وجهات نظر

ماذا تسمع فيروز صباحا بينما تشرب القهوة؟

مصطفى علي

 

قالت لي زوجتي وهي تحاورني: هل تستمع فيروز لفيروز صباحًا وهي تأخذ قهوتها؟ قلتُ: يُجيبنا أحد مُلازميها في مطبخها -إن كانت تلك القديسة تقف في مطبخها- فحكت لي أنها شاهدت فيديو لابنها الملحن، زياد عاصي رحباني، يتحدث فيه عن دهشته من العالم الذي صوّره الرحابنة في أغاني فيروز، متسائلاً:

“ليش بتتكلم عن الجبال الشامخة؟ بتتكلم مثلي بعفوية، لكنها حين تصعد على المسرح تصيبها أعراض المجد”، مؤكدًا أن الوطن الذي تحدثت عنه فيروز ليس موجودًا على الأرض..

كأن “زياد” يتهم أبويه، فيروز وعاصي، باختلاق الأوهام أو ما يمكن تسميته نقديًّا بـ”الكذب الفني”.. وهو موضوعنا، وليس فيروز وقهوتها بالطبع..

يقول “زياد”، إن عاصي ومنصور، أباه وعمّه، لو عاشا أطول “لقدَّما نقدًا ذاتيًّا لأعمالهما” –أمرٌ صحي أن يُراجع الإنسان ذلك الماضي المرتمي وراءه كالقتيل- فهذا العالم الفيروزي المحلّق بين النجوم والأقمار الصناعية في حاجة ماسّة إلى النزول أرضًا، ولو قليلاً.

مرة ثانية، مقالتي ليست عن فيروز..

عن الكذب الفني.. الكذب الذي لا يصنع إلا جماله هو، لا جمالنا نحن، لا يصوّر مَن يعيش واقعنا المليء بالدماء والنزاع والفقر.. فهذا الذي غنّته فيروز كان أقرب إلى عمل تشكيلي من أعمال السماء، لا يمكنني، كمتلقٍّ، لمسُه إلا إذا كنتُ في غيبوبة عاطفية..

يقول علماء البلاغة إن “العاطفة الصادقة من أركان الأدب”.. ويرى الدكتور عبد الله الغذامي، الأكاديمي والناقد الأدبي السعودي، إن جماليات الشعر “قد مرّرت العديد من القُبح فيه، من أهمها النفاق والكذب”، ويعطي مثالاً لذلك “القُبح” الذي يصفه بـ”المحمود”، فيقول: “شاعر بقامة المتنبي مثلاً تجلّت روائعه في قصائد المدح التي دشنها في سيف الدولة الحمداني، وبالتالي جعل منه (بكذبه أو نفاقه) واحدًا من أشهر الزعماء المسلمين في التاريخ الإسلامي، في حين ظل شعر المتنبي واجهة مضيئة في تاريخ الأدب العربي”.

فهل كان سيف الدولة الحمداني زعيمًا تاريخيًّا للإسلام فعلاً؟!

لقد كان أميرًا على إمارة صغيرة في شمال سوريا.. لم يسمع بتأثيره أحد في التاريخ الإسلامي أو غير الإسلامي طبعًا.. صحيح أنه لم يكن قزمًا، لكنه لم يكن في صورة العملاق، التي رسمها له شاعره الفذ أبو الطيب المتنبي، ذاك الذي خلق بأشعاره المستأجَرة مجدًا مُختلَقًا لـ”سيف الدولة”.. مجدًا يبقى في المخيّلة ولا أساس له في حكايا التاريخ أو الواقع.. وتبقى منه فقط روائح كروائح صباغة الشعر..

نعود إلى الرحابنة.. فكلام الجيل الثاني منهم، متمثلاً في زياد، يذكرنا بتمرد شاعر فلسطين الكبير، محمود درويش، على بعض أشعاره، راغبًا في نقد نفسه وتنقيح منتجه الشعري، قائلاً في أواخر حياته إنه لو أتيحت له العودة إلى البداية لاكتفى بطباعة خمسة أو ستة كتب فقط عوضًا عن أكثر من 20 ديوانًا أنتجها ليست ذات أهمية فنية، فضلاً عن سخريته من أولئك الشعراء الذين ينحون باتجاه الطبيعة مستغرقين في وصف جماليات لا تحتاج إلى جهد توصيف شعري، فيقول: “إن القصيدة تحتاج إلى ما يشبه الخلل الماكر لكي نصدّق الشاعر حين يكذب ويكتب عن حيرة الروح بين سماء صافية وحديقة خضراء، فما حاجتنا إلى الشعر إذا قال الشاعر: إن السماء صافية وإن الحديقة خضراء؟!”

هذا بالضبط ما وقع فيه الرحابنة الأوائل، صانعو أسطورة فيروز، وما استوقف “زياد” في الخلل بتجربة أبويه، رغم إجلاله لها بالتأكيد، فقد رآهما غارقين في صناعة مجد غنائي على أطلال واقع فقير يُحتضَر.

ولو طوّفنا على بُستان الجماليات في الأغنية الرحبانية سنرى تصاوير للمكان تخطف العقول من فرط مبالغتها، لأنهم يحوّلون الحياة كلها بما تتضمنه من صراعات وعواطف مختلفة إلى ما يشبه الريف البِكر، أو الجنة العليا، لذا كلما أراد مستمع أن يهدئ أعصابه قليلاً ويصنع مزاجًا رائقًا لا يجد سوى أغاني فيروز ملجأ ومهربًا، حتى مع طرح الرحابنة لفكرة الغناء للمدينة –بيروت مثالاً- لم يقرنوها بحروبها الطائفية ولا بتصارع ساستها على قصعة الشعب اللبناني، لكنهم ربطوها بجماليات شكلانية للشتاء والمطر..

هذا خير مُصطنع وتغاضٍ عن الواقع القبيح والقبح الواقعي، اللذين يحملان جماليات كان يمكنها إنتاج شعر وغناء مختلفين عما صدّرته التجربة الفيروزية، وتحديدًا قبل مرحلة سيطرة زياد رحباني، الخارج من عنف وعنفوان السياسة وتجربة الحرب الأهلية اللبنانية والأفكار الشيوعية، وما يحس به تجاه الفقراء وآلام تكفير المواطنين بعضهم بعضًا.. وعلاقات الحب الغليظة و”الشوارعية” إن شئنا الدقة..

أغرقَنَا الرحابنة في “أَنْسَنة الكائنات”، فأنتجوا أغنيات تنضح بالعصافير التي تنقل المراسيل وترسمُ الخططَ للعشاق، وبالقمر الذي استهلكوه حتى وضعوه في مرتبة الجار، ومسحة الحزن التي تنتاب الأشياء والشؤون الصغيرة كالأبواب والنوافذ من لوعة الحب، وذلك القلب الذي اكتشفنا أن لهُ قلبًا يتعب..

حالة كرتونية خلقوها للعلاج النفسي ربما، لا تصلح إلا لأجواء البلكونات الشتائية وطقس فنجان القهوة الذي ينتشر كالعدوى، فنجان مصنوع بماء بارد وشعور ملتهب.. فنجان لا يمثل سوى كذبة في نظر الواقع، الذي يمثلنا ويظلمنا والذي نمثله ونظلمه..

الحالة الرحبانية تلك جعلت من فيروز نفسها مادة للكتابة الأدبية، المشبعة بنفس الشكل الهُلامي السابح في الجمال الكامل المتكامل، جمال لا يعتريه أي نقصان ليكتمل فعلاً..

غرق في فخّ فيروز –هي الأخرى- شعراء السباحة في الهواء، باعتبارها ظلاً عاليًا يستحق المديح المسكوب بلا توقف، فنرى الشاعر اللبناني شوقي بزيع يكتب عنها قصيدة بعنوان “صوتها ضمّة برقٍ فوق نيسان” -لا يمكننا بالتأكيد التحقق ولا مسك العبارة السابقة من أي طرف فيها ولا أن نجلس في أي ركن بها، لأنها تهرب كالعطر وتطاردك كالرائحة.. يقول شوقي بزيع عن صوت فيروز:

ليس صوتًا، بل نهارٌ مشمسٌ بين شتاءين

وأنصاف بحيرات وشلال خواتمْ.. 

ويصفها أيضًا بأنها: 

“ترفو ما تبقى من حرير الأندلس.. 

لتغني ينبغي أن نوقظ الموتى من النوم،

وأن نطلق سهمًا من عصافير على الشمس

وأن نُرفِق بالفجر تراتيل

وأعيادًا جديدة”..

مرة أخرى، نحن أمام صناعة “سيف دولة حمداني جديد” في بلاد الشام، مع فارق التسمية، فسيسمّونه هذه المرة “فيروز”، التي قال عنها “زياد” إن أعراض المجد تنتابها فجأة بلا سبب على المسرح، لكن السبب يمكن تصوره كما تتفرج على ملابس أكبر كثيرًا من مقاسات الجسد.. ستحصل بالتأكيد على ترهّل في الثوب الناتج.. حينها لن ينفعنا الثوب إلا في حفلات التنكر، أما الحياة اليومية فستكون لها أثواب أخرى تناسب أجسادها..

فلنعلّق الثوب الفيروزي الفضفاض إذًا على شمّاعة مخبأة في الدولاب.. لأنه يخاصم الحقيقة.. يطلِّق الواقع بالثلاثة..

ومع هذا.. ففي كثير من الأحيان، نضطر –ونحن هنا نحب اضطرارنا- إلى هذا الطقس الكاذب، ذلك الطقس الذي يرسم كالأطفال امرأة جميلة تقف في البلكونة وتنظر إلى الأشياء والحياة من علٍ..

ومحاولة مني للإجابة عن سؤال العنوان، استمعت إلى تسجيل آخر لـ”زياد” وهو يحكي عن أمّه:

“كانت توقف الصبح تطبخ لنا فطيرة سبانخ وتغني بنفسها (نحنا والقمر جيران)”.. في هذه اللحظة تحديدًا يمكنني أن أقبض على إحساس الرجل المجهول، الذي نحت عبارة الشعراء المفضّلة، “أصدق الشعر أكذبه”، حين يسألهم جمهورهم عن مغزى المبالغات في أشعارهم.. ومن حكاية “زياد” الأخيرة يلفت نظري “طعم السبانخ الشهي” ولا يغريني أبدًا صوت يقول: (إحنا والقمر جيران).

 

أ. مصطفى علي

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى