مؤشر الإرهاب العالمي 2020:

تراجع عام.. وتكتيكات متغيرة

تشهد الظاهرة الإرهابية تحولات في العالم، يتعلق بعضها بقوة التنظيمات على مستوى المركز والأطراف، وكذلك بتحول التكتيكات المفضلة لتنظيمات التطرف العنيف، كما شهدت متغيرًا هامًّا يتعلق بتأثير فيروس كورونا في أنشطة التنظيمات وجهود الحكومات، بالإضافة إلى ظاهرة إرهاب اليمين المتطرف في الغرب.

في هذا السياق، أصدر معهد السلام والاقتصاد “مؤشر الإرهاب العالمي 2020″، الذي أوضح بعض النتائج حول الظاهرة الإرهابية في العالم.

مؤشر الإرهاب العالمي 2020
نتائج المؤشر العامة

أبرز التقرير بعض النتائج العامة، منها: استمرار انخفاض وفيات العمليات الإرهابية للعام الخامس على التوالي، بعد أن بلغت ذروتها عام 2014، فانخفضت وفيات عام 2019 بنسبة 15% عن 2018، وصارت أقل بـ 59% عن 2014، وقد بلغت الآثار الاقتصادية للإرهاب عام 2019 نحو 26.4 مليار دولار، بانخفاض 25% عن عام 2018، وقلت 77% عن عام 2014، من جراء الانخفاض المستمر خلال السنوات الخمس الماضية، كما يوضح التقرير عمق الارتباط بين الصراعات والعمليات الإرهابية خلال العقدين الماضيين، فقد كان نصيب البلدان المتورطة في صراعات قرابة 95% من وفيات الإرهاب.

وسجلت بوركينا فاسو أكبر زيادة في وفيات العمليات الإرهابية 590%، في حين انخفضت وفيات الإرهاب في أفغانستان لعام 2019 للمرة الأولى منذ 3 سنوات، رغم أنها لا تزال الدولة الأكثر تأثرًا بالإرهاب، وتحسنت 103 دول في التصنيف العالمي مقارنة بتدهور تصنيف 35 دولة.

وتعتبر جمهورية الكونغو الديمقراطية واليمن الدولتين الوحيدتين –من بين الدول العشر الأكثر تأثرًا بالإرهاب- اللتين سجلتا تدهورًا في النتيجة من 2018 إلى 2019، وسجلت باكستان تليها سوريا أكبر تحسن. وعلى مستوى الأقاليم سجل جنوب آسيا التدهور الأكبر، في حين سجلت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أكبر تحسن إقليمي للعام الثاني على التوالي.

الدول العشر الأكثر والأقل تأثرًا بالإرهاب على المؤشر
الجماعات الإرهابية وتحول التكتيكات

بحسب التقرير، فإن طالبان، وبوكو حرام، وداعش، وحركة الشباب، كانت أخطر المجموعات الإرهابية عام 2019، وتسببت عملياتها في 7578 حالة وفاة بسبب الإرهاب، بما يمثل 55% من إجمالي وفيات 2019.

حركة طالبان

ظلت حركة طالبان الأكثر دموية في العالم، ورغم زيادة هجماتها ضد المدنيين بنسبة 24% عام 2019 عن سابقه، فإن عدد القتلى المدنيين من هذه العمليات انخفض 31%، بسبب انخفاض عدد القنابل المزروعة على جوانب الطرق وغيرها من المتفجرات البدائية المستخدمة.

وقد زادت حالات التفجيرات بنسبة 55% عام 2019 كأكثر تكتيكات التنظيم دموية، تليها الهجمات المسلحة –رغم انخفاضها 31%- كما زادت عمليات الاغتيال 40% في 2019.

حركة بوكو حرام

سجلت جماعة بوكو حرام الإسلامية زيادة في النشاط الإرهابي لعام 2019 -بعد فترة من التراجع المطرد– حتى احتلت المرتبة الثانية بين الجماعات الإرهابية لعام 2019، والمرتبة الأولى في إفريقيا جنوب الصحراء.

ورغم اشتهار التنظيم بالتفجيرات الانتحارية، فإنها مثلت 7% فقط من هجماته لعام 2019، بما يمثل تراجعًا عن ذروتها عام 2017 عندما مثلت 46% من هجمات التنظيم، وهو ما انعكس على خطورة هجمات بوكو حرام التي انخفضت من 15 وفاة لكل هجوم خلال 2014 إلى 4 وفيات لكل هجوم خلال 2019.

وتحولت تكتيكات التنظيم في السنوات الأخيرة نحو الهجوم المسلح واحتجاز الرهائن، فقد مثل الأول 40% من هجمات التنظيم عام 2019، في حين زادت الثانية 36% عن 2018.

وبينما انخفضت التفجيرات الانتحارية النسائية عام 2019 بنسبة 96% عن ذروة توظيف التنظيم لها عام 2015، جدد التنظيم تركيزه على تجنيد الأطفال واستخدامهم في الاستخبارات والدعم.

إرهابيون

تنظيم “داعش” في العراق والشام

استمر تراجع وفيات عمليات التنظيم للعام الثالث على التوالي، فقد انخفضت بنسبة 40% في 2019 عن العام الذي سبقه، بنسبة أكثر من 90% عن 2016، الأكثر دموية بالنسبة إلى التنظيم عن العام السابق. وقد كان هجوم سريلانكا، الذي أسفر عن مقتل 266 وإصابة ما لا يقل عن 500 شخص، هو أكثر هجمات التنظيم دموية خلال هذا العام.

وعلى الجانب الآخر، استمر تمدد التنظيم خارج العراق وسوريا، وتزايد عدد الجماعات التي أعلنت الولاء والبيعة، حتى نفذ التنظيم هجماته في 27 دولة –غير سوريا والعراق- عام 2019.

واستمر اندفاع نفوذ التنظيم إلى جنوب آسيا عبر “فرع خراسان”، وإلى إفريقيا جنوب الصحراء عبر “تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى (ISGS)” و”ولاية وسط إفريقيا”، على التوالي. فقد نفذ تنظيم “الدولة الإسلامية” 41% من عملياته عام 2019 في إفريقيا جنوب الصحراء، ما يشير إلى تحول في هجمات التنظيم بعيدًا عن الشرق الأوسط.

تكتيكيًّا، كان أكثر من نصف الهجمات التي ارتكبها تنظيم داعش تفجيرات، ما أسفر عن مقتل 687 شخصًا في 2019. وكان النوع التالي الأكثر شيوعًا من الهجمات هو الهجوم المسلح، الذي شكل 21% من هجمات داعش في 2019، ما أسفر عن مقتل 114 شخصًا.

واستمر اعتماد التنظيم على العمليات الانتحارية، بل إن عدد الوفيات الناجمة عنها ارتفع للمرة الأولى منذ 2016 وشكلت 53% من الوفيات المنسوبة للتنظيم، وشكل هذا التكتيك 13% من عملياته.

وعمومًا فإن أكثر من نصف عمليات التنظيم كانت تفجيرية، تلتها الهجمات المسلحة التي شكلت 21% من هجمات داعش في 2019.

مقاتلو داعش

حركة الشباب

استمر انخفاض الحوادث الإرهابية للتنظيم والوفيات الناتجة عنها، فقد انخفضت وفيات عمليات “الشباب” الإرهابية 8% في 2019 عن العام الذي سبقه. وكان 87% من هذه الوفيات بالصومال مقارنة بـ13% في كينيا، إلا أن وفيات الصومال نفسها سجلت تراجعًا 14%، وزادت وفيات كينيا 83%.

ورغم انخفاض هجمات الحركة ضد المدنيين في 2019 بنسبة 13%، فإنها احتفظت بالنصيب الأكبر من هجمات الحركة، تلتها الهجمات ضد الأهداف الحكومية، كما زادت الوفيات بين المدنيين، إذ تسببت الهجمات ضد المدنيين في مقتل 3.2 لكل هجوم عام 2019، مقارنة بـ1.9 في 2018، وقد شكلت وفيات التفجيرات 57% من وفيات عمليات الحركة، مقابل 15% للهجمات المسلحة، و11% للاغتيالات.

كورونا والإرهاب

يشير التقرير إلى إمكانية أن توفر جائحة كوفيد-19 فرصًا للمنظمات الإرهابية لتوسيع عملياتها مستغلة تركيز الحكومات على الصحة العامة أكثر من مكافحة الإرهاب، كما قد توفر فرصًا لهذه التنظيمات لتقدم خدمات اجتماعية في حالات الدول الهشة أو الضعيفة.

وقد قدم كل من تنظيم القاعدة وداعش إرشادات لوقف انتشار الفيروس، واقترح “القاعدة” على غير المسلمين في الغرب استغلال الجائحة وإعلان إسلامهم، كما حث “داعش” على استغلال الانشغال الحكومي واستمرار الجهاد العالمي، في حين نظرت الجماعات اليمينية المتطرفة إلى الوباء على أنه فرصة لتأجيج خطاب الكراهية العنصري والإسلاموفوبيا والعداء للمهاجرين، إلا أن الجائحة فرضت أيضًا تحديات للجماعات الإرهابية المحلية، فقد صعّب حظر التجول وقيود السفر من تحركات العناصر الإرهابية وهجماتها، في حين أن الجماعات العالمية تستطيع تنفيذ هجمات واسعة النطاق ومتطورة في الخارج.

ومن المرجح أن يكون لزيادة العجز الحكومي الناجم عن زيادة الإنفاق العام في أثناء الوباء تأثير سلبي في ميزانيات مكافحة الإرهاب، ما يعيق عمليات مكافحة الإرهاب المحلية أو الدولية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى.

مسلحو داعش في جنوب الصحراء الأفريقية
الإرهاب اليميني الغربي

رغم أن الإرهاب ذا الدوافع الدينية –الإسلامية- كان أكثر أشكال الإرهاب فتكًا في الغرب على مدار العقدين الماضيين، فإنه لم يكن الشكل الأكثر شيوعًا، فقد تفوقت الهجمات ذات الدوافع السياسية في العدد، وإن كانت في معظمها هجمات صغيرة لم تسفر عن سقوط قتلى سوى 18 قتيلاً في 142 هجومًا إرهابيًّا سياسيًّا من 2002 إلى 2011، ورغم تنامي الإرهاب السياسي في الغرب، فإنه لا يزال أقل من أعلى مستوى تاريخي له خلال سبعينات القرن الماضي.

ويعتبر الإرهاب اليميني أكثر فتكًا –بعد الإرهاب الإسلاموي- من إرهاب اليسار المتطرف على مدار العقدين الماضيين، فالتقرير يشير إلى أن معدل فتك الإرهاب الإسلاموي في الغرب 4.49 حالة وفاة لكل هجوم، ومعدل الإرهاب اليميني 0.86 حالة وفاة، وينخفض المعدل في هجمات إرهاب اليسار إلى 0.11 حالة.

وبحسب التقرير، فإن الغرب شهد بين 2015 و2019 نحو 359 حادثة إرهابية سياسية أدت إلى مقتل 190 شخصًا، وتُنسب 63% من الهجمات الإرهابية و90% من وفيات الإرهاب في الغرب عام 2019 إلى اليمين واليسار المتطرفين واليسار المتطرف الذين قاموا بهجوم واحد على الأقل عام 2019 في 18 دولة غربية.

وقد تنامى إرهاب اليمين المتطرف كنسبة من العمليات الإرهابية في الغرب، فبينما لم يزد عن 14% بين 2002 و2014، وصل إلى 46% عام 2019، وارتفعت نسبة الوفيات المنسوبة إلى عمليات اليمين المتطرف من إجمالي وفيات الإرهاب من 26% عام 2014 إلى 82% عام 2019.

وقد حازت الولايات المتحدة نصيب الأسد من الإرهاب اليميني، فمن أصل 332 حادثة إرهابية لليمين المتطرف في الغرب منذ 2002، كان نصيبها 167 حادثة، أنتجت 113 وفاة وهو أكبر عدد من الوفيات بسبب الإرهاب اليميني المتطرف، كما تعتبر الولايات المتحدة الدولة الوحيدة في الغرب التي شهدت هجمات متعددة أسفرت عن مقتل أكثر من 10 أشخاص في الفترة ذاتها.

وعلى العكس من الإرهاب اليساري والقومي الذي عرفه الغرب في فترات سابقة، فإن الإرهاب اليميني الذي يشهده الغرب خلال العقدين الماضيين إرهاب فردي وليس تنظيميًّا، فمن بين 52 هجمة إرهابيّة خلف ضحية على الأقل بين عامي 2002 و2019، نُسبت 7 فقط إلى مجموعة محددة، ويميل اليمين المتطرف إلى استخدام تكتيك الهجمات المسلحة.

ختامًا، قدم التقرير بعض المؤشرات والبيانات حول تحولات الظاهرة الإرهابية في العالم، وتحول تكتيكات وانتشار بعض التنظيمات، كما ألقى الضوء على العلاقة بين جائحة كورونا والظاهرة الإرهابية، وكذلك تصاعد ظاهرة اليمين المتطرف.

وقد حلل التقرير بعض العوامل التي تستخدمها التنظيمات في تجنيد الأفراد ودور الشبكات الاجتماعية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والتغطيات الإعلامية، ووضع توصيات بديلة في هذه القضايا لتضمينها ضمن إستراتيجيات المكافحة، بالإضافة إلى توظيف عوامل وأسباب خروج الأفراد من التنظيمات المتطرفة العنيفة، وتسويقها للحد من قدرة هذه التنظيمات على استقطاب الأفراد.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

عرض

عبد المجيد أبو العلا

باحث مساعد – مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

مشاركة

بكار حميدة

بكار حميدة

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram