ثقافة وفن

ماجد الكدواني.. عوالم موازية لإبداع مُطمئِن

في بدايات ربيع عام 1995، كان المخرج الراحل أسامة فوزي يستعد لعمله الأول “عفاريت الأسفلت” عن قصة وسينايو وحوار “مصطفى ذِكرِي”.. لم يجد عناء في اختيار الشخصيات الرئيسة للفيلم، الذي ذهب دور البطولة فيه لمحمود حميدة، لكنه توقف كثيراً عند شخصية “حلزونة”، الشاب الذي يعاني إعاقة ذهنية وجسدية ويتعرض للضرب الشديد من بطل القصة، الذي يتشاءم من “العبْط”.. في النهاية وقع اختيار فوزي على ماجد الكدواني.

ماجد الكدواني
ماجد الكدواني

ماجد الكدواني كان قد قارب الثلاثين من عمره.. لم يظهر إلا في أعمال مسرحية وتليفزيونية قليلة ولم يسبق له الظهور في السينما.. وربما كان عدم معرفة جمهور السينما به حافزا له على الإجادة في أداء الدور للدرجة التي شك فيها البعض في أن هذا الممثل شاب معاق بالفعل.

مزج ماجد أداءه للشخصية من مشاعر متباينة كانت تسيطر عليه أثناء التصوير بسبب ظروف قاسية كان يمر بها، منها وفاة والده.. ولأن جميع مشاهد الشخصية صوَّرت في الشارع، فلم يكن من المستغرب أن يقتحم أشخاص عاديون، تصادف وجودهم، موقع التصوير لتخليص الشاب المسكين الذي يرتدي ملابس رثة من أيدي “حِمِيْدَه” الذي كان يندمج فيضرب “حلزونة” بقسوة تصل إلى حد الإيذاء.

لم يخش ماجد الكدواني تأخر الفرصة المناسبة.. لم يكن يبحث عن أدوار كبيرة تحتل مساحات واسعة من الأعمال التي يطمح للمشاركة فيها.. بحثه كان عن شيء آخر لم يكبر في نفسه على الوجه الأمثل منذ أن غادر مصر وهو في الرابعة من عمره، ولم يعد إليها إلا شابا للالتحاق بالجامعة.

أشياء كثيرة فينا لا يمكن أن تنمو في الغربة بشكل طبيعي، خاصة إذا كان الاغتراب مكتمل المعاناة في بلاد تختلف طبيعتها بالكلية عن طبيعة الوطن.. شيء ما في مثل هذه الظروف كان من الممكن أن يتغير إلى الأبد. ربما اختلف الأمر بالنسبة لماجد الكدواني الذي استطاع أن يحتفظ في الذاكرة بأحداث الأربع سنوات الأولى من عمره والتي قضاها في حي شبرا، ليستطيع من خلالها إنتاج آلاف التفاصيل التي تصلح كغذاء للروح في جدب الصحراء القاحلة.

كانت لعبة الذاكرة بمثابة المُحفّز لقدراته التي سيكتشفها بتعاظم شغفه بكل ما هو فني؛ خاصة أن غالبية ما يعرضه تليفزيون الكويت آنذاك كان مصريا، فشكَّل ذلك تعويضا مناسبا يزيل آثار التغرب في القفار، أولاً فأولا من نفسه.

في الثمانينيات المتأرجحة

ماجد الكدواني
ماجد الكدواني

قاهرة منتصف الثمانينيات تحاول أن تصنع أي اختلاف عن ماضيها دون أن تتوصل إلى صورة نهائية.. لتبدو في حالة مزرية تتأرجح على إيقاع حزين بين عالمين صارا إلى زوال قبل أن يولد عهد لا ملامح واضحة له.. ينعكس ذلك بشدة على الفتى العائد باشتياق بالغ والملتحق حديثا بكلية الفنون الجميلة.

الصمت والهدوء يغلفان شخصية ماجد الكدواني، لكنه صمت المراقب وهدوء المستقرئ.. وداعة ومسالمة وتوجس طفيف تشكل له فريقا من الأصدقاء المقربين، يصنعون بصخبهم حوله مواقف عديدة تدخله في دوائر من الفرح والألفة.. اختار قسم الديكور المسرحي، ما يعني تمسكه بالوجود داخل المجال الذي ملك عليه لبه منذ الصغر.

كثيرا ما يشير ماجد الكدواني إلى تدخل القدر في حياته بدرجة كبيرة جعلته لا يختار لنفسه ولا يطلب شيئا.. فالمشيئة الإلهية تعطيه دائما أفضل مما يتوقع، وإن كان ظاهر الأمر يخالف ذلك.

فتعرضه لحادث في الكويت أسفر عن كسر شديد في ساقه نتج عنه عدم القدرة على الوقوف لوقت طويل، كان سببا مباشرا في التحاقه بمعهد الفنون المسرحية، بعد أن أنهى دراسته بكلية الفنون الجميلة، وكانت الفرصة ستضيع لو كان لائقا لأداء الخدمة العسكرية، فكانت الإصابة حائلا دون التحاقه ليدخل المعهد ويتخرج فيه عام 1995، وهو نفس عام بدايته السينمائية في “عفاريت الأسفلت”.

السينما كاختيار نهائي

ماجد الكدواني
ماجد الكدواني

انتبه ماجد الكدواني مبكرا إلى أن الأداء المسرحي البارع لعدد لا بأس به من ألمع نجوم الفن حال بينهم بشكل أو بآخر وبين التألق في الأعمال السينمائية، فالأداء المسرحي الذي يعتمد على التفاعل المباشر مع الجمهور ويستلزم رفع الصوت ليصل إلى آخر من في قاعة العرض، ويغلب عليه الانفعالات الظاهرة والتأثر الخارجي، ربما يقف عثرة أمام الممثل في الأعمال السينمائية، حيث الكاميرا في السينما تبحث بعين رؤية المخرج عن  التعبير بالملامح والإيماءة ونبرة الصوت قبل حركة الجسد.

فالأداء السينمائي أكثر اعتمادا على “المونولوج” أو الاستبطان، بلغة علم النفس، بعكس الأداء المسرحي الذي أساسه “الديالوج”، وهو خارجي وتفاعلي بين أطراف عدة.. ويوضح ذلك أداء ماجد الكدواني، بالغ الإتقان، في أعمال: “عزبة آدم” 2009 و”الأصليين” 2017، وفيلم “طلق صناعي” 2018.

يبدو أن انحياز الكدواني للسينما كان على أساس أنه أقرب طوال الوقت إلى هذا الحوار الداخلي المتأمل المستغرق في التفاصيل المؤتنس بترانيم الذات والتعلق بالمشيئة الربانية والمطمئن تماما إلى أنه يسير وفق خطة ناجحة لأداء دور رسالي بأداة الفن المستخدمة بتميز متصاعد يتفق وتنامي الموهبة المطرد بتوالي الخبرات وتعاظم المعرفة ومرور الزمن.

ليس ضروريا أن تكون بطلا

ماجد الكدواني في فيلم عسكر في المعسكر
ماجد الكدواني في فيلم عسكر في المعسكر

ليس غريبا إذن أن ينتظر ماجد الكدواني نحو 4 سنوات قبل أن يستدعيه أسامة فوزي مجددا للمشاركة في “جنة الشياطين” بدور “عاطف” زوج ابنة “منير رسمي” المتمرد على تقاليد حياة الترف الباردة، فيتحول إلى مقامر في المقاهي الشعبية ويموت بين أصدقائه الأشقياء، وتحاول ابنته “سلوى” دفنه بما يتفق مع تقاليد الأسرة العريقة.

لكن الشياطين أصدقاءه يسرقون الجثة باعتقاد أنه لم يمت، ويتعاملون وفق ذلك حتى نهاية الفيلم.. دور بسيط لا يفصح عن الإمكانات الفنية لماجد الكدواني، لكن لا بأس بهذا الاقتراب الحذر الذي ينذر بانحسار الأدوار في نوعية معينة.

كان يعي ذلك جيدا حتى مع استمرار تلك الأدوار الهزيلة لسنوات قبل الظهور الجيد في “حرامية في كي جي تو” و”الرجل الأبيض المتوسط” و”عسكر في المعسكر” و”حرامية في تايلاند” قبل عدم التوفيق الصادم في البطولة المطلقة الأولى في “جاي في السريع”، ما استدعى وقفة وإعادة نظر في المشوار الذي انفرطت منه عشر حبات كاملة دون تحقيق الذات فنيا بأدوار مقنعة ليس من المهم، من وجهة نظره، أن تكون أدوار بطولة.

كانت تجربة “جاي في السريع” حاسمة بالنسبة لماجد الكدواني في عدم السعي وراء هذا النوع من الأدوار وإن اقتضى الأمر رفضها، ليفسح المجال أمام أدوار أكثر رحابة من الناحية الإبداعية في بطولات مشتركة أو ثنائية، دون الخوف من التراجع للصف الثاني أو الثالث في بعض الأعمال، اعتصاما بمبدئه الذي أعلنه بقوله “أقدِّم السينما بإحساسي لأستمتع بها ولأمتع جمهوري، وكل ما عدا ذلك لا يدخل في حساباتي الفنية، وكل إنسان له قناعاته، وأنا قناعاتي أن العمل الجيد الذي أقدمه بمتعة وصدق يصل إلى المتلقي بنفس الإحساس”.

الكوميديا ليست شرطا

ماجد الكدواني
ماجد الكدواني 

من “خميس حامد” في “كباريه” إلى “العسلي” النبطشي في “الفرح” لن نقطع مع ماجد مسافة كبيرة، إلا أننا سنكتشفه بصورة أخرى أكثر حدة ووضوحا بعيدا عن الكوميديا من خلال أداء شخصية المدمن الذي يعاني معاملة مهينة من أخيه الأكبر في “كباريه”، ما يجعله يفكر في الانتقام.. انتقالاً إلى أداء مختلف وحرفي للغاية لشخصية “العسلي” الذي يعمل نبطشي أفراح لكن عقدة تشوه وجهه بسبب والده تسيطر عليه طوال الوقت وتجعله في حالة تحفز دائمة لإيذاء الآخرين.

مع “العسلي” تحديدا سنكتشف قدرات خاصة شديدة التميز في التقمص والتشخيص، ربما نُصاب معها بحالة من الحنق على ماجد الكدواني، الذي خبَّأ هذه الإمكانيات كل هذا الوقت ولم يكشف عنها، لكنه سيبتسم مجددا وربما باستهانة ليقول: “كله بأوانه”.

ورغم أن المواصفات الشكلية لا تؤهل ماجد الكدواني كثيرا لأداء دور ضابط الشرطة؛ فإن ذلك لم يقف حائلا دون تقديمه الدور في 4 أعمال هي: “عزبة آدم” ضابط شرطة فاسد يدير بعض الأعمال غير المشروعة من خلال خطرين، ويلفق القضايا ويتربح من كل وجه.

ونفس الدور بأداء مغاير في “تراب الماس” لنرى العقيد “وليد سلطان”، الذي يتاجر في المخدرات ويستخدم بلطجيا لتسيير أعماله غير المشروعة ولا يتورع عن ارتكاب جريمة قتل، وقبل ذلك قدم الكدواني دور المقدم سراج في الفيلم الكوميدي “لاتراجع لا استسلام” بأداء مناسب لطبيعة الشخصية.

وفي “678” يعيدنا ماجد للسؤال عن إبداعه الذي صار يتفجر على نحو لا يمكن توقعه بشكل يجعل من العسير على المتابع الواعي ملاحقته في تصرفات أدائه المتراوح بين العفوية والتعقيد بصورة تجعل الأمر يبدو متناغما حد الإبهار.

جوائز لا تجب ما قبلها

ماجد الكدواني
ماجد الكدواني في فيلم شيخ جاكسون

ومن الضابط “عصام” في “678” إلى المذيع “محسن السيسي” في “أسماء”.. يستمر الكدواني في مسيرته التي بدأت تعرف الجوائز مع أدوار تُعَرِّي سلبيات المجتمع وتفضح كثيرا من الزيف الذي يغرق حياتنا.

ورغم حصول الفيلمين على عدد من الجوائز، وحصول ماجد الكدواني على أكثر من جائزة، ما يعني وصوله إلى مكانة لا يجب معها أن يتراجع إلى أدوار صغيرة، فإنه يتمسك بمبدئه القائل بأن الأمور لا تقاس هكذا، فيقدم أحد أدواره الهامة في “ساعة ونصف” مساعد شرطة الترحيلات الطيب إلى حد السذاجة الذي يحاول إقناع المتهم الذي يُرَحِّله بالزواج من أخته المسكينة التي فاتها قطار الزواج.

وفي “ديكور” 2014، يعود ماجد الكدواني إلى التأمل بواقعية من خلال دور الزوج المحب “مصطفى”، الذي يحاول الوقوف إلى جانب زوجته في محنة المرض النفسي، ثم “هاني عبد الحي” الأب صاحب صالة الجيم الذي يعيش الحياة بالطول والعرض ويقسو على ابنه، لكنه يحبه بطريقة مختلفة تجعله يعيش منكسر القلب بعد قرار الابن بالرحيل في “شيخ جاكسون” 2017.

دور جديد بأداء لا يشبه أداءه في دور سابق، لنتأكد أنه لم يفلت لحظة الإبداع الحقيقية حين قبض عليها لتصير طيعة في يده يمددها بمهارة في أدواره المختلفة باقتدار يصل حد منافسة الذات لا الآخرين، حتى لو كان الدور عبارة عن حديث في محاضرة دون مبارحة المقعد كما في “هيبتا” الذي لاعبنا فيه “شكري مختار” لعبة الخلاص من أسر الفشل ومعاودة الدخول في صراع مع الحياة وعدم الرضوخ لتكرار الإخفاقات اعتصاما بالحب والرغبة في إسعاد من نحب.

ذروة إبداعية تتجاوز حدود الدهشة إلى التساؤل عما بقي في جعبة الساحر الذي صار الأهم بين فناني عصره برغم خطواته البطيئة على طريق الفن بما يشبه التكاسل لكن يبدو أنه لن يكف عن إبهارنا بطاقات فنية جديدة يكتشفها في نفسه تباعا فيصوغها في أعمال بديعة لنشاركه الدهشة والحذر قدر المستطاع أو نحو ذلك بما لا يخل بحساباته الخاصة، التي يلخصها بقوله: “سايبينها لله”.

اقرأ أيضًا

رغم أنف كورونا.. “وقفة رجالة”: زاوية أخرى للسعادة خاص| إنذار من داوود عبد السيد: منصة نتفليكس ستقضي على السينما التجارية شفرة مِكي.. كيف وصل إلى “الاختيار 2” سالماً؟

ماهر الشيال

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى