ثقافة

مأساة طوبال أفندي.. أن تكون ناظر مهمات الباشا وضحيّته

في عام 1801م دخل مصر الوزير يوسف باشا كور (أي: الأعور)، الصدر الأعظم للسلطنة العثمانية، على رأس قوة بلغت 25 ألف مقاتل من مختلف الجنسيات التابعة للخلافة العثمانية آنذاك، كان ذلك قبل جلاء الحملة الفرنسية من مصر.

كان من بين كبار قادة حملة يوسف باشا رجل يملك كفاءة عالية فى فنون القتال، وصناعة المعدات الحربية ولوازم الجنود، على الرغم من إصابته بإحدى قدميه قبل ذلك بسنوات، فإن تلك الإعاقة لم تمنع وجوده فى الصفوف الأولى عند اشتداد الوطيس، ولم تكن عائقا له من أن يكون مستشارا حربيا من الطراز الرفيع.

هذا الرجل هو محمد أفندى الويدنلي الشهير بــــــــ(طوبال) أي: الأعرج باللغة التركية، المولود فى ضاحية  (ويدين) على ضفاف نهر الدانوب، عندما كانت بلغاريا ولاية عثمانية.

دخل طوبال مصر تحت قيادة يوسف باشا، وظل مقربا منه حتى اعتزل طواعية بسبب بعض الأفاعيل التى اقترفها سيده، مثل الانتقام المبالغ فيه ممن تعاونوا مع الفرنسيين أو خالطوهم، وكذلك نهب بيوت الأقباط والتنكيل ببعضهم بحجة ممالأة الفرنسيين.

ظل طوبال منطويا على نفسه حتى تولى محمد خسرو باشا ولاية مصر سنة 1802م، ولما ترامى لمسامعه بعض المشورات عن كفاءة طوبال غير المستغلة، وحدثه المقربون عن براعته ومهارته وحسن إدارته أرسل إليه وعينه كاشفا لأسيوط، فكان عند حسن ظن سيده الجديد، فنظم الالتزامات، وأحصى الأراضى وضبط المال العام المهدر، ورد المظالم والحقوق لأهلها فأحبه الناس وازدادت ثقة خسرو باشا به، ومكث على ذلك الحال حتى تولى خورشيد باشا ولاية مصر، فسار في البلاد سيرا غير محمود، واعتمد على أهل الثقة على حساب أصحاب الكفاءة، فلما رأى “طوبال أفندى” أفعال خورشيد المريبة وإدارته السيئة للبلاد شرع فى الابتعاد عنه وانكفأ منطويا على نفسه مرة أخرى، إلى أن تولى محمد على باشا ولاية مصر سنة ١٨٠٥م، وكانت من مزايا محمد على باشا التنقيب عن كل ذي خبرة وموهبة، فسمع عن مهارات ومواهب طوبال أفندي، كاشف أسيوط السابق، فاستدعاه ليكون بجانبه، ووكل إليه منصبا من أهم مناصب الدولة وهو “نظارة المهمات”، وهي تساوى  (وزارة الإنتاج الحربي) في عصرنا الحالي.

محمد علي

يقول الشيخ عبد الرحمن الجبرتي: (فجعله ناظرا على مهمات الدولة، فتقيد بعمل الخيام والسروج.. ولوازم الحرب، ورتب “ورش” لأرباب الأشغال والصنائع والمهمات المتعلقة بالدولة، كسَبْك المدافع والجلل والقنابر والمكاحل والعربات، وغير ذلك من الخيام والسروج ومصاريف طوائف العسكر الطبجية والرماة).

لم يكن نشاط “طوبال أفندى”، ناظر المهمات، مقصورا على عمله كوزير للإنتاج الحربىي، بل كانت له يد طولى في خدمة الشعب القاهري، خصوصا الفقراء والمساكين وأهل العلم، فقد عمَّر مسجدا بجوار بيته كان قبل بنائه منطقة خربة منذ أيام الفرنسيين، وجعل به دارا لتحفيظ القرآن، وتعليم الأطفال القراءة والكتابة والحساب، وكان يقوم بكسوة الأطفال الفقراء، وكان يذبح الذبائح ويقوم بتوزيع لحومها على الفقراء، وكان يُرسل قصاع الثريد واللحم إلى الفقراء من طلبة الجامع الأزهر.

ومن إنجازاته أنه قام بإعادة تشغيل مجرى العيون التي كانت تصل خلالها مياه النيل إلى القلعة والأحياء المجاورة لها بأقل التكاليف، وظلت تلك العيون قبل ذلك خربة لما يربو على عشرين عاما كان خلالها سكان القلعة وما حولها يعانون شُح المياه، فلما عمرها طوبال أفندي وأعاد تشغيلها رخص سعر المياه، ودارت السواقي وكثرت الزروع وابتهج الناس، فزاد قدره عند محمد علي باشا.

ومن مآثره أيضا أنَّه توسط عند الوالي لمنع حراس بوابات القاهرة (مثل باب الفتوح، وباب النصر، وباب البرقية، وباب العدوى……وغيرها) من تحصيل رسوم دخول المدينة من فقراء الفلاحين الوافدين من القرى والأقاليم ليبيعوا منتجاتهم من زبد وسمن وخضراوات وأحطاب وبرسيم ورجيع البهائم  وغيره ليتقوّتوا بثمنها، فقبل الوالي شفاعته، وأمر بإعفائهم من دفع رسوم دخول البوابات، وقد كان الفلاحون وأهالي الريف والصعيد من قبل يعانون أشد المعاناة من فرض تلك الرسوم الباهظة، فزادت محبة الناس لـ”طوبال أفندى”، واستبشروا به خيرا.

ومن مناقبه، أنه بذل جهده حتى منع موظفي الدواوين من الجاويشية والقواسة الأتراك المختصين بخدمة الباشا من إحدى عاداتهم القبيحة، وهي أنهم كانوا يطوفون على أرباب الصنائع، وأصحاب الحوانيت، وبيوت الأعيان لجمع الأموال التي يسمونها  (بقشيش)، يقول الجبرتي: “فما هو إلا أن يصطبح أحد الناس ويجلس مجلسه، إلا واثنان أو ثلاثة داخلون عليه من غير استئذان، فيقفون قبالته وبأيديهم العصي المفضضة فيعطيهم القرش أو القرشين أو أكثر، بحسب منصبه ومقامه، فإذا أخذوها وانصرفوا حضر إليه غيرهم، وهكذا، ولا يرون فى ذلك ثقلا أو رذالة“.

عبدالرحمن الجبرتي

وكان من الناس من يضطر إلى الهرب من منزله، ومنهم من يغلق حانوته، حتى ضاقوا من جراء ذلك أشد الضيق فشكى نفر منهم إلى “طوبال أفندى”، فتكلم مع الباشا في ذلك الأمر، وكان له دلال عليه، فأمر الباشا بإبطال ذلك وتم منع تلك العادة القبيحة.

ومن مواهبه أنه تعلم صناعة الجوخ الملون قبل قدومه إلى مصر، فاشترى الآلات اللازمة لصباغته، وقام بتصنيعه في مصر، وقد كان المصؤيون قبل ذلك يستوردونه من بلاد الإفرنج، فصار في متناول الجميع بعد أن كان عزيز الوجود بمصر، غالي الثمن، لا يرتديه غير الأغنياء.

ولما زادت محبة الناس لـ”طوبال أفندى”، حقد عليه الكتخدا محمد بك لاظوغلي،  (نائب الباشا ورئيس حكومته)، وزاد كرهه له عندما رأى متانة العلاقة بين طوبال والباشا، فقد وصل الود بينهما إلى أن أصبح طوبال يدخل مجلس الباشا بلا استئذان، ويلاطفه ويضاحكه، ويتكلم معه في أمور بعينها بعيدا عن مسامع الكتخدا.

وهنا قرر الكتخدا التخلص من الرجل، فابتدأ يوسوس لدى الباشا، ويعمل على إثارة قلقه من علاقة طوبال الوثيقه بالشعب، وأنه يتودد إلى الناس لأنه طامح في الزعامة، وأن ما يفعله هو مقدمة لفتنة كبيرة، ولم يزل يلقي الدسائس في نفس الباشا حتى نجح في مبتغاه، وخشي الباشا من مكانة “طوبال أفندى”، فأطاح به من نظارة المهمات، ووكل المنصب لأحد الموثوق بهم من محدودي القدرة والموهبة والقبول، وهو  (صالح الرزاز ).

ظل طوبال بلا عمل نحو السنتين، لم يتوانَ خلالهما عن خدمة الناس قدر استطاعته، وكان يقضي الكثير من وقته في مطالعة الكتب، وحضور مجالس العلم، وظل على حاله في إطعام الفقراء، وإرسال الطعام إلى مجاوري الأزهر، حتى طالت به المدة بلا عمل، وشعر بمزيد من التهميش والنسيان، حينئذ قرر الرحيل عن مصر، فذهب إلى الباشا يستأذنه ويودعه، فأذن له الباشا، وعندما علم الكتخدا أوعز للباشا بتعطيل سفره، زاعما أن طوبال يخطط للسفر إلى إسطنبول وليس لمسقط رأسه ببلغاريا، وأنه ينوي الانضمام لرئيسه السابق محمد خسرو باشا، الذى أصبح حينذاك قبطانا للسلطنة، ورئيسا لحرس السلطان بإسطنبول، محذرا الباشا من أن خروج طوبال أفندى من مصر سيمكنه من الوصول للسلطان، ومن ثم تكدير خاطر السلطان ضد الباشا محمد علي وأنه سيعمل جاهدا لإزاحته من حكم مصر .

لاظوغلي

صدّق محمد علي باشا، المعروف بالإصغاء للدسائس وحبك المؤامرات، ما دسه له لاظوغلي بك، وقام بإحكام مؤامرة للتخلص من طوبال يتم بموجبها مراسلة خليل بك، محافظ الإسكندرية، يأمره الباشا بالتخلص منه قبل ركوبه السفينة، وعلى الرغم من تنامي أخبار تلك المؤامرة إلى علم طوبال وهو فى رشيد، فإنه لم يصدق أن الباشا يريد اغتياله، وقال: “أي ذنب أستوجب به القتل؟!، ولو أراد الباشا قتلي لقتلني وأنا عنده بالقلعة، وقد سافرتُ بإذنه وودعته وقبَّلتُ يديٍهِ وطرفه، وأخذت خاطره، وكان بشوشا معي كعادته”.

لم يصدق المسكين ما يُعدُّ له، فلما وصل إلى الإسكندرية استقبله خليل بك، وكانت رسالة الغدر قد وصلته من الباشا، ودعاه خليل لتناول الغداء معه على متن سفينة في رأس التين، ولما وصل حسب الموعد انصرف خليل بك، ووصل جماعة من الجنود وأحاطوا بطوبال أفندى، وأمطروه بوابل من الرصاص حتى سقط غريقا في دمه، وقاموا بتسليم جثته لزوجته وأبنائه، وأذنوا لهم بالسفر، إلا أنهم أخذوا صناديق كتبه، بناء على أمر الباشا ومشورة لاظوغلي، وكانت من أندر الكتب وأقيمها، حيث تم تبديدها وتوزيعها على من لا يعرفون قيمتها، وهكذا كان مصير أخلص رجال دولة محمد علي، الذي قال عنه الجبرتي وهو ينعاه ضمن وفيات سنة ١٨١٢ م: “مات الأجل المكرم، المهذب في نفسه، النادر فى أبناء جنسه، محمد أفندي طبل الودنلي، ناظر المهمات، ولم نر في هذه الدولة أحسن منه“.

عبدالحي حسن

طبيب وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى