"الأمهات والحوامل" بالفرق الطبية

الخاسر الأكبر من الجائحة

في مساء الثلاثاء 15 سبتمبر/ أيلول 2020، ماتت ليلى عبد العال، مشرفة التمريض في قسم الباطنة بمستشفى بِيَلا المركزي، في محافظة كفر الشيخ المصرية. ليلى كانت أُصيبت بفيروس كورونا القاتل خلال تأدية عملها، تاركة خلفها صغيرين ورضيعة.

خبر غير عادي بالمرّة، وقع الخبر كالصاعقة على طاقم التمريض في المستشفى. خيم الحزن عليهن وصرن في حالة ذعر، خوفًا من نفس المصير. 95% من الممرضات لديهن أطفال تحت 12 عامًا، وبالطبع حرمتهن الجائحة من الحصول على إجازة رعاية الطفل “الوجوبية”.

“ليلى كانت في عز شبابها، وسابت طفلة بترضع وابن معاق ذهنيًّا، ووالدها من يوم وفاتها وهو بيموت بالمستشفى”. بحسب زميلتها الممرضة “علياء” التي تعمل في نفس المستشفى. غالبت دموعها لوهلة ثم بكتْ.

على مدار شهرين قابل “ذات مصر” مجموعة من الطواقم الطبية وفرق التمريض النسائية الأمهات والحوامل في 3 محافظات (كفر الشيخ- الجيزة- القاهرة) للتعرف على مدى صحة تطبيق قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 719 لسنة 2020، والذي صدر في 16 مارس/ آذار 2020 ويشمل “منح الموظفة الحامل أو التي ترعى طفلاً أو أكثر تقل سنه عن 12 سنة إجازة استثنائية طوال مده سريان القرار.

بينت المقابلات أن النساء بالقطاع الصحي مستثنات من الإجازات الواردة بالقرار، ومطالبات للعمل لساعات طويلة بل لأيام متواصلة، إلى جانب تحمل الأعباء المنزلية، ما يعني مزيدًا من الضغط النفسي، ومنهن حوامل أكثر عرضة للإصابة بالعدوى.

"الإجهاض".. نتيجة حتمية

علمت “منى” الممرضة في أحد مستشفيات الحميات بحملها عقب انتهاء الـ14 يومًا، مدة العمل داخل مستشفى العزل، ونتيجة نوبات العمل الليلية، وتراكم الإجهاد أُصيبت بنزيف خلال الشهر الثاني من الحمل، فلم تكن الراحة خيارًا مطروحًا أمام السيدة، لذا كثفت أدوية وقف النزيف الرحمي من دون جدوى: “في يوم كان عندي سهرة، ولقيتني غرقانة دم. خلصت شغلي ورحت للدكتور قال لي الوضع مش حلو ولازم تنامي على ضهرك”.

بدأت صاحبة الـ27 عامًا رحلة العناء أملاً في الحصول على إجازة لكونها أمًّا لطفلتين من ناحية، وصاحبة رحم لا تتوقف عن النزفِ، وكانت الإجابة بالرفض التام: “شافت الإشاعة والتجمع الدموي وكتبت لي العودة للعمل، وقالت لي لما تنزفي تجيلي وأنتِ بتنزفي”. تتابع: “يوم كنت بنزف كتير أوي، ورحت نوبتجية، وكان الرد إحنا في كورونا والإجازات موقوفة”!

وماذا بعد؟ عادت “منى” لمناوبة العمل الشاق بقسم الباطنة 15 يومًا بنزيف متواصل، لينتهى بها المطاف في غرفة العمليات: “اتحجزتْ في المستشفى، وماكانش قدامي حل غير إني أنزّل الطفل في الشهر السادس، لأن الرحم بتاعي كان هينفجر”.

أثناء العمل

ورغم ما مرتْ به “منى” من ألم نفسي وبدني لم تحصل على إجازة إلا وهي على حافة الموت، عقب خضوعها لعملية إجهاض خطيرة.

الخوف والقلق ثنائية تسيطر على الممرضة منذ عودتها للعمل في بداية ديسمبر/ كانون الأول 2020: “أنا ماخفتش من الموجة الأولى لكن مرعوبة من الموجة التانية” فلم تنتهِ معاناة الأم عقب وقف النزيف بل تحمل عبء طفلتيها مع تفشي الموجة الثانية للوباء المستجد: “اليوم اللي باكون فيه في نوبتجية، باخد واحدة من عيالي معايا، والتانية بافضل أدوّر لها على مكان تقعد فيه”.

بيان نقابة الأطباء الخاص بتفعيل إجازة الأمهات والحوامل
قرار اختياري

على مقربة من العمل المضني الذي تقدمه الممرضات اللاتي يتولين مهمة تحميم وتنظيف وإطعام المرضى، ويراقبن من كثب علامات التحسن التي تظهر عليهم رغم أوضاعهن المتدنية، رصدت “ذات مصر” حالة “أسماء” التي تعمل في أحد أشهر المستشفيات الحكومية بمحافظة القاهرة. استهلت “أسماء” حديثها بالتعليق على قرارها الاختياري بعلاج مصابي كورونا: “دي كانت رسالة بإني لازم أساعد مرضى كورونا عشان يرجعوا لعيالهم زي ما أنا رجعت لعيالي”.

مرت صاحبة الـ35 عامًا بتجربة الإصابة بفيروس كوفيد-19 واستمرت في محاربته لمدة شهرين ونصف الشهر، وتدهورت حالتها حتى حُجزت بقصر العيني الفرنساوي لمدة 10 أيام. تروي لـ”ذات مصر” من داخل عملها بمستشفى العزل: “اتحجزت بالقصر الفرنساوي والأشعة كانت مليانة بلورات بيضاء، وكان لازم آخد علاج سيولة والألم في قلبي كان شديد أوي”.

طلب نقابة الأطباء زيادة بدل العدوى

عادت السيدة بالذاكرة إلى شهر يونيو/ حزيران الماضي عندما أصيبت بالعدوى، وتذكرت لحظاتها العصيبة: “كنت محتاجة اللي يغيّر لي هدومي ومالقتش حد يدخّلني الحمام، والممرضة كانت رافضة وقعدت 3 أيام لحد ما المريضة اللي جنبي سندتني ودخلتني”. تجربة النجاة من الموت لم تبعد “أسماء” التي ترعى 3 أطفال تحت سن 10 أعوام من علاج ضحايا كوفيد-19: “أنا قبل ما أتصاب ماكنتش بادخل لأي حالات كورونا، لكن بعد ما مريت بالموت قررت أكون ضمن فرق العزل”.

ممرضات بمستشفيات العزل

تعمل أسماء لمدة 12 ساعة متواصلة على مدار 14 يومًا وتقدم مختلف الخدمات للمرضى. تقول: “أنا باكون للمريض كل حاجة، مالهمش حد غير ربنا وإحنا، وبأكّلهم بإيدي لأن 70% منهم بيكونوا على جهاز الأكسجين”.

وسط حالة الرضاء التام يظل البُعد عن الأطفال لأيام متواصلة الهاجس الوحيد الذي يؤرق حياة السيدة التي تعمل بمجال التمريض منذ 19 عامًا: “أنا بافضل 14 يوم متواصل في الحجر ماباشوفش عيالي وباسيبهم وهما ميتين من العياط، ولما بارجع ممنوع أحضنهم ولا حتى ألمسهم”.

المكافأة.. بدل عدوى وهمي

طرح “ذات مصر” سؤالاً على جميع من جرت مقابلتهن من الممرضات والطبيبات: ما تأثير ارتفاع قيمة بدل العدوى عقب جائحة كورونا، وتعديل مسماه إلى “بدل مخاطر العدوى”؟ فقد ارتفع من 19 جنيهًا للأطباء إلى 1225 للأطباء البشريين، و825 لأطباء الأسنان والصيادلة والبيطريين، و790 جنيهًا لاختصاصيي التمريض والكيمائيين، وأخيرًا 700 جنيه للحاصلين على الدبلومات الفنية وفنية تمريض والفنيين الصحيين، حسب تصريحات الدكتور خالد مجاهد، المتحدث باسم وزارة الصحة والسكان، في يوليو/ تموز الماضي.

أكدت نوال أحمد، مسؤولة وحدة مكافحة العدوى بأحد مستشفيات العزل، أن تلك القرارات لن تخرج إلى حيز التنفيذ: “بدل العدوى لسّة 19 جنيهًا لغاية دلوقتي، رغم ارتفاع عدد الإصابات بالموجة الثانية”.

“أحمد” تقول إن الموجة الثانية أشد خطرًا على طاقم التمريض مقارنة بالموجة الأولى، وفقًا لنتيجة المسحات الطبية للكشف عن فيروس كورونا، وإصابة بعضهن، مضيفة: “الموجة التانية شديدة بدليل عدد الإصابات، وبنشدد على الإجراءات الوقائية، ولو شفت حد شايل الماسك بازعق له وبافضل متابعاهم طول اليوم”.

طبيبات توفين بسبب كورونا
إغلاق دور الحضانة يُعمّق الأزمة

“سميرة س”، ممرضة تجلس فوق أحد الأَسرّة المتهالكة لتحصل على هدنة راحة إثر استقبال حالات كثيرة على مدار اليوم. عن أزمة رضيعها قالت: “الإجازة موقوفة والاعتيادي موقوف، وباجيب ابني اللي بيرضع معايا المستشفى اللي كلها خطر عشان مش عارفة أوديه فين”.

لم تستطع السيدة التي ترعى 3 أطفال تحت سن الخامسة، أن تفلت من الـسهرات الخمس الشهرية بمعدل 12 ساعة عمل متواصلة كل ليلة في تخصص مرهق بقسم العمليات: “باجيب ابني اللي عنده سنة وباسيبه مع العُمال، وبيفضل يعيط طول ما أنا في أوضة العمليات، وممكن نعمل 5 عمليات في اليوم وساعات باخرج جري عليه من غير حتى ما أطهر إيدي”.

لم يكن الهلع هو الهاجس الوحيد الذي تعيشه “سميرة”، بل الأثر المادي أشد فتكًا، فهي تنفق كل راتبها على التنقلات ومستلزمات طفلها: “800 جنيه مواصلات و600 جنيه لبن و300 جنيه حفاضات وأنا مرتبي 2000 جنيه”. عقب نظرة شاردة باحت السيدة العشرينية بحملها الأثقل والمتمثل في استحالة تدبير 5 آلاف جنيه ثمن عملية رضيعها الحرجة: “مافيش قدامي غير إني أبيع دبلة جوازي، لأني تقّلت على أهلي وأهله، دول شايليننا طول فترة كورونا”.

“أمينة” التي تبعد عدة أمتار عن “سميرة” زميلتها بنفس القسم، والتي تعول أسرة مكونة من 3 أطفال عقب انفصالها عن الزوج، تقول: “إحنا 95% مننا في المستتشفى متجوزين ومعانا أطفال، وبسبب ضيق الحال بعد كورونا كلنا جبنا قروض على مرتبنا عشان نعرف نعيش”.

المستشفى وغرفة الراحة للمرضات
معاناة مزدوجة للنساء

المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، فومزيلي ملامبو-نكوكا، أكدت في تقريرها بشأن تداعيات كوفيد-19 على النساء، أن هذه الجائحة “تضع النساء تحت ضغط كبير، فغالبية من يعملون في القطاع الصحي من النساء، ويتعرضن لخطر أكبر. معظمهن أمهات ومقدمات رعاية لأفراد الأسر، فهن يواصلن تحمل عبء الرعاية، الذي هو في الأوقات العادية مرتفع”.

تقرير الأمم المتحدة

كما تطرق التقرير إلى الأضرار الهائلة التي تتحملها النساء في رعاية الأطفال عقب انتشار الوباء، “لأن المزيد من البلدان والمناطق يسنّ إغلاق المدارس ومرافق رعاية الأطفال لاحتواء انتشار كوفيد-19، فإن قدرة النساء على الإنخراط في الأعمال المأجورة تواجه عوائق إضافية، وفي أوقات الأزمات هذه، غالبًا ما يُترك الخيار غير العادل للنساء، وأحيانًا يكون اختيارًا مستحيلاً التخلّي عن العمل المأجور لرعاية الأطفال في المنزل”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

سـمر حسن

صحفية مصرية

مشاركة

بكار حميدة

بكار حميدة

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram