وجهات نظر

“ليلة اختفاء ميمو وجمال رمسيس”.. احتفاء لابد منه

محمد السيد الطناوي

خلال الأيام الماضية انتشر على نطاق واسع تحقيق استقصائي فريد سواء في فكرته التي لا تتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى لدى التفكير في تقديم محتوى على هذه الدرجة من الجدية، أو في مستوى إتقان السرد والدأب في تتبع خيوط الموضوع، وهو عن الممثلين “ميمو وجمال رمسيس”، ورغم قيمة النص فضل كاتباه نشره في مدونة شخصية ينشران فيها من وقت لآخر أعمالا مشابهة.

استقصى التحقيق اختفاء ممثلين ثانويين قديمين ظهر كل واحد منهما في فيلمين لا أكثر ليختفيا بعدها (1960)، هما الأخوان جمال وميمو رمسيس، الأول يعرفه أغلبنا بـ”لوسي” بن طنط فكيهة في فيلم “إشاعة حب”، أما أخوه ميمو فربما يتذكر البعض دوره في “إسماعيل ياسين في البوليس السري”.

لاقى الموضوع الصحفي إشادة واسعة للجهد الاستقصائي النادر بأيامنا، وللبراعة في سرد الحكاية، التي لازمت الكاتبين في تحقيق سابق ـ على ذات النسق ـ حول الراقصة كيتي، وأتصور أن نشر مثل تلك التحقيقات بمدونة شخصية هو فضيحة لمواقع صحفية كبيرة غير قادرة على تقديم محتوى بهذه الجودة.

وخلال متابعتي لردود الفعل لم تخل التعليقات من نقد ـ وجهه صحفيون ـ متصل بقيمة الممثلين كذلك بإذاعة القصة دون الوصول إلى نتيجة حاسمة بخصوص سر اختفاء ميمو وجمال رمسيس، لينشر عبد المجيد والشماع تحقيقهما في محاولة أخيرة لاستدراج أي معلومات عن الأخوين تغير من نهاية أعادت طرح السؤال حول الاختفاء، وبالفعل قربهما النشر أكثر من دوائر أحاطت بالممثلين وتوصلا نهايةً إلى إحدى القريبات التي أفشت سر سفرهما المفاجئ للخارج، لتكون هناك حلقة ثانية للتحقيق.

اقرأ أيضا: دراما “تيك أواي”

التعليقات السلبية وإن أتت من أهل اختصاص لكنها تكشف عن نمطية في التفكير، فما بدا عيبا هو على الأحرى ميزة، فأن يحظى تحقيق عن ممثلين ثانويين ـ ليسا مثلا محمود المليجي وزكي رستم ولا يملكان حتى سيرة فنية طويلة ـ بهذا التثمين وذاك الذيوع فهو يهب الموضوع قيمة إضافية، بعدما عبر بالأخوين من الهامش إلى المركز، واصطنع قيمة لحدث ـ ربما بدا للبعض تافها ـ مثل اختفاء ممثلين مغمورين إثر تقديمهما عملين فنيين لا غير.

النقد الآخر المرتبط بما انتهى إليه بحث عبد المجيد والشماع من طرح لأسئلة عن الاختفاء الغامض بدلا من تقديم إجابات حوله، يضفى قيمة أيضا على التحقيق الاستقصائي القريب الشبه في طبيعته من البحث العلمي الذي من أولياته تقديم ما توصل إليه الباحث دون لي لمعلومة أو نتيجة لتتفق مع ما استهدفه عند الشروع في عمله.

هذه المفارقة: ارتباط الهامشي أو قليل الأهمية والنتيجة التي لا تجيب عن السؤال المطروح بالقيمة يحيل إلى رؤية لرولان بارت دعا فيها إلى التخلي عن معني قديم لمفهومي الامتلاء والفراغ، حيث الامتلاء حضور وكثافة بينما الفراغ غياب وعدم وجود للشيء، وهي رؤية أقرب إلى “التصور الكيميائي”، في حين يقترح بارت فهما مغايرا للمفهومين يستلهم “التصور الفيزيائي الحديث” القائل بأن “الجزئيات الموجودة في الكون ليست متولدة عن جزئيات أبسط منها، بل إنها تمثل ما آل إليه تبادل التأثير فيما بينها في لحظة معينة..”.

وفق هذا المعنى الفراغ “لا ينبغي أن ينظر إليه كنوع من الغياب” فهو الجديد وغير المألوف بينما الامتلاء هو المعاد والمكرور والرتيب، فلا الفراغ اختيار موضوع هامشي أو قليل الأهمية، لا يقدم إجابة عن سؤال طرحه، ولا الامتلاء فكرة مركزية أو عظيمة الأهمية تحمل إجابة عن سؤال قدمته.

يستمد الفراغ قيمته هنا من نمطية سيطرت على صحافتنا فأمست القيمة محصورة في نوعية من التحقيقات مثل: الكبدة المستوردة وتأثيرها على الصحة ـ كورونا والعجز الجنسي ـ العلاقة بين أكل اللحوم بكثرة وسرطان الثدي.. لتحمل هذه الموضوعات بالطبع إجابات قاطعة يقدمها متخصصون.. وعلى هذه القاعدة استند النقد المسلط على التحقيق الاستقصائي المهم.

الفراغ يهب المعنى بما هو مخالفة للمألوف وابتعاد عن التحجر ونقض للنمطية ومجابهة للتكلس وانحراف عن الاجترار، وهو ما أهداه الأستاذان عبد المجيد عبد العزيز ومحمد الشماع للقارئ عبر مغامرتهما الاستقصائية الممتعة.

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى