وَجَع البعاد

حكايات العالقين في زحام الوباء

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

ما بين الخوف والترقب والرجاء، يعيش المصريون والعرب المغتربون في البلاد التي تفشى فيها فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، في انتظار المستقبل الغامض، بعد أن قلب الوباء الجديد كل الموازين، وفرق بين الأحبة في بلاد شتى.

يزيد “كورونا” من مرارة الغربة على المصريين في الخارج، بينما تتعلق قلوبهم وأبصارهم بالوطن الذي لا يستطيعون العودة إليه في الوقت الحالي.

سارة خشيت نقل الفيروس لمصر فمكثت في إيطاليا

من داخل إيطاليا، التي صارت بؤرةً جديدةً لانتشار الوباء بحسب “الصحة العالمية”، روت سارة مهنى لـ”ذات مصر”، تفاصيل ساعات الخوف والقلق في الغربة.

تقول سارة إنها قلقة على أهلها، ورغم تمنيها أن تكون بينهم لتشعر بالأمان وتقوي مناعتها النفسية، إلا أنها لا تريد العودة لمصر خوفًا من أن تكون حاملة للفيروس، وتنقله لأهلها وأصدقائها في مصر.

غلبت سارة صوت العقل وقررت أن تمكث في إيطاليا حتى مع هاجس الموت في الغربة الذي يطوف بخاطرها أحيانا، في ظل الوحدة التي تعيش معها هذه الأيام.

تتضيف: “أخاف لما أكون وسط أهلي وأصحابي إني أكون بؤرة جديدة لنشر المرض في البلد وأنا مش عارفه، أنا قاعدة دلوقتي في البيت 24 ساعة ما بخرجش، لأن في فرض حظر تجوال واللي بيخرج بتصدر ضده غرامة وحبس 6 شهور”.

رغم وجودها في بؤرة انتشار كورونا في أوروبا، لكن سارة مهنى تخشى على أهلها في مصر، وهو ما أثر على سلوكياتها المعتادة، كما توضح.
تتابع: “بقيت فاتحة النت 24 ساعة مش بقفله، ساعات أقوم بالليل أشوف الأخبار وأكلم أهلي أطمن عليهم، أنا خايفة على بلدي خايفة إنه مصر تكون بؤرة جديدة لتفشي المرض زي إيطاليا وده هيكون صعب جدا لمصر، الخوف من المجهول صعب، هتحس بتعب، مش عارف إنت ممكن تعيش ولا تموت”.

تمكن الخوف والقلق من سارة في ظل الأزمة، رغم تمسكها بتعاليم الصحة والوقاية من كورونا بالمداومة على النظافة وغسل الأيدي وتطهيرها بالكحول وترك مسافة بينها وبين الأشخاص والتهوية باستمرار.

تصف الشابة المصرية شعورها الحالي قائلة: “دايما خايفة، بقيت متعصبة ومنفعلة أغلب الوقت وعندي دايما صداع من كتر التفكير”، ومع ذلك تعتبر أن الوضع الصحي في إيطاليا لا يزال آمنًا ومطمئنًا، وأن المستشفيات مجهزة والأطباء على مستوى عالٍ، منهية حديثها بـ”ما يحدث الآن هو نتيجة الضغط وإذا كانوا أقل احترازا كانت الدولة ستشهد كارثة أكبر من ذلك”.

وفقًا لإحصاء وكالة الصحافة الفرنسية استنادًا لمنظمة الصحة العالمية -في 28 مارس- فإن أوروبا قد صارت البؤرة الجديدة لانتشار المرض إذ سجلت القارة العجوز 329501 ألف إصابة أكثر من نصفها في إيطاليا، و19556 وفاة، لتصبح القارة الأكثر اضررًا جراء الوباء، تليها آسيا التي سجلت نحو 103478 إصابة بينها 3715 وفاة.

ملهم: كورونا "بروفة" لطيفة لـ"نهاية العالم"

عندما سمع ملهم هنداوي، للمرة الأولى، عما حدث في ووهان الصينية، ظن أن “كوفيد 19” مجرد مزحة ثقيلة، وموضة جديدة لتخويف وترهيب الشعوب التي فقدت الثقة في حكوماتها، لكن نظرته تغيرت تمامًا بعد ارتفاع نسب الوفيات، وإعلان منظمة الصحة العالمية لكورونا “وباءً”.

تجاهل السوري المهاجر إلى فرنسا- منذ قرابة العام، والمقيم حاليًا في باريس- الأزمة في البداية، ثم تعامل معها بعدم مبالاة ناصحًا زملائه الآخرين بأن تنظيف الأيدي بالمطهر يكفي، لكن مع الإجراءت التي اتخذتها السلطات الفرنسية، بدأ سلوكه في اتخاذ منحى آخر.

حذت فرنسا التي يبلغ عدد سكانها 60 مليون نسمة، حذو إيطاليا ففرضت حظر التجوال، وأعلن الرئيس الفرنسي أن بلاده تخوض حربًا صحية مع كورونا، إذ سجلت أكثر من 32964 إصابة، و1995 بحسب إحصاء “الصحة الفرنسية” في 28 مارس.

يصف “هنداوي” شعوره قائلًا: “الشعور الأساسي بالنسبة إلى كان الخوف، على حالي والناس اللي حواليا واللي بحبهم وبعد الخوف إجت طريقتي للتعامل مع الموضوع”.

رغم الأزمة لا يزال الشاب السوري، يرى بعدًا إيجابيًا لكورونا، وهو ما يصفه بـ: “استراحة من العالم، واستراحة من كم المعلومات التي أتلقاها كل يوم، ومن المواصلات، وفرصة لإلي أكون قاعد مع حالي أكتر وبفكر بشو عم حس، وأحلل نمط حياتي كيف كان وكيف صار، هذا السلوك الاجتماعي الذي نحن فيه”.

يعيش هنداوي حاليًا، لحظات من التأمل والتفكير في طريقة مختلفة للعيش، وساهم انتشار كورونا في توقفه عن لوم ذاته لعدم لقائه بالناس، أو الذهاب لرؤية مناطق جديدة بالبلد التي يقيم فيها.

الوجه الآخر للوباء

على عكس الكثيرين، يعتبر ملهم هنداوي أن للأزمة الحالية أبعادًا إيجابية، مضيفًا “أنا مهتم بالتغيير المناخي وكيفية تقليل النمط الاستهلاكي للطاقة، وأحس حاليا أن كوكب الأرض يتنفس ولو لمدة شهر أو شهرين، حاليا الدلافين دخلت على الممرات المائية بفينسيا الإيطالية، وصار هناك حيوانات تدخل لبعض المناطق المدنية، تأكيد الحيوانات مرتاحة وبالتأكيد نحن كبشر مرتاحين”.

يرى “هنداوي” أن الفترة الحالية فرصة جيدة للناس لتعرف أن العمل من المنزل ليس عيبا أو خطأ، وأن هناك بدائل أخرى للحياة التي كنا نعيشها وفرصة لمعرفة كيف يعيش كبار السن؟ والتعرف على نمط الأصدقاء الذين يفضلون الوحدة.

خائفة على مصر

شيماء مجدي، مهندسة مصرية مقيمة في كندا، استقبلت الأخبار المنتشرة حول كورونا منذ قرابة شهر، بالمزاح، حتى أنها أصيبت بالإنفلونزا، بأعراض تتشابه مع كورونا، لكنها لم تخضع لاختبار PCR وقتها واكتفت بأخذ علاج الإفلونزا وفي غضون أيام تعافت منه.

تمنت شيماء العودة إلى مصر، خلال الفترة الماضية، قبل غلق المجال الجوي، لكن الخوف من التقاط العدوى ثم نقلها إلى أهلها وأصدقائها كان قويا، وفضلت ألا تسافر.

شيماء

تقول شيماء: “شعرت بالحزن على بلدي مش عليا، أنا عارفة هنا إنهم هيعرفوا يتصرفوا أي كان الوضع لكن في مصر مفيش نفس الإمكانيات دي غير إن الناس بتتعامل مع الوضع باستهتار، وكل ده مخليني مرعوبة مش بس خايفة”.

توضح المهندسة المصرية أنها أصبحت أهدأ وتترقب الأوضاع في مصر وكندا كما أنها تبقي على اتصال مع الأهل والأصدقاء “أونلاين”.

رغم انتشار الفيروس، إلا أن “شيماء: لم تستخدم الأقنعة والكمامات الطبية خلال الفترة الماضية، وخلال فترة مرضها بالإنفلونزا لجأت لاستخدام المطهرات، وتجنب التجمعات والمواصلات العامة.

التفكير في الموت يقلل الخوف منه

يخشى العديد من الأشخاص الحديث من الموت والحديث حوله، خاصةً مع تفشي وباء كورونا المستجد، لكن وبحسب دراسة سابقة نشرها موقع “بي بي سي” فإن الحديث عن الموت يقلل من الشعور بالخوف تجاهه.

وأفادت الدراسة أن زيادة صورة الموت في تخيلنا وأذهاننا وكثرة التفكير فيه، سرا وعلانية، من الممكن أن يجعلنا نجنح إلى الصرامة والانحياز، لأننا غير معتادين على التفكير والحديث عن الموت.

وأشارت الدراسة إلى فاعلية العلاج بالتعريض، أي تعريض المرضى بعناية لمصدر قلقهم وخوفهم، سواء كان شيئا أو حيوانا أو حتى ذكرى معينة، يقلل من شعورهم بالخوف.

وبناءً على الأبحاث العلمية، فقد بُذلت جهودًا متزايدة لتشجيع الحديث عن الموت بين الناس، في كل من البيت، وفي الأماكن العامة، حتى أنه ظهر ما يعرف بـ”مقاهي الموت” التي أنشئت في سويسرا عام 2004، وانتشرت حول العالم، مما ساعد الناس على الحديث عن مخاوفهم وهم يتناولون الكعك والقهوة.

حذر وترقب

في ذات السياق، تقول آية منير، وهي مهندسة مصرية مقيمة بالبحرين، إنها لا تخشى المرض لكنها تخشى تبعات انتشاره وتأثيره على العمل واستقرارها المادي الذي من المحتمل أن يختفي، نتيجةً للوباء.

تطمئن “آية” نسبيا لوجودها في البحرين وترى أن التعامل هناك مع أزمة تفشي الفيروس، يتم بشفافية تامة إذ يتم الإعلان عن الحالات تحسبا لوجود مخالطين لهم، وهذا سبب اطمئنانها وعدم رغبتها في ترك البلد والعودة إلى مصر.
تضيف: “بنزل مرة واحدة تقريبًا كل أسبوع لشراء مستلزمات المنزل، وتطبيقا للحجر الصحي المطبق في الدولة منذ 3 أسابيع حتى الآن”.

ورغم طمأنينتها النسبية، إلا إن آية ما زالت قلقة حيال أهلها معتبرةً أن مصر تبذل أقصى جهد في حدود الإمكانيات المتاحة لاحتواء الفيروس، ومع ذلك ترى أن الحكومة المصرية كان يتوجب عليها أن تتحرك مبكرًا لاحتواء الفيروس الذي سجل حتى 28 مارس 536 إصابة بحسب وزارة الصحة.

من ناحية أخرى أصبحت آية أكثر قلقا واكتئابا وخوفا، وتفكر في تطورات الأزمة وتتابع الأخبار بشكل مستمر وبدقة لمعرفة القادم فهي “تخشى المجهول” تقول آية “خايفة على أهلي من النهاية واني مشوفهومش بس حاسة إني متجمدة في مكاني مش عندي شعور تجاه حاجة معينة عاوزة أعملها”.

الابتعاد عن الأهل يؤثر على "الحالة النفسية"
الدكتور طه أبو حسين

من جانبه قال الدكتور طه أبو حسين، أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية، إن أي مسألة تخص الذات يلزمها شرار حتى يتحرك الشخص بسرعة أي أنه لابد من وجود خطر محقق تراه العين حتى يبدأ الشخص في التحرك.

وأضاف “أبوحسين” أن المغترب بعيدًا عن الأهل والوطن، يخضع لمفصلية التصديق حول وجود الخطر من عدمه، ويفكر بعدم ثقة تجاه الخطر المحقق والذي له تأثيره ليس وقتيًا أو فوريًا.
وأشار أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية إلى أن المغترب الموجود في دولة تتعامل مع التهديدات بجدية ولا تقصر في بذل الإجراءات لحماية المقيمين بها، يطمئن نسبيا مقارنةً بغيره.

وأوضح أستاذ علم الاجتماع أن ابتعاد الشخص عن أهله يؤثر على الدعم النفسي، مردفًا أن ذلك يختلف من شخص لآخر، فالشخص العادي يشعر باحتياج لأهله أما لو رب أسرة فأهله هم من يحتاجون إليه ولدعمه.

قصة

إيناس كمال

صحافية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

محمود أسامة

مونتاج

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram