زوايامختارات

ليالي الموت في فيينا: إشارات الدم في النمسا.. احذروا الذئاب!

 

أرسل حادث فيينا الإرهابي، الذي وقع في 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، عدة إشارات مهمة حول القدرات الحالية لتنظيم داعش، الذي أعلن بالفعل مسؤوليته عن الحادث. فرغم خسارة التنظيم هيكله التنظيمي ومعاقله الأساسية وانتهائه كتنظيم أممي، لا يزال يمتلك عنصرًا قويًّا لا يُستهان به، وهو “العائدون من ميادين القتال والذئاب المنفردة الموالية فكريًّا”، وهم يمثلون أذرع التنظيم في أوروبا، حيث يتواصل معهم من خلال التطبيقات الإلكترونية لتنفيذ بعض العمليات التي يستعيد بها التنظيم سطوته وقدرته العالمية.

التصريحات الأولية عن الحادث كشفت أن مُنفِّذ العملية شاب في العشرين من عمره، داعشي الفكر والهوى، وقد بايع أمير تنظيم داعش عبر مقطع فيديو، وذُكر أنه كان ضمن 90 شخصًا رصدتهم المخابرات النمساوية يريدون الالتحاق بداعش في سوريا، وبتحليل لفيديو الحادث نجد أنه تجول في شوارع المدينة بحرية لمدة 9 دقائق، أطلق فيها عددًا كبيرًا من الطلقات، ما أدى إلى مقتل 4، رجلين وامرأتين، وإصابة 22، بينهم 7 في حالة حرجة، حتى تمكنت الشرطة من تصفية المهاجم في النهاية.

الداعشي أبو دجانة الألباني

دلالات الحادث

نكتشف من فيديو الحادث عددًا من الإشارات:

  1. إجادة المُهاجِم لإطلاق النار من سلاح آلي في أوضاع الثبات والحركة، خاصة الركض.
  2. ارتداء المهاجم حزامًا ناسفًا مُزيفًا، وحمله مسدسًا وساطورًا مع سلاحه الآلي، ما يعني أنه مدرّب على الأمر منذ فترة.
  3. معرفته الجيدة بشوارع قلب المدينة، حيث إن تحرك المهاجم جاء بنحو مدروس، ما يدل على دراية دقيقة بطبيعة مسرح الهجوم وتخطيطه الجيد للعملية.
  4. أداء المهاجم يتماهى إلى حد كبير مع أداء العائدين من الجيل الثاني، خاصة الانغماسيين، وهم العناصر المُكلَّفة بالقيام بعمليات جديدة بتوجيهات قيادة داعش داخل خطوط “العدو”، خاصةً أعمال الاقتحام والإغارة والتصفية الميدانية.

المفاجأة الكبرى في كل هذا، أن الإرهابي القاتل قد وُلد ونشأ في فيينا، وهي المدينة التي قضى لحظاته الأخيرة يقتل أهلها ويروِّع آمنيها، إيمانًا منه بوجوب قتل من يتخلّف عن تطبيق الشريعة الإسلامية، والمقصود بهم هنا أصحاب الديانات الأخرى، اليهودية والمسيحية. وتظل النمسا تحت التهديد بشأن الشبكات الجهادية المتطرفة في غرب البلقان، حيث تُشكل هذه الشبكات تهديدًا محتملاً للأمن القومي النمساوي، بسبب قربها الجغرافي والعدد الكبير من الأقليات البوسنية والصربية التي تعيش في النمسا.

الشرطة النمساوية بعد الحادث

لماذا النمسا؟

تمكنت المنظمات الجهادية -خاصة داعش والقاعدة- من نشر أيديولوجياتها في النمسا، وذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي والهجرة نحو أوروبا، الأمر الذي شعرت معه السلطات النمساوية بالقلق بشأن الجماعات الإسلامية غير الرسمية، خصوصًا تلك التي تؤيد التفسير الأصولي للإسلام أو تروِّج للمبادئ السلفية الراديكالية بعيدًا عن أنشطة المساجد التقليدية. كما لاحظت السلطات النمساوية أن عددًا متزايدًا من طالبي اللجوء انضم إلى الجماعات السلفية في النمسا خلال عام 2017.

ومقارنةً بالدول الأوروبية الأخرى مثل فرنسا وبريطانيا، شهدت النمسا عددًا قليلاً نسبيًّا من الهجمات الإرهابية، ونفذها أفراد على صلة بداعش.

ففي 31 مارس/آذار 2015، اتهمت محكمة نمساوية صبيًّا نمساويًّا (14 عامًا) يُدعى ميركان، بارتكاب جرائم إرهابية، وبحسب ما ورد، فإن ميركان بحث في كيفية صنع قنبلة وأجرى اتصالات مع مسلحي داعش المتمركزين في سوريا، وتوصلت التحقيقات إلى عرض مسلحي داعش مبلغ 25 ألف دولار على ميركان لتفجير سلسلة من القنابل في فيينا.

وأدانت السلطات النمساوية ميركان بأدلة من وحدة تحكم ألعاب PlayStation  خاصة به تضمنت تعليمات بشأن بناء القنابل.

موقع حادث فيينا

مخاطر العائدين

ما يقرب من 313 مواطنًا نمساويًّا شاركوا، أو حاولوا المشاركة، في القتال إلى جانب المتطرفين في العراق وسوريا اعتبارًا من 2017، ويُعتقد أن ما يُقدَّر بنحو 94 من هؤلاء عادوا إلى النمسا، في حين يُشتبه في وفاة 55 منهم.

وقد نجحت السلطات في منع 59 فردًا آخرين من مغادرة البلاد، بينهم 22 امرأة.

وفي أغسطس/آب 2017، سجنت النمسا 64 مقاتلاً أجنبيًّا، 20% منهم تتراوح أعمارهم بين 16 و21 عامًا.

كان المقاتلون النمساويون الأجانب في الغالب من الجيل الثاني من المهاجرين من الشيشان وتركيا والبلقان، وتتراوح أعمارهم بين 18 و35 عامًا.

ولم تسجل النمسا أي محاولات سفر في أواخر عام 2017 بسبب عوامل مختلفة، بما في ذلك خسارة داعش للأراضي والأضرار التي تلحق بسمعته، فضلاً عن جهود النمسا المكثفة لاعتراض محاولات المقاتلين الأجانب.

يُعد فراس هودي، المعروف أيضًا باسم فراس عبد الله الثاني، أحد أشهر الجهاديين في النمسا، غادر إلى سوريا في أوائل 2014، وقبل مغادرته، كتب في صفحته الشخصية على فيس بوك: “إلى عميل المخابرات الذي ربما يقرأ هذا: إمّا أن تقتلنا وإما أن نواصل”.

بعد انضمامه إلى داعش، نشر “هودي” على فيس بوك صورة لقذيفة مدفعية في صندوق جاهز للشحن إلى المخابرات النمساوية.

وفي منشور آخر على الإنترنت، كتب “هودي” أن على مُسلمي النمسا “الجهاد” فيها إذا لم يتمكنوا من القدوم إلى سوريا للقتال.

وقد ذكرت العديد من وسائل الإعلام النمساوية أن الإنتربول أصدر مذكرة توقيف دولية بحقه.

ومع عدم وجود إحصاء دقيق للعائدين من ميادين القتال خلال العام الحالي، أو أعداد المحتجزين منهم، تظل النمسا وفرنسا وغالبية الدول الأوروبية تحت تهديد العمليات الإرهابية، خاصة بعد عودة اعتماد تنظيم داعش شن عمليات مختلفة في أنحاء العالم، وشن ما يُسمى بـ”إستراتيجية حروب الاستنزاف والإنهاك”، مُستغلاً وجود موالين له وعائدين في هذه الدول.

إستراتيجيات مكافحة الإرهاب في النمسا

في أعقاب هجمات “شارلي إبدو” في يناير/ كانون الثاني 2015 بباريس، أعلنت الحكومة النمساوية تخصيص 335 مليون دولار لمكافحة الإرهاب على مدى السنوات الأربع التالية، واستخدمت المخصصات المالية لتوظيف موظفين جددًا مدربين في مجال الأمن السيبراني ومكافحة الجريمة والطب الشرعي، وكذلك شراء معدات مثل الخوذات والأسلحة والدروع الواقية للبدن والمركبات المدرعة للقوات الخاصة، كذلك اشترت “برمجيات جمع الأدلة”، وخصصت جزءًا من الأموال على جهود إزالة التطرف.

موقع هجوم نيس

وفي ما يخص الإطار القانوني النمساوي لمكافحة الإرهاب، ففي يوليو/ تموز 2013، أقر البرلمان النمساوي مراجعات لإستراتيجية الأمن القوميÖsterreichische Sicherheitsstrategie ، والتي شددت على التعاون الدولي في مجالات مكافحة الإرهاب والجريمة السيبرانية، كما تضمنت الإستراتيجية “اندماج المهاجرين” كشرط ضروري لمنع التطرف والراديكالية.

وفي 10 ديسمبر/ كانون الأول 2014، أقر البرلمان النمساوي قانونًا لمكافحة الإرهاب يحظر رموز داعش والقاعدة، كما يسمح القانون للحكومة بإصدار حظر سفر للقُصَّر المشتبه في تخطيطهم للقتال إلى جانب الجماعات المتطرفة في الشرق الأوسط، كما سمح للحكومة بتجريد النمساويين مزدوجي الجنسية من جنسيتهم إذا انضموا إلى صراعات أجنبية.

وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2017، حظرت الحكومة النمساوية تغطية الوجه بالكامل في الأماكن العامة، بما في ذلك النقاب، وغطاء الوجه الإسلامي الجزئي، إذ نصّ القانون على أنه يجب أن يكون وجه الشخص مرئيًّا من خط الشعر إلى الذقن عندما يكون في الأماكن العامة.

رئيس وزراء النمسا

ودافعت الحكومة النمساوية عن القانون على اعتباره ضروريًّا لـ”حماية القيم النمساوية”، في حين قالت الجماعات الإسلامية إنه استهدف الدين الإسلامي بنحو غير عادل.

يفرض هذا الأمر ضرورة ملحة لوضع حلول ممتدة للموالين والعائدين من ميادين القتال على مستوى الاتحاد الأوروبي ككل، ويأتي في مقدمة ذلك زيادة التنسيق الإقليمي والدولي من أجل مواجهة المخاطر ووضع آلية لتبادل المعلومات حول الأفراد والجماعات الإرهابية، ووضع الخطط الأمنية الكفيلة بتفكيك المجموعات الإرهابية النشطة أو الكامنة.

ومن المهم، أخيرًا، تطوير برامج الاندماج المجتمعي للمُقاتلين العائدين من تنظيم “داعش” وأسرهم، بحيث لا يتوقف على برامج التأهيل والمعالجة الاجتماعية والنفسية وحسب، بل يجب أن يقترن بخطط وبرامج لتحسين أوضاعهم المعيشية على المدى البعيد.

 

مصطفي كمال

باحث مساعد بوحدة الدراسات الأمنية بمركز الأهرام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى