ليبيا.. غابة ميليشيات الإخوان

ماهر فرغلي

كاتب وباحث مصري

منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي، وانقلاب الجماعة الإسلامية المقاتلة على مراجعاتها وحملها للسلاح، اعتمدت خطة جماعة الإخوان على جذب شباب جدد للعمل الجهادي، وإخراج بعض المناطق من سيطرة السلطات الحاكمة مهما كانت، ودعم ألوية مثل درع ليبيا، لتكون ذراعًا قوية لها.

تلاقت تلك الاستراتيجية مع أخرى مماثلة لها تقريبًا انتهجتها تركيا، وهي التمدد في المنطقة العربية عن طريق الألوية والميليشيات، محاكية في ذلك التجربة الإيرانية في استخدام “حزب الله” والحوثي والحشد العراقي، وهي الحرب اللا متماثلة الآن، أي حروب الميليشيات أمام الجيوش، واستخدام التنظيمات للتمدد وتفكيك الدول.

هنا أصبحنا في ليبيا أمام أكثر من نوع من تلك الميليشيات؛ أولها هي التي تتبع تركيا بشكل مباشر، والثانية هي التي تتبع الجماعة، والثالثة هي التابعة لتنظيمات حليفة وشريكة للجماعة مثل: القاعدة، أو السلفية.

الميليشيات التركية:

يمكن ببساطة أن نصنف الميليشيات التي تخضع لتركيا بشكل مباشر إلى نوعين؛ الأول هم من يطلق عليهم المرتزقة، والثاني هم أعضاء الفيالق والتيارات الدينية القتالية الموجودين بسوريا، والثالث هم الميليشيات الليبية من أصل تركي مثل بعض المجموعات الموجودة بمصراتة.

في البداية، فإن منظمة “صادات” (وهي شركة تركية توفر الخدمات الاستشارية والتدريبات العسكرية في مجال الدفاع الدولي) هي من تقوم بالوساطة لتمويل التنظيمات الإخوانية، ونقل المرتزقة أيضًا إلى ليبيا وإلى مناطق أخرى في العالم[1].

تأسست “صادات” على يد 23 ضابطًا وصف ضابط متقاعدين من مختلف وحدات القوات المسلحة التركية، برئاسة العميد المتقاعد “عدنان تانريفردي”، وبدأت الشركة تزاول عملها بعد أن تم الإعلان عنها في الجريدة الرسمية التي نشرت بتاريخ 28 فبراير 2012 تحت رقم 8015.

وتُقدم المنظمة الخدمات التدريبية في المجالات التالية: “الاستخبارات، المواد المتفجرة، الجنايات، دراسة مسرح الجريمة، مكافحة التهريب والجرائم المنظمة، شرطة المرور، جوازات السفر، الأرشفة والتوثيق، حماية الأشخاص المهمين والخدمات الحراسية”[2].

وفقًا لتقرير معهد جيت ستون للدراسات السياسية الدولية الأمريكي، والذي قام بنشره عدد من وسائل إعلام مصرية، فإن “صادات” أدارت عمليات تجنيد الشبان المسلمين في إفريقيا ووسط آسيا وأوروبا، بغرض ضمهم إلى الجماعات الإرهابية، وكانت بوابة عبر خلالها المئات مؤخرًا إلى ليبيا[1].

أ‌. مرتزقة بالأموال والأفكار:

تحدثت تقارير إخبارية دولية عن تركيا ونقلها لمرتزقتها عن طريق دفع رواتب ما بين ألفين إلى أربعة آلاف دولار، تم نقل أغلبهم من سوريا، وأغلبهم إما لهم أصول تركمانية، أو موالون لتركيا أو خاضعون لها.

على سبيل المثال، تم نقل مرتزقة لهم مكونان مندمجان: سلفي جهادي، وآخر إثنيّ تركمانيّ، مثل: «لواء السلطان سليمان شاه»، و«لواء سمرقند»، و«لواء السلطان مراد»، و«حركة نور الدين زنكي»، وأيضًا (ميليشيا الحمزات) التابعة للجيش السوري الحر الموالي لتركيا، وهي من الجماعات السورية الأولى التي دخلت جرابلس السورية واستولت على المدينة وكان قائدها “سيف أبو بكر”، من بين الذين تبعوا الدبابات والقوات التركية.

ب‌. ميليشيات إسلاموية:

من تلك المنظمات التي نقلتها تركيا هي الخاضعة لجيشها في مناطق شمال إدلب، ومنها: حركة «جيش الإسلام»، و«فيلق الشام»، و«أحرار الشام»، و«أحفاد الرسول»، و«شهداء بدر»، و«جيش المجاهدين»، و«لواء التوحيد»، و«الجبهة الشامية»، و«جيش النصر».

1- ميليشيات مصراتة:

جغرافيًّا، هناك ميليشيات من أصول تركمانية في مدينة مصراتة، وتُعتبر ميليشيا “الصمود” التي يقودها الإخواني والضابط الطيار السابق “صلاح بادي”، الموضوع على قائمة الأمم المتحدة للعقوبات منذ عام 2018، مثالًا على ذلك، وهي الميليشيا المسيطرة على معظم فصائل المدينة، التي تتولى التنسيق مع تركيا في ما يتعلق بالتسليح والتمويل، ويعد قائدها من مؤسسي تحالف الميليشيات الإسلامية الذي نفذ عملية (فجر ليبيا) للسيطرة على العاصمة طرابلس، والذي نفذ هجمات دموية منذ عام 2014 طالت مناطق ليبية عدة منها بني وليد وورشفانة والهلال النفطي.

من ميليشيات مدينة مصراتة أيضًا، ميليشيا “الحلبوص”، نسبة إلى مؤسسها “محمد الحلبوص”، الذي قتل في المدينة، ويقودها حاليًّا “عبدالسلام الزوبي”، وقد انضوت تحت تشكيلات رئاسة الأركان التابعة لحكومة الوفاق في يونيو 2017، عقب تعيين قائدها آنذاك “محمد الحداد” كقائد لما يسمى المنطقة العسكرية الوسطى برتبة لواء[3].

وأيضًا توجد ميليشيا “الكتيبة 166” التي يقودها المدعو “محمد الحصان”، وشاركت سابقًا في الهجوم على الهلال النفطي. وميليشيا “شاريخان” التي يقودها المدعو “محمود بعيو”، وتنتشر داخل مدينة مصراتة.

وتوجد أيضًا في المدينة بعض الميليشيات التي تتلقى أوامرها مبشرة من تركيا، مثل ميليشيا “القوة الثالثة”، التي أسسها العقيد “جمال التريكي” عام 2014 بغرض الانتشار في مناطق الجنوب، وكانت تتبع سابقًا لما يسمى (المجلس العسكري مصراتة)، وهي التي قامت بما يسمى مجزرة قاعدة براك الشاطئ الجوية في مايو 2017.

من أهم الميليشيات أيضًا ميليشيا “درع ليبيا”، وهي ميليشيا إخوانية الصبغة، تم تشكيلها عام 2012 على يد وزير الدفاع آنذاك “أسامة الجويلي”، وتتكون من ثلاثة ألوية رئيسية، هي: اللواء الغربي، واللواء الجنوبي، واللواء الأوسط، وكانت مواقع انتشارها سابقًا تشمل مدن مصراتة والزاوية وبنغازي والخمس وطرابلس، لكن حاليًّا تتركز أغلبية وحداتها في مصراتة مع تواجد لبعضها في محاور العاصمة[4].

2- ميليشيات طرابلس:

أما في طرابلس فتوجد الميليشيات الإخوانية، وهي التي انحازت لتركيا بشكل فج، في انحطاط تنظيمي كبير، ومنها “قوات فجر ليبيا”، التي كانوا يسيطرون على أغلب ميليشياتها. وهي تتكون من ميليشيا مصراتة، وكتائب إسلامية متحالفة معها، وغرفة ثوار ليبيا، وقوة درع ليبيا الوسطى، والمعسكر 27، وكتائب زليتن، وقوات قاعدة معيتيقة والزاوية ومسلاتة، إضافة إلى الحرس الوطني بقيادة “خالد الشريف”[2].

ويوجد تجمع للإسلاميين والثوار السابقين، مثل: ميليشيا صلاح البركي، وقوة درع ليبيا، الأوسع انتشارًا في شتى أرجاء ليبيا، التي يقودها “وسام بن حميد”.

كما تسيطر ميليشيا “بشير السعداوي” على محيط الهضبة الشرقية، بالقرب من جامعة طرابلس، وباب بن عشير.
ويطلق البعض على بعض الميليشيات “قوة حماية طرابلس”، وهي التجمع الأساسي للميليشيات الموجودة في العاصمة بشكل عام، مثل: ميليشيا “كتيبة ثوار طرابلس”، في منطقة تاجوراء وعين زارة والفرناج. وميليشيا “النواصي”، المعروفة أيضًا باسم (القوة الثامنة)، وهي تتمركز بشكل أساسي وسط العاصمة، وتقطن في منطقة سوق الجمعة شمالي عين زارة ومناطق الأبراج السكنية الكبرى.

كما تتشكل من ميليشيا قوة الردع، التي تُعرف بأسماء أخرى مثل (قوات غنيوة)، و(الكتيبة 33 مشاة)، والتي يتزعمها كل من “بشير خلف الله”، و”عبدالعاطي الدربازي” أحد قادة تنظيم القاعدة في ليبيا، وتتمركز بشكل رئيسي في معسكر (رحبة الدروع) الواقع جنوب تاجوراء، ومعظم منتسبيها ينتمون إلى جماعة الإخوان. 

في غرب العاصمة طرابلس، توجد ميليشيا قريبة من جماعة الإخوان هي التي يقودها “أبو عبيدة الزاوي” المعروف باسم “شعبان هدية”، وأيضًا ميليشيا (النصر) التي يتزعمها “محمد الهادي كشلاف” أحد أهم المطلوبين دوليًّا، وميليشيا (الفار) التي يتزعمها المدعو “محمد بجرون”، وميليشيا (السلوقي) التي يتزعمها المدعو “فراس السلوقي”، وميليشيا (البيدجا) التي يتزعمها المدعو “عبدالرحمن ميلاد”[5]. 

وتوجد أيضًا ميليشيا (المجلس العسكري لمدينة الخمس)، وهي عبارة عن تجمع لميليشيات صغيرة تسيطر على مدينة الخمس الواقعة على الساحل بين مدينتي مصراتة وطرابلس، ويقودها المدعو “مصطفى سلطان”. وكذلك ميليشيا (لواء المحجوب)، وكذلك ميليشيا (الحرس الوطني)، وهي تحالف من أربع ميليشيات متشددة تم تشكيلها في فبراير 2017، وتتبع هذه الميليشيا عقائديًّا الجماعة الإسلامية المقاتلة، بقيادة “عبدالحكيم بلحاج”، وتتمركز منذ تاريخ تأسيسها في المناطق الوسطى للعاصمة.

أما في المناطق الواقعة على الحدود مع تونس، فتنشط ميليشيات (الزنتان)، التي يقودها رئيس المجلس العسكري في الزنتان “أسامة الجويلي”، وقد عمل قبل عام 2011 كمدرس، إلا أنه شغل بعد 2011 منصب وزير الدفاع في حكومة “عبدالرحيم الكيب” الانتقالية ما بين عامي 2011 و2012، وقام رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني “فائز السراج” بترقيته إلى رتبة اللواء، وتعيينه كقائد لما يُسمى المنطقة الغربية العسكرية التابعة لرئاسة الأركان الموالية لحكومة طرابلس.

وبالنسبة لميليشيات شرقي الزاوية، فتنشط في هذه المنطقة ميليشيات مدينة جنزور، وعلى رأسها ميليشيا (فرسان جنزور)، التي تسيطر على جميع المؤسسات في المدينة، بجانب سيطرتها على منطقة سيدي عبدالجليل التي تتواجد بها بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، يضاف إليها ميليشيا (القوة الوطنية المتحركة)، التابعة لرئاسة أركان حكومة الوفاق، وتسيطر بمعاونة فصائل أخرى تنتمي إلى قبائل جنزور والأمازيغ على المناطق الواقعة غربي المدينة، وهي تنضوي جميعها تحت قيادة المدعو “أبو زيد الشواشي”، وتشارك حاليًّا في عمليات طرابلس على المحور الغربي.

وما بين المنطقة الواقعة في مصراتة وطرابلس توجد المعسكرات التي تتلقى فيها الميليشيات السابق ذكرها تدريباتها[6]. على سبيل المثال: معسكَر الزنتان، ومعسكر أبو سليم، ومعسكر الفزان، الذي يستقبل آلاف “التكفيريين” من دول الـمغرب العربي وأقطَار الصحراء، ونيجيريا[3].

3- ميليشيات منطقة الصحراء الليبية الجنوبية:

وتسيطر على تلك المنطقة مجموعات قبلية مسلحة صغيرة، وجماعات عابرة للحدود، مثل: تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، و”جماعة أنصار الدين”، وأعلنت مؤخرًا جماعة ليبية مجهولة تسمى “مجاهدي ليبيا”، مبايعة داعش، وهناك توقعات بعودة التنظيم للعمل في ليبيا، خاصة بعد عمليات الانتقالات التي تمت بفعل تركي، من نقلها للمرتزقة إلى ليبيا[7].

ج. ميليشيات الجماعات السلفية:

لا يوجد فاصل بين ميليشيات الإخوان والأخرى السلفية، فلكل منهم نفوذ داخل حكومة الوفاق التي يقودها “فايز السراج”.
تنتشر ميليشيات السلفيين، خاصة التيار المدخلي، في غرب طرابلس وضواحيها، وفي الزاوية، ومصراتة، والخمس، وزليتن. ومنها -على سبيل المثال- ميليشيا النواصي، وأيضًا قوة التدخل والردع المشتركة، بقيادة السلفي المدخلي “عبدالرؤوف كارة”، وهي تسيطر على قاعدة معيتيقة، وبعض السجون، وعلى منطقة سوق الجمعة بالكامل ومحيطها.

وترجع أهمية هذه الميليشيا إلى أنها ترتبط بعلاقات وثيقة مع حركة النهضة التونسية، وتُعد المستقبل والموزع الرئيسي للأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية التي يتم إرسالها من تركيا إلى ليبيا، وحاليًّا أصبح اسم هذه الميليشيا هو (جهاز الردع لمكافحة الجريمة المنظمة والتطرف)، بعد أن قام المجلس الرئاسي بحلها وضم أفرادها إلى القوات التابعة لوزارة داخليته.

كذلك، تتواجد في تاجوراء ميليشيات أخرى، مثل: ميليشيا (باب تاجوراء) السلفية، وميليشيا (الضمان)، وهي أكبر فصائل تاجوراء وتضم منتسبين لعائلة (آل دريدر). ويضاف إلى هذه الميليشيات ميليشيات أخرى أصغر مثل ميليشيا منطقة عين زارة، بقيادة المدعو “عبدالحكيم الشيخ”، وميليشيات منطقة المدينة القديمة وسط العاصمة، والتي يقودها المدعو “جمال إندام”[4].

في ضوء ما سبق فإن ليبيا أصبحت الآن ما يشبه غابة مليئة بالميليشيات، أغلبها إما إخوان، أو ميليشيات حليفة لها ومدعومة تركيا، ومن ثم فإن بقاء هذه الغابة معناه انتقال ظاهرة الإرهاب إلى إفريقيا بالكامل، وسوف يكون انتقال داعش والقاعدة إلى الصحاري الواسعة منطقة مثالية لتنامي نشاط الإرهاب في القارة، التي يعاني عدد من دولها مشاكل اقتصادية تحتاج إلى مناخ من الاستقرار الأمني والسياسي[5].

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search