وجهات نظر

مآلات التصوف الفيسبوكي

مازالت مواقع التواصل الاجتماعي مشغولة بالأخذ والرد، بسبب مسألة “الاستئذان في الذكر” التي أثارها الشيخ أسامة الأزهري، عندما طلبت إحدى متابعاته على “فيسبوك” أن يأذن لها في “الذكر” فأجابها قائلا: أذنتِ لك، يا عزيز، 658 مرة.

أثار السؤال والإجابة موجة انتقادات عاصفة ضد الأزهري، تمثلت في الاعتراض على أن يكون ذكر الله متوقفًا على إذن أحد مهما بلغت مكانته، وكذلك على تعيين عدد معين للذكر، لاسيما وأن هذا العدد لا يمثل رقما معتادا، كأن يكون مئة، أو سبعين، أو حتى ألفا.. فقد استغرب المتابعون تحديد رقم 658، وتساءلوا: ماذا لو زاد الذاكر فجعلها 659، أو 660 مثلا؟.. رأى رواد فيسبوك في السؤال وإجابته انحرافا عما فهموه من الدين عبر سنوات طويلة، ورموا الشيخ بالجهل والابتداع.

وكما هو معتاد في كل ما يثير الجدل، تلقفت المواقع الصحفية الأمر، ونشرته بعدما رأت فيه موضوعا جاذبًا للقراء، يحصد تفاعلا كبيرًا من الإعجابات والتعليقات والمشاركات على الصفحات، فالمسألة وصلت إلى “الترند”، والقاعدة الصحفية المعتمدة تقرر أن “الترند محله النشر”، وأن حديث المهنية الذي صح في كليات الإعلام، مردود عند أهل المواقع الإليكترونية، الذين أخذوا بحديث منقطع الإسناد يقول: “قدموا الخبر الجذّاب وإن كان تافها، وإياكم وما لا يأخذ عين القارئ ولو كان مهما”.

لم تمر سويعات، حتى استجمع أنصار الشيخ أسامة، وعموم أهل التصوف، وبعض الأزهريين قواهم، ليبدأوا هجومهم المضاد، فحملوا على المعترضين حملة شعواء، واتهموهم بالجهل، والتطرف، والسلفية، والوهابية، وبالأخذ المباشر من الكتب دون الاهتداء بشيخ مربي. وخاطبوا خصومهم باستعلاء: أين أنتم من علم الشيخ أسامة، وفقه الشيخ أسامة، وفهم الشيخ أسامة؟ أتظنون أن الرجل يخترع كلاما من رأسه؟ لقد أخذه عن كبار شيوخه وأعلام أساتذته، وإذن فاخرسوا واعرفوا حجمكم.

وهكذا، وخلال ساعات، تحول “التايم لاين” إلى ساحة احتراب إليكتروني، استخدم فيها كل طرف أسلحته من السخرية والشتائم والتسفيه والتجهيل والاتهام بكل نقيصة. وبدا من المعركة أن أغلبية الجماهير والأتباع قد اتخذوا مواقف مسبقة، فأنصار الشيخ أسامة، معه على طول الخط، يدافعون عن كل رأي يقوله، ويبررون له كل كلمة يلفظها.. وكذلك الخصوم، كارهي التصوف عموما، أو كارهي الشيخ أسامة وجه الخصوص، فهم جاهزون لتخطئته وهجائه ولو قال: إن صيام رمضان فريضة، وصلاة العصر أربع ركعات.

لكن هذه المعركة تفتح الباب واسعا لمناقشة الآثار السلبية للظهور الصوفي الكبير على مواقع التواصل الاجتماعي، وبالطبع لا أعني الدعوة العامة للتصوف، وتزكية النفس، وكلمات الوعظ، وإنما أعني الاستعلان بالوسائل التي ظلت دائما قاصرة على “أتباع الطريق”، مثل قراءة الأوراد والأحزاب، وأخذ العهود، والاستجازة والإجازة، والكلام عن الأحوال والمقامات، والكرامات والمنامات، والشغف بزيارة الأضرحة، وغير ذلك من وسائل القوم، التي اعتاد الصوفية أن يحجبوها عن “العامة”، بل وألا يصارحوا ببعضها مَن لم يستكمل التزكية النفسية، والتربية الإيمانية، وفقه السلوك، بالقدر اللازم.

إن لكل أتباع مذهب فكري أو فقهي أو سلوكي مصطلحاتهم، وتعبيراتهم الخاصة، ووسائلهم التي لا يكاد يفهم فائدتها غيرهم.

وفي المثال الذي بين أيدينا، فإن للإذن بالذكر مفهوم عند أهل التصوف لا يعرفه من لم يخالط مشايخهم، فالرجل العادي غير المتصوف لا يفهم الإذن إلا بمعناه اللغوي المباشر، ويعتقد أن الاستئذان في الذكر يعني أن الآذن يمنعه أو يبيحه، فيكون ذكر الله متوقفا على إذن إنسان، حينها يبدو الأمر كأنه نوع من الكهنوت والتسلط الذي يأباه الإسلام، وفي الحقيقة، أن المتصوفة يرون في الإذن بالذكر، إعانة، تتمثل في دعاء الشيخ بالقبول والتوفيق وتحقيق المراد، ولا يفهمون منه أبدا أن ذكر الله مشروط بموافقة الشيخ، فلفظة الإذن بالذكر عن المتصوفة لفظة اصطلاحية، وهي عند من لا يعرف القوم كلمة لا تعني إلا ما يعرفه كل الناس منها.

وأهل التصوف بخاصة، ليس لهم فقط بعض المصطلحات، بل عندهم قاموس خاص، تعمدوا دائما أن يكتبوا به كتبهم، ورسائلهم وأورادهم، لتكون على قدر من الصعوبة، بحيث لا يدركها عامة الناس، لأن أخذ المريد عن الشيخ، ركن ركين في البناء الفكري والعملي للمتصوفة.. لذلك، يكون الضرر بالغا، حين يستعلنون لعامة الناس بهذا القاموس، ويواجهون نقدا وسخطا وغضبا، بل واستهزاءً وسخرية.

فالإنسان العادي، ربما لا يستغرب إذا سمع أحدهم يقول: أنا أذكر الله باسمه “القيوم” كل ليلة ألف مرة، لكن نفس الإنسان سيعجب ويتساءل ويستنكر إذا سمع أن أحدهم يذكر الله باسمه القيوم كل ليلة 962 مرة؛ لأن عامة الناس اعتادوا الأرقام المغلقة، فإن لم تكن مغلقة كالتسبيح 33 مرة عقب الصلوات، فيقبلونها فقط لأنها وردت بهذا العدد في الحديث النبوي الشريف.

والحقيقة أن استعلان المتصوفة بمصطلحاتهم ووسائلهم الخاصة وعباراتهم التي تحمل معانيا غير ما يعرفه الناس من ظاهر اللغة، ونشر كل ذلك على مواقع التواصل، أمر يخالف ما اعتاده الصوفية من التواري، وإيثار الخلوة، والابتعاد عن صخب الجماهير، وغمط حظ النفس، والفرار من الشهرة والصيت، لاسيما وإن كان هذا الظهور يتجاوز العموميات، كذكر شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، والمواعظ الرقيقة، وقراءة المولد النبوي. فالبون شاسع، بين الحض على ذكر الله، وسرد فضائل الذكر.. محض الذكر.. وبين الحث على ذكر معين، بصيغة خاصة، وعدد خاص، والقول بإن ذلك من “المجربات”، والتمادي في الحض على الأذكار الغامضة، مثل ترديد أحرف وعبارات غير مفهومة لعموم الناس، حتى ولو كانوا ممن حصل تعليما عاليا.

اقرأ أيضا: رمزيات الإشارة.. لماذا يفضل الصوفيون تفسير الآلوسي؟

دعاء

رحم الله الإمام البخاري، إذ ترجم لباب في صحيحه بقوله: باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية ألا يفهموا.

ورضي الله عن عبد الله بن مسعود إذ قال: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.

والسلام على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إذ قال: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذب الله ورسوله؟.

ورحم الله الإمام ابن حجر العسقلاني إذ قال: “وفيه دليل على أن المتشابه لا يُذكر عند العامة، فإن كان ظاهر الحديث غير مراد فالإمساك عنه عند من يُخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب.

ورحم الله حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، إذ جعل آخر كتبه: إلجام العوام عن علم الكلام.

ورحم الله المتصوف الكبير صاحب الحكم النورانية ابن عطاء الله السكندري، إذ يقول: ادفن نفسك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يتم دفنه لا يتم نتاجه.

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى