وجهات نظر

مؤامرات صنعت التاريخ: جذور وتطور “نظرية المؤامرة” في الإسلام السياسي

 

طارق أبو السعد

 

يُعد الإيمان بنظرية المؤامرة على الإسلام والمسلمين المُحرك الأساسي لتنظيمات الإسلام السياسي بتنوعاتها المختلفة، فهي كلمة السر التي تجمعهم ضد المجتمع المدني والحداثة والتحديث وكل ما هو جديد، وتُسيطر على خيال وعقل ووجدان الإسلامويين، فكثيرًا ما نسمع منهم أو نقرأ لهم مقولات مثل “هناك أيادٍ خفيةٌ تريد تشويه الإسلام”، و”هناك أجهزة مخابرات سريّة تريد إجهاض مشروع الاسلام السياسي”، و”الغرب يحقد على المسلمين”، و”هناك مؤامرة عالمية ضدّ الإسلام”.

تعكس هذه العينة من التصريحات مدى تغلغل نظرية المؤامرة في العقل الجمعي للإسلامويين، ونعني بهذا الخيال جملة التصوّرات والمعتقدات التي تُحدّد نظرة تنظيمات الإسلام السياسي إلى نفسها، ومن ثَمَّ إلى الآخر وإلى العالم.

من المفهوم أن نظرية المؤامرة ليست جديدة على المجتمعات الإنسانية، إلا أن المسلمين وبتأثير خطابات تنظيمات الاسلام السياسي المسيطرة بالفعل على الحياة الفكرية الإسلامية من مطلع القرن العشرين إلى الآن، جعلت نظرية المؤامرة ثقافة عامة كبديهية إسلامية، وللأسف ترسم لهم تحركاتهم واختياراتهم وعلاقتهم بأنفسهم وبالآخر، وهنا مكمن الخطر، لأن الإيمان بهذه النظرية يُعيق العقل عن العمل، وبالتالي يفقد المسلم ما وهبه الله ، فلا يتمكن من إعمار الأرض كما أمره المولى عز وجل، لهذا من المهم جدًا تفكيك تلك النظرية وكشف أضرارها وآثارها السلبية على الحياة الفكرية والاجتماعية.

أصل نظرية المؤامرة هو خلل في التفسير، فالإنسان منذ العصور البدائية، يُفسر العالم من منطلق ميتافيزيقي (ما ورائي) فيُفسّر جملة الأحداث التي تقع خارج نطاق إرادته بتفاعل قوى جبارة، فما يقع بين تلك القوى الغيبية هو السبب في المطر والرعد والبرق والفيضانات، وما يقع له حوادث حياتية، سببه تلك القوى الغيبية، لذلك حاول استرضاءها بالقرابين.

وفي العصر الحديث الحالي، وقعت أحداث حاول رجال الدين تفسيرها فلم يفلحوا، ففسروها بوجود قوى عالمية خفية تدير العالم، وتسعى للسيطرة عليه وتحديد مصيره، وأبرز من روَّج لثقافة وجود قوى عالمية خفية تحيك المؤامرات، القس الفرنسي “أوغسطين بارويل”، في كتابه “مذكرات توضح تاريخ اليعقوبية” في فرنسا، والذي نُشر خلال الأعوام 1797-1798، وتُرجِم إلى اللغة الإنجليزية في العام 1799، إذ حاول قراءة الثورة الفرنسية الشهيرة فلم يجد تفسير يرتضيه إلا أنها “مؤامرة ماسونية” بسبب الضغائن التي يحملها الماسونيون إزاء الملكية والكنيسة، ولا يختلف الإسلامويون عن القس بارويل، فهم يرون أن الماسونية العالمية هي التي أسقطت الخلافة الإسلامية، لصالح اليهود ولتمكنهم من احتلال فلسطين!

ففي كتاباتهم، كرَّسوا معنى المؤامرة العالمية على الإسلام حتى أصبحت ثقافة عامة لدى جمهور المسلمين، ففي الفترة التي تلتِ الحربَ العالمية الأولى وقيام الأتراك بإلغاء الخلافة العثمانية، بدأت الحركة الإسلامية تتحدث عن دور الغرب في هذا الإلغاء على اعتباره رمزًا للإسلام (راجع مجلة المنار لرشيد رضا) وتأكيده على أن ما حدث كان حرب دينية على الإسلام.

العجيب أن تنظيم جماعةُ الإخوان لم ير أن الصهيونيين لديهم طموحات إقليمية في فلسطين، بل وضعوا اليهود (كأصحاب كتاب) كخصم يخوضون حربًا ضد الاسلام، وأن هذه الحرب شملت نشر أفكار “يهودية” هدَّامة مثل الماسونية والشيوعية.

رسّخ الاسلامويون هذه النظرية حتى صارت آلية نفسية مريحة لأنها تعفيهم والمسلمين من المسئولية بشكل كامل وتلقي بها على الآخرين، وتجعل سبب الهزيمة المُذلة ليس الجيوش المتهالكة ولكن الخونة في الداخل والأعداء الخبثاء في الخارج، ومن ثَمَّ صار أي تقصير يُعاني منه المسلمون سببه المؤامرة عليهم.

تَغذَى الإسلامويون على هذه الثقافة لأنها تسمح لهم بالنهش فيمن يرغبون، دونما تأنيب للضمير أو زجر من المجتمع، فكل من خالفهم زعموا أنه عميل ومتآمر، وأنه يعمل لهدم الإسلام من الداخل، كما تسمح لهم هذه الثقافة بالهروب من إخفاقاتهم في الحياة السياسية والاجتماعية تحت مزاعم أنهم وقعوا فريسة للمؤامرة، ولا ننسى أنه تحت زعم المؤامرة على الإسلام يسهل تجميع الشباب وإقناعهم بالعمل في تنظيماتهم فيصبح الانضمام إليهم وتنفيذ أفكارهم شكل من أشكال المقاومة والجهاد في سبيل الله وحماية للإسلام ضد منْ يكرهون الإسلام، ومنها يُمكن النفاذ إلى عقول أتباعهم وإقناعهم بهدم أوطانهم لنصر الإسلام!

ففي سبعينات القرن المضي نشر الإخوان كتاب “الإخوان المسلمون: أحداث صنعت التاريخ.. رؤية من الداخل” لـ “محمود عبد الحليم”، وفيه استعرض 7 خطط وصفها بالتآمر العالمي على دعوة الإخوان المسلمين.

وكذلك نجد كتاب “قادة الغرب يقولون: دَمِّروا الإسلام أبيدوا أهله”، وهو كتاب يدور كله حول ترسيخ مفهوم الحروب الصليبية، وأنها ممتدة، وأن أوروبا كلها صليبية حاقدة على الإسلام وعلى المسلمين، لا لشيء إلا لأنهم مسلمون! وأن الغرب كله يتآمر ضد الدين والرسول الكريم وضد القرآن الكريم، وأنهم يمنعون أوطاننا من امتلاك العلم ويُعيِقون تقدمنا وازدهارنا، ويحملون الشر والعداء لنا، وأن كل تقدم في الغرب هدفه هدم الإسلام سواء في نظريات الحكم أو في العلوم الاجتماعية أو في المذاهب الاقتصادية، ويستهدفون فتياتنا بإفساد أخلاقهن بنظريات المساواة وحقوق المرأة… إلخ.

راجت هذه الفكرة لدى عوام الناس لأسباب مختلفة، فنشأ جيل بل أجيال يسود بينهم فكرة المؤامرة ضد الإسلام، ما رسّخ هذا الفكر في ذهن قطاع كبير من المسلمين، وانساق معهم بعض الشيوخ والوُعّاظ في تكرار تلك المقولة، ولكن إذا تأملنا الواقع قليلاً فإننا نرى أن المسلمين الوافدين إلى أوروبا يزدهرون، فإذا كان الغرب يكرهون الإسلام (كدين) لماذا إذًا سمحوا للمسلمين من كثير البلدان المسلمة بالعيش هناك؟ ولماذا منحوهم الفرصة للنجاح؟

ولا يفوتنا أن إنجلترا اختارت للندن عمدة مسلمًا، أما الإرهابيون ففجروا الأسواق والقطارات والمطارات وقتلوا الأبرياء.

ومن المهم هنا أن نوضح أن كل القوى في العالم لديهم خطط ومكائد بعضهم ضدَّ بعض بهدف السيطرة والحصول على الرفاهية لمواطنيها، لكن العقلية الإسلاموية فقط هي التي ترى أن العالم أجمع يحيك المؤامرات عليها، ولا ترى طبيعة الصراع كقوى تتنافس على قيادة العالم.

أدى شيوع فكر المؤامرة على الإسلام التي تبناها تنظيمات الاسلام السياسي بمختلف أفكارهم؛ بإصابة المجتمعات العربية والإسلامية بمرض فكري عُضال يجب التخلص منه، لما له من عواقب وخيمة تهدد السلام الاجتماعي والأمن والأمان، فالشخص المؤمن بنظرية المؤامرة على الإسلام يرى نفسه أنه ضحية مؤامرة كبرى، ولهذا وبشكل تلقائي يحتاط من كل ما هو غير مألوف لديه ومُغاير لثقافته وفكره وعقيدته، فيزيده ذلك التمسك بالماضي، ومن ثَمَّ يُعادي الحداثة بزعم أنها ضد القيم والأخلاق، وأنّها تُولِّد التعصب والعداء.

فمنْ يؤمنون بنظرية المؤامرة على الإسلام يسمحون لأنفسهم بأن يكونوا أوصياء على المجتمع وعلى الدين، ويمنحون أنفسهم الحق في الدفاع عن قيمهم وإسلامهم بإبعاد الأعداء بأي طريقة كانت، كما تُولِّد ثقافة نظرية المؤامرة الكراهية كمشاعر وكخطاب وكسلوك ضد دول وشعوب وأفكار وأشخاص بعينهم، وتتدرج الكراهية من شعور ضد الجميع المتآمر على الإسلام إلى خطاب يعلن ذلك في الخطب والمواعظ والندوات والكتب والكتيبات، حتى إذا ترسّخ بمنسوب عالٍ، يتحول إلى سلوك يُترجَم كممارسات عنف ضد الآخر.

إن العقلية التآمرية هي أحد اهم أسباب التعصب والاستقطاب الحاد وخطاب الكراهية والعنف والاستعداد للاحتراب الداخلي، وهي علة غياب التسامح والتعايش وبلغ من الخطورة على الفرد درجة تجعله يرى أعداء له من أبناء مجتمعه ودينه ووطنه وليس من الغرب فقط.

يبدو أننا في حاجة إلى التأكيد على المؤكد، وأن المسلمين شهدوا فترات طويلة من تاريخهم متسامحين مزدهرين قبل أن يسود منطق المتطرفين ويغرس في أجيال عدة الكراهية للمختلفين معهم في الدين والمذهب. إن أفكار التسامح والتعايش لن يُكتب لها النجاح من دون اجتثاث فكرة المؤامرة العالمية على الإسلام والمسلمين.

طارق أبو السعد

متخصص في الحركات الإسلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى