف القوات الأمريكية سبقت اغتيال قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس في 3 يناير/كانون الثاني الماضي، لكنها اتخذت منحى أكبر فيما بعد، لتَتْبعها بعد 4 أيام هجمات صاروخية بعيدة المدى نفذتها إيران، انتقامًا، ضد القواعد العسكرية الأمريكية على الأراضي العراقية.

قصف السفارة الأمريكية في العراق
حسابات الدم

تحول جذري في المشهد العراقي، وربما أبعد. فإيران كانت ممسكة بالعديد من خيوط اللعبة مع أمريكا، وفُرِض عليهما التنسيق في مراحل عديدة، والتناغم أحيانا، مهما بدت حدة الخطابات بينهما.

وما كان اختيار الكاظمي نفسه مرشحًا لرئاسة الحكومة ليتم لولا هذا التناغم الأمريكي-الإيراني غير المعلن، فالرجل لا يتمتع بقاعدة سياسية أو شعبية تتيح له القفز إلى صدارة المشهد العراقي، في مرحلة التجاذب القائمة بين خامنئي وترامب بفعل تمزيق الأمريكيين للاتفاق النووي المبرم في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما.

يبدو أن حسابات السياسة لم تلغِ حسابات الدم، فإخراج الأمريكيين أصبح هدفًا معلَنًا، إذ يتسلح الإيرانيون بقرار اتخذه البرلمان العراقي نفسه بعد اغتيال سليماني والمهندس، يطلب من حكومة العراق العمل على إخراج كل القوات الأجنبية من البلاد.

اقتحام السفارة الأمريكية في العراق

وليس سهلاً على ترامب الخضوع لهذا الضغط؛ وهو يعتقد أنه يمارس ضغوطه الكبرى على الإيرانيين لجرّهم إلى التفاوض على اتفاق نووي بديل، يبدو فيه الرئيس الأمريكي أكثر قوة وحنكة مما قدمته إدارة (أوباما- بايدن) عام 2015، وليس سهلاً عليه أيضًا الخضوع لهذا الابتزاز الميداني المتمثل في الهجمات الصاروخية، والذي يفرضه عليه الإيرانيون عشية انتخاباته الرئاسية الحرجة.

لا يريد الرئيس الجمهوري ووزيره بومبيو أن يجازفا باختبار تأثير هجوم صاروخي إيراني يوقع قتلى أمريكيين، وتُعرض صورهم على قنوات تليفزيونية أمريكية، ثم يقعا (أي ترامب وبومبيو) تحت وطأة تنكيل الخصوم الديمقراطيين لأنهما كانا على علم بالمخاطر الميدانية العراقية ولم يتحركا لحماية الدبلوماسيين والعسكريين الأمريكيين، وتجنيب الولايات المتحدة تكرار الكارثة التي جرت مع السفير الأمريكي في بنغازي عام 2012، أيام حكم الديمقراطيين في البيت الأبيض.

مقتل السفير الأمريكي في بنغازي عام 2012

إذًا، قد يكون “الإنذار الأمريكي” لحكومة الكاظمي بإغلاق سفارة واشنطن في بغداد استباقًا للخطر الداهم، وصك تبرئة محبوكًا حال ما وقعت الواقعة، وقد يكون بالفعل مستندًا إلى معلومات استخباراتية تقول إن شيئًا ما يحضّره الإيرانيون لـ”الضرب تحت الحزام”، على الرغم من أن مثل هذا الاحتمال يخالف المنطق السائد حاليًّا، لأن الإيرانيين يجنحون إلى التهدئة الباردة على أمل تمرير الأيام الثلاثين الأخيرة، التي باتت تفصلنا عن موعد فتح صناديق الاقتراع الأمريكية، والتي قد تُخرِج ترامب من البيت الأبيض.

اللافت في “الإنذار الأمريكي” أيضًا أنه يعكس نية التصعيد، لأنه ارتبط بالتهديد باغتيالات تطال قيادات فصائل الحشد الشعبي، التي يتهمها الأمريكيون بالضلوع في الهجمات الصاروخية ضدهم.

ومهما يكن، يريد الإيرانيون إخراج الأمريكيين نهائيًّا من لعبة السياسة والأمن في العراق، وطيّ صفحة ما بعد صدام حسين لمصلحتهم نهائيّا، في حين يريد الأمريكيون في المقابل تضييق الخناق على الإيرانيين، بعد سلسلة من العقوبات غير المسبوقة التي تفرضها واشنطن على أي دولة.

الحشد الشعبي

هناك قناعة أمريكية بأن العقوبات أنهكت الإيرانيين من الداخل، وإغلاق “المتنفس” العراقي أمامهم يعزز معاناة النظام في طهران، وقد يجبره على الجلوس إلى طاولة تفاوضٍ سريعًا، وهي أمنية عبّر عنها ترامب صراحة وهو يبارك الاتفاقات الإسرائيلية الإماراتية البحرينية منتصف سبتمبر/أيلول 2020.

في السياق ذاته، تريد طهران القول إن سياسة العقوبات الأمريكية ضدها لم تُثنِها عن أهدافها الإقليمية، خاصة في الساحة العراقية، وإن بإمكانها إحراج ترامب وإخراجه من العراق مرة واحدة وإلى الإبد.

مأزق الكاظمي

في لقائهما الأول في 20 أغسطس/آب الماضي، أضاف ترامب لمسة إعجاب شخصية بالكاظمي، ولم يكن ذلك مفاجئًا لكثيرين، لأن رئيس الحكومة العراقية وجه رسائل ضمنية عديدة حول رغبته في تصحيح مسار الأمور في العراق، وفق مبادئ تثير في اعتقاده ارتياحًا لدى واشنطن: انتخابات برلمانية مبكرة، محاربة فساد، سماع صوت المتظاهرين في العراق، ضبط المنافذ الحدودية، بسط هيبة الدولة واحتكارها للسلاح.

هجوم صاروخي على السفارة الأمريكية بالعراق

كانت محاولة الكاظمي الجدية الأولى في هذا السياق، قبل لقاء ترامب، اعتقال خلية من مطلقي الصواريخ، تابعة لكتائب “حزب الله” العراقي، لكن المسألة الآن صارت مختلفة، فـ”إنذار بومبيو” يضع الكاظمي أمام مسؤوليات جسيمة وتحت ضغط زمني محرج، إذ عليه التحرك لمنع الهجمات الصاروخية، في حين يبحث الأمريكيون قرار إغلاق السفارة من عدمه، واحتمال انتقالهم إلى مدينة أربيل في إقليم كردستان، وهم يُخلون في الوقت الراهن بالفعل بعض المقرات الدبلوماسية من السفارة الأمريكية الأكبر حجمًا في العالم.

إزاء هذا الموقف المربك، كثّف الكاظمي لقاءاته ومشاوراته مع ممثلي القوى السياسية، بمن فيهم قيادات القوى الشيعية، وعقد اجتماعًا مهمًّا في 27 سبتمبر/أيلول مع رئيس الجمهورية، برهم صالح، ورئيس مجلس النواب، محمد الحلبوسي، ورئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، للتأكيد على أن “إعلان الحرب” على أمريكا من اختصاص مؤسسات الدولة، وليس من حق أي طرف آخر، وهي رسالة كرر مضامينها الكاظمي بعدها بيومين عندما قال المتحدث باسمه، أحمد ملا طلال: “لا يوجد احتلال في البلد.. وقوات التحالف جاءت بطلب من الحكومات العراقية السابقة”.

تشير هذه التصريحات إلى أن الكاظمي تلقى الرسالة الأمريكية بوضوح، ولعله يبحث الآن عن مخرج سياسي لائق لقرار البرلمان بإجبار الحكومة على سحب القوات الأجنبية من العراق، ربما استنادًا إلى إعلان إدارة ترامب خفض عدد القوات الأمريكية من 5600 إلى 3000، وعلى أساس أن الباقين هم للمساعدة في تدريب القوات العراقية والإسهام في الحرب على الإرهاب، في حين يستند التحرك العراقي حاليًّا إلى مبدأ محاولة إقناع الأمريكيين بخطورة الانسحاب على استقرار العراق والإقليم، ومناشدة الأوروبيين مساندة الموقف العراقي، ومن ناحيته يجري الكاظمي تغييرات أمنية وعسكرية عاجلة لعلها تقنع بومبيو بأن بغداد تلتزم بالفعل.

القوات الأمريكية في العراق

وأمر الكاظمي، أمس، بتكليف اللواء الركن حامد الزهيري بمهام قيادة الفرقة الخاصة، التي ستتولى حماية المنطقة الخضراء، بما في ذلك السفارة الأمريكية والسفارات الأجنبية والبعثات الدبلوماسية الأخرى، بالإضافة إلى القصر الجمهوري.

وقبلها بأيام، وتحديدا في 24 سبتمبر/أيلول، أصدر الكاظمي، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، أوامر بإغلاق مكاتب الأمن الوطني والحشد الشعبي في مطار بغداد وبقية المطارات والمنافذ الحدودية، والإبقاء على مكتبي وزارة الداخلية وجهاز المخابرات فقط.

قبل المذبحة

لا يبدو أن الكاظمي وحده مَن يشعر بخطورة الموقف بعد الإنذار الأمريكي. فهناك بيانات صدرت عن الحشد الشعبي وتحالف الفتح الشيعي بزعامة هادي العامري، أحد أبرز حلفاء إيران، تتبرأ من الهجمات الصاروخية.

الهجمات الصاروخية لا تتوقف في العراق

رئيس هيئة الحشد الشعبي، فالح الفياض، أقال في سياق موازٍ قيادات من الحشد الشعبي، في محاولة لامتصاص “الهجمة” الأمريكية المباغتة، لكن التقديرات تشير إلى أن أي قرارات كهذه تتعلق بالحشد الشعبي يُعطَى لها الضوء الأخضر من طهران. 

زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، صاحب الكتلة الأكبر في البرلمان، كان سبّاقًا في انتقاد الهجمات الصاروخية على السفارة الأمريكية، محذرًا من نتائجها على العراق. وقبل يومين، ذهب إلى أبعد من ذلك وقال: “هناك جهات مشبوهة تؤجج الوضع وتعرّض الأمن للخطر.. من هنا أنصح الجميع بتحكيم العقل والشرع وحب الوطن، قبل الإقدام على أي أمر يجرّ البلاد إلى الحرب الأهلية أو صدام شيعي – شيعي، أو طائفي”.

مقتدى الصدر.. زعيم التيار الصدري

“الإنذار الأمريكي” يثير احتمال التقاتل هذا.. هناك على الأقل 3 فصائل شيعية مسلحة تقف بعداء مطلق مع الأمريكيين الذين سبق أن استهدفوا قواعدهم ومراكزهم العسكرية في العراق نفسه، وفي سوريا المجاورة، مثل “كتائب حزب الله العراقي”، “حركة النجباء”، “عصائب أهل الحق”، وهي تنظيمات تنضوي تحت ألويتها آلاف من المقاتلين.

وبطبيعة الحال، يدرك الكاظمي هذه الحقيقة المُرّة. لكن ماذا عن الأمريكيين وهم يدفعونه إلى “الانتحار سياسيًّا” كما ألمح ديفيد إجناتيوس في “واشنطن بوست” قبل أيام، إذا وضع الجيش في مواجهة مسلحة كبرى مع هذه الفصائل التي تضم نحو 150 ألف مسلح.

شلالات دم جديدة سيعيشها العراق مجهولة نتائجها، وقد تنتهي فعليًّا بخروج الأمريكيين نهائيًّا هذه المرة.

محاذير الاقتتال الشيعي – الشيعي مطروحة أيضًا في تقديرات الخبراء من زاوية أخرى. فقبل 5 أشهر، ترسّخ الانقسام في صفوف الحشد الشعبي بخروج فصائل مسلحة من هيئة الحشد الشعبي، ليتشكل ما يعرف باسم “الحشد الولائي”، التابع للمرجعية الشيعية الأعلى في النجف، من بينها “كتائب الإمام علي”، و”كتائب علي الأكبر”، و”فرقة العباس”، و”لواء أنصار المرجعية”.

“الإنذار الأمريكي” يعزز التباين الواضح مع الفصائل الموالية لإيران، وقد يستدرج اقتتالاً داخليًّا ينزلق إليه الكاظمي إذا لم تُلق له طهران أو واشنطن حبل نجاة في اللحظة الأخيرة، أو تنفذ الإدارة الأمريكية الشق الثاني من تهديداتها باغتيال قيادات الفصائل، في ليلة قاتمة أخرى من ليالي العراق.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

خليل حرب

صحفي لبناني

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram