ماذا يحدث في سوق النفط الأمريكي والعالمي؟

20 أبريل الماضي، كان يومًا مشهودًا في تاريخ الأسواق العالمية، ولن يُنسى من ذاكرة الاقتصاد الحديث. بدأ صباح اليوم طبيعيًّا ومعتادًا. في المستهل انطلقت تداولات النفط الأمريكي تسليم شهر “مايو” بسعر 19 دولارًا للبرميل، وفجأة بدأ السقوط الحر!
بحلول الثامنة مساءً بتوقيت القاهرة وصل إلى 1 دولار، أي حدث هبوط بحوالي 90%، بعدها بأقل من ساعة هبط إلى المنطقة السالبة لأول مرة في التاريخ!

بحلول التاسعة والنصف، وصل إلى سالب 37 دولارًا، أي إن المنتجين / البائعين مضطرون لأن يدفعوا أموالًا إضافية (37 دولارًا) فوق البرميل لكي يستطيعوا تسليمه للعملاء / المشترين.
الموقف كان كالآتي:

1- المخازن اقتربت من الامتلاء.
2- الطلب/الاستهلاك ضعيف.
3- الإنتاج/العرض غزير.

بمثال أبسط قليلًا، تخيّل أن لديك سلعة في سوق لا يحتاجها. مثلًا: تخيل أنك تبيع لحوم الخنازير في المدينة المنورة، أو تبيع مكيفات هواء في سيبيريا.. من سيشتري منك؟! .. لا أحد.

الأمر نفسه نُطبقه على حالة النفط الأمريكي في الفترة الحالية، لا أحد يريد هذا النفط لأنه لا يوجد استهلاك، ولا يوجد مشترون، ولا يوجد طلب.
قد يقول قائل: فلنخزنه حتى يسترد الطلب عافيته ويعود الاستهلاك مرة أخرى للنمو، وهذا منطقي، لكن أين هي المخازن التي تكفي كل هذا المعروض/الإنتاج النفطي؟! لا يوجد.

ما معنى تسجيل أسعار النفط أرقامًا سلبية؟

يعني أن شركات النفط تدفع للعملاء كي يحصلوا على منتجاتها خشية تراكم مخزون الخام لديها خلال الشهر المقبل.

← رسم بياني لعقود مايو قبل وبعد الكارثة

ما هي جذور الأزمة؟

المخازن ممتلئة بسبب ضعف السحب منها لأن الاستهلاك ضعيف، والاستهلاك ضعيف بسبب الإغلاق الاقتصادي في الولايات المتحدة، والإغلاق يعني مصانع مغلقة واستهلاك وقود سيارات أقل، ووقف حركة الطيران، ما يعني احتياجًا أقل للبنزين والمشتقات النفطية. 

هل من المتوقّع أن يستمر الوضع؟

سيستمر في حالة واحدة: تمديد الإغلاق الاقتصادي حتى الشهر المقبل، وبالتالي تنهار عقود شهر يونيو أيضًا.

← رسم بياني لعقود يونيو 

إذا كان هناك عرض/إنتاج نفطي زائد، فلماذا لا يتوقف هذا الإنتاج حتى يتعافى الطلب/الاستهلاك؟

لأن إغلاق وفتح الآبار أمر ليس بسيطًا كما يتخيل البعض، كفتح صنبور المطبخ وغلقه، إذ يستغرق ضخ النفط ووقف الإنتاج وقتًا طويلًا، بالإضافة إلى أن عملية إعادة التشغيل مكلفة للغاية. أي إن خسائر إغلاق الآبار أكبر بكثير من خسائر بيع البرميل بسعره السالب الجاري حاليًّا في الأسواق ($37-).

كما أن شركات النفط الأمريكية غالبيتها العظمى شركات خاصة، لا تمتلك أي مساندة حكومية، أقصد أنه لا مساندة في الأوقات الطبيعية، وبالتالي فهي لا تريد التوقف، لأن هذا هو مصدر دخلها الوحيد.

إضافة إلى أن المساندة الحكومية غير مضمونة أن تكون كافية لتغطية خسائرها، وغير مضمون أن تأتي لتنقذهم في الوقت المناسب بسبب الإجراءات الدستورية والبيروقراطية البطيئة اللازمة قبل تنفيذ أي خطة تحفيز وإنقاذ حكومي.

هل من المحتمل أن تنتشر العدوى إلى باقي العقود؟

نعم، وهو ما حدث بالفعل، فعقود الخام الأمريكي لشهر يونيو هبطت يوم الثلاثاء 21 أبريل 40%، وخام برنت هبط 24%.

أبرز النفوط التي تراجعت بشكل فادح (النفوط المُنهارة): 

أبرز النفوط التي تراجعت بشكل طفيف (النفوط المتماسكة): 

ما هو الحل؟

الخطوة الوحيدة القادرة على وقف النزيف الذي يحدث: إلغاء الإغلاق، وإعادة فتح النشاط الاقتصادي مرة أخرى.
وبالفعل لدينا عددٌ من الأخبار التي تُبشر بحدوث انفراجة في هذا الاتجاه:

• في 22 أبريل الماضي، صرح الرئيس الأمريكي بأنه قد أبلغ بأن 20 ولاية تمثل 70% من حجم الاقتصاد الأمريكي.
• بعض وزراء أوبك يجتمعون لدراسة تنفيذ فوري لاتفاق خفض إنتاج النفط قبل موعده المقرر في الأول من مايو.
• “ترامب” و”جونسون” ناقشا تنسيق “رد مشترك” في مواجهة كورونا في إطار منظومة G7.

ما هو الأثر على مصر؟

مصر تخسر من وضع سوق النفط أكثر مما تكسب، للأسباب التالية:

1- صادراتنا النفطية تمثل 33% من إجمالي الصادرات.

بالتالي -على سبيل المثال- لو كنا نصدر كمية تبلغ 100 ألف برميل للسوق العالمي شهريًّا، بسعر 60 دولارًا للبرميل في يناير الماضي، فالآن سنضطر إلى أن نبيعها بربع ثمنها نظرًا لانهيار الأسعار العالمية، وبالتالي تنخفض حصيلة الصادرات إلى الربع أيضًا.

علمًا بأن مصر تصدر وتستورد مشتقات نفطية في الوقت ذاته، وتصدر المشتقات التي لا تحتاج إليها، وتستورد المشتقات الأخرى التي تنقصها.

2- انهيار النفط يعني ارتفاع العجز بموازنات الخليج، مما يعني انخفاض استثماراتهم حول العالم ومنها مصر.

3- انهيار النفط يعني تحقيق عجوز كبيرة بموازنات دول الخليج النفطية, ما يعني ازدياد احتمالات تسريح بعض العمالة المصرية لديهم, وبالتالي تنخفض التحويلات إلى مصر، خاصة أن التحويلات لها وزن نسبي كبير وسط باقي موارد النقد الأجنبي. 

هل مسألة التكلفة الباهظة للمخازن تسري فقط على مصر؟!

مسألة التكلفة الباهظة وانخفاض القدرات التخزينية للنفط، لا تنطبق على مصر فقط، بل على كل دول العالم.

كل مخازن العالم (بما فيها مخازن الدول المتقدمة الغنية) لا تكفي سوى 18.5 يومًا من الاستهلاك النفطي للدول، أو ما يساوي 1.2 مليار برميل في المخازن.

بناءً على هذه الأرقام، نفهم الآن العائق وراء عدم قدرة مصر وأي دولة أخرى على الاستفادة من أسعار النفط المنخفضة، لأن إنشاء البنية التحتية المتخصصة في تخزين النفط أمر بالغ التعقيد، ومرتفع التكلفة، ويحتاج لسنوات لإتمام بنائه. ومع ذلك، بدأت مصر عدة مشروعات في قطاعات التخزين والتكرير لتعزيز الإنتاج المحلي، وتحسين نسب الاكتفاء الذاتي من المنتجات البترولية المختلفة، وتلبية الطلب المحلي، سواء من البترول أو الغاز أو البوتاجاز.. إلخ. 

مخازن نفطية
الخلاصة

على الرغم من اتخاذ مصر عدة خطوات نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي بحلول 2022 من جميع المنتجات البترولية، بحسب خطة الدولة للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة (الكهرباء + الغاز الطبيعي + النفط)، مثل المشروعات التالية:

– مجمع التحرير للبتروكيماويات (الأكبر من نوعه بالشرق الأوسط).
– مشروع مسطرد لتكرير البترول بالقاهرة.

إلا أن خسائر مصر من اضطراب سوق النفط أكبر بكثير من مكاسبها المحتملة، لأن السيناريو سيكون كالتالي بين المكاسب والخسائر:

* التقارير والبيانات مُحدثة حتى يوم 23 أبريل – 11 صباحًا بتوقيت جرينتش.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد نجم

باحث اقتصادي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram