مارسيليا vs باريس سان جيرمان

قليل من الخبز.. كثير من الشغب

“كنا جميعًا على استعداد لخوض الحرب”.. ليس مسلحًا ولا يرتدي خوذة عسكرية، يصرح الكاميروني ستيفان مبيا لموقع “فووت ميركاتو” الفرنسي، عقب فوز فريقه مارسيليا على باريس سان جيرمان بثلاثية نظيفة، في قمة الكرة الفرنسية. حدث هذا في شهر فبراير- قبل أكثر من عشر سنوات.  

هل هي معركة طبقية تلتف حول كُرة؟ مرت 10 سنوات عجاف حتى انتصر فريق الجنوب الفرنسي (مارسيليا) على أثرياء العاصمة (باريس سان جيرمان) بهدفٍ دون رد سجله فلوران توفان، في مباراة الجولة الثانية من الدوري الفرنسي في 13 سبتمبر الحالي.

كأنها معركة. كأنها كذلك! الدقيقة الأخيرة من مباراة الفريقين المذكورين شهدت اشتباكات مؤسفة بين اللاعبين، أسفرت عن حصول لايفن كورزاوا ولياندرو باريديس ونيمار جونيور، نجوم باريس سان جيرمان، وجوردان أمافي وداريو بينيديتو لاعبي مارسيليا، على البطاقات الحمراء، أي 5 بطاقات حمراء في مباراة واحدة، إضافة إلى 10 بطاقات صفراء.

مهرجان من الشجار؛ تلته حزمة من العقوبات والقرارات الصارمة أصدرتها اللجنة التأديبية في الاتحاد الفرنسي لكرة القدم في الأيام الأخيرة، وبانتظار قرارات جديدة أشد قسوة خلال الفترة المقبلة. وحددت اللجنة يوم 30 سبتمبر الحالي موعدًا للتحقيق مع النجم البرازيلي نيمار دا سيلفا بشأن “توجيه عبارات عنصرية” في أثناء اللقاء.

مباراة مارسيليا وسان جرمان في الدوري الفرنسي
صراع خارج الملعب

90 دقيقة من الصراع الرياضي انتهت، لكن الحرب مستمرة خارج الملعب. البرازيلي نيمار دا سيلفا نجم باريس سان جيرمان اعترف بـ”تصرفه الأحمق” بالتعدي على ألفارو جونزاليز مدافع مارسيليا، مؤكدًا تقبله لأية عقوبات، ولكنه شدد في الوقت ذاته على تعرضه للعنصرية.

وكتب أغلى لاعب في العالم عبر حسابه الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”: “أسفي الوحيد عدم ضرب هذا الأحمق على وجهه.. لقد وصفني بالقرد وسبني بألفاظ نابية، وفي النهاية أنا من أعاقب!”

الفريق الباريسي بدأ على الفور في مساعدة نجمه البرازيلي، وقدم بطل فرنسا مقطع فيديو إلى رابطة الدوري مرفقًا بصور تصرف اللاعبين يظهر خلاله، وفقًا لخبراء الشفاه، أن نيمار كان ضحية إهانات عنصرية في المبارة التي أقيمت على ملعب بارك دي برانس، وهو ما دفع اللجنة التأديبية في الاتحاد الفرنسي لفتح تحقيق مع ألفارو في “اتهامات عنصرية” بحق نيمار.

مارسيليا يهاجم نيمار

مارسيليا بدوره لم يقف مكتوف الأيدي، ودافع عن مدافعه جونزاليز الذي نفى بعد المباراة فورًا أنه وجّه إهانات عنصرية لنيمار، ونشر رسالة على حسابه في “تويتر” كتب فيها: “لا مكان للعنصرية.. مسيرة نظيفة مع الكثير من الزملاء يوميًّا.. يجب تقبل الخسارة أحيانًا والإقرار بها في الملعب، ثلاث نقاط رائعة.. شكرًا للعائلة”.

وشدد مارسيليا في بيان: “ألفارو جونزاليز ليس عنصريًّا. لقد أظهر لنا هذا من خلال سلوكه اليومي منذ انضمامه إلى النادي، وشهد زملاؤه على هذا”.

نيمار

مارسيليا لم يكتفِ بالدفاع عن جونزاليز، بل أكد على امتلاكه لمقطع فيديو يدين نيمار ويكشف ادعاءته بأنه ضحية للعنصرية وهو يتوجه بنفسه بتصريحات مهينة إلى الياباني هيروكي ساكاي لاعب مارسيليا، خلال المباراة المثيرة للجدل التي جمعت الفريقين.

اللجنة التأديبية بالاتحاد الفرنسي لكرة القدم، أوقفت نيمار لمباراتين، وقد تزيد العقوبة وفقًا لنتيجة التحقيق معه نهاية الشهر الحالي، وكذلك أوقفت اللجنة لايفين كورزاوا مدافع سان جيرمان 6 مباريات، لدفعه جوردان أمافي ظهير مرسيليا الذي أُوقف بدوره 3 مباريات، بعد طردهما معًا قبل نهاية المباراة.

كما أوقفت اللجنة الأرجنتيني لياندرو باريديس لاعب وسط سان جيرمان مباراتين، لاشتباكه مع موطنه داريو بينيديتو الذي أُوقف مباراة واحدة بعد أن حصل على البطاقة الحمراء.

كما قررت اللجنة في 23 سبتمبر إيقاف الأرجنتيني أنخيل دي ماريا 4 مباريات بتهمة “البصق على جونزاليز”، وقد تتطور العقوبات حال الحصول على مستندات وأدلة جديدة في ما يتعلق بتوجيه عبارات عنصرية بين اللاعبين، في انتظار نتيجة التحقيقات.

مباراة باريس سان جيرمان ومارسيليا، مثلها مثل أي مباراة تساوي 3 نقاط فقط، ولكن الأحداث العنيفة التي واكبت تلك المبارة تؤكد أنها بمثابة “حرب”.. فلماذا تحوّلت إلى ذلك؟

سخرية جمهور مارسيليا من "دي ماريا"
كراهية متبادلة.. قديمة!

الأمر لا يتعلق بكرة القدم فقط، بل أصبح البساط الأخضر مسرحًا للصراع الثقافي بين شمال فرنسا الغني وجنوبها الفقير.

صراع فقراء الجنوب ونادي الشعب ممثَّلاً في “مارسيليا” الفريق الذي يأكل جمهوره قليلاً من الخبز، وينثرون كثيرًا من الألعاب النارية في المدرجات مع تشجيع حماسي جعلهم مُتهمين دائمًا بأنهم “فوضويون”، في مقابل أثرياء الشمال والعاصمة باريس ذات الجمهور الراقي والمُهذب.

يرفض جمهور “مارسيليا” الذي تأسس في العام 1899 أن يتبدد تاريخ ناديهم العريق أمام “سان جيرمان” الذي تأسس في العام 1970، ويرون أنهم الأحق والأجدر لرفع راية الكرة الفرنسية. لكن بالنسبة إلى الباريسيين، فالمهم هو أن يبقى اسم العاصمة الأقوى والأبرز.

كان التنافس الكروي في فرنسا على مدار القرن العشرين منحصرًا بين الثلاثي “مارسيليا” و”بوردو” و”سانت إتيان”. وتمكن فريق العاصمة (حديث العهد) من استقطاب الأموال والتسويق وجذب اهتمام السياسيين في تسعينات القرن الماضي.

التسعينات كانت الفترة التي حضرت فيها جماهير مارسيليا بملعب “بارك دي فرانس” في وسط العاصمة. الجماهير كانت حاضرة دومًا في الملعب لأنها تحب الفريق وتدعمه ماليًّا ومعنويًّا، إلا أن “باريس سان جيرمان” الفريق الصاعد استولى على “بارك دي فرانس”  واتخذه معقلاً.

عقدة دوري الأبطال
مارسيليا يحصل على دوري الأبطال عام 1993

الأمر لا يتعلق بكرة القدم فقط، بل أصبح البساط الأخضر مسرحًا للصراع الثقافي بين شمال فرنسا الغني وجنوبها الفقير.

صراع فقراء الجنوب ونادي الشعب ممثَّلاً في “مارسيليا” الفريق الذي يأكل جمهوره قليلاً من الخبز، وينثرون كثيرًا من الألعاب النارية في المدرجات مع تشجيع حماسي جعلهم مُتهمين دائمًا بأنهم “فوضويون”، في مقابل أثرياء الشمال والعاصمة باريس ذات الجمهور الراقي والمُهذب.

يرفض جمهور “مارسيليا” الذي تأسس في العام 1899 أن يتبدد تاريخ ناديهم العريق أمام “سان جيرمان” الذي تأسس في العام 1970، ويرون أنهم الأحق والأجدر لرفع راية الكرة الفرنسية. لكن بالنسبة إلى الباريسيين، فالمهم هو أن يبقى اسم العاصمة الأقوى والأبرز.

كان التنافس الكروي في فرنسا على مدار القرن العشرين منحصرًا بين الثلاثي “مارسيليا” و”بوردو” و”سانت إتيان”. وتمكن فريق العاصمة (حديث العهد) من استقطاب الأموال والتسويق وجذب اهتمام السياسيين في تسعينات القرن الماضي.

التسعينات كانت الفترة التي حضرت فيها جماهير مارسيليا بملعب “بارك دي فرانس” في وسط العاصمة. الجماهير كانت حاضرة دومًا في الملعب لأنها تحب الفريق وتدعمه ماليًّا ومعنويًّا، إلا أن “باريس سان جيرمان” الفريق الصاعد استولى على “بارك دي فرانس”  واتخذه معقلاً.

شوارع على صفيح ساخن

سيطرة باريس سان جيرمان على الألقاب الفرنسية، وهيمنته على سوق اللاعبين المحلية وصفقاتها الضخمة، لم تشغل بال عشاق مارسيليا في ظل فشل “باريس” على المستوى القارّي، بخروجه المتتالي من دوري أبطال أوروبا.

لكن في الموسم الحالي، وحين اقترب الخطر ووصل باريس سان جيرمان إلى نهائي دوري أبطال أوروبا في 23 أغسطس 2020، مدججًا بنجومه كيليان مبابي ونيمار جونيور، في مواجهة بايرن ميونيخ الألماني، ووضعت إدارة ناصر الخليفي مليون يورو مكافأة لكل لاعب حال تحقيق اللقب، أشعل هذا توترًا عاليًا في أوساط جماهير ولاعبي مارسيليا، خوفًا على رقم النادي الصعب الذي استمر 27 عامًا.

بالتزامن مع اللقاء، حظرت الجهات الحكومية في مدينة مارسيليا ارتداء قميص باريس سان جيرمان خلال متابعة نهائي الأبطال. ونشر مجلس مدينة مارسيليا مرسومًا يحظر من خلاله إظهار اللافتات الخاصة بباريس سان جيرمان، أو قميص النادى الباريسي، أو أي أوشحة خاصة بالفريق يوم النهائي.

لكن العاصمة الفرنسية عاشت ليلة عصيبة، بعدما سقط باريس سان جيرمان أمام بايرن ميونخ بنهائي دوري أبطال أوروبا بقدم كينجسلي كومان (لاعب باريس السابق) ليبقى مارسيليا النادي الفرنسي الوحيد الذي تمكن من تحقيق بطولة أوروبية.

انتشرت أعمال الشغب في شوارع العاصمة الفرنسية، وكسرت الجماهير الغاضبة واجهات المحلات، وأشعلت النيران في السيارات، وأحرق المشجعون الغاضبون صناديق القمامة، وألقوا ألعابًا نارية في محيط الإليزيه، رغم التحذيرات من التجمع بسبب فيروس كورونا المستجد.

بقايا أعمال الشغب

في المقابل خرجت جماهير مارسيليا للاحتفال بخسارة باريس سان جيرمان، كأن فريقها هو الذي تُوِّج بلقب دوري أبطال أوروبا. وامتلأت عاصمة الجنوب الفرنسية بأعداد غفيرة من جمهور الفريق.

جمهور مارسيليا أخرج ما بداخله من كراهية لنادي العاصمة، ورفع لافتات كتب عليها: “1.8 مليار يورو من أجل الحصول على أذني دي ماريا الكبيرتين” في إشارة إلى ما أنفقته الإدارة القطرية المالكة للنادي من مبالغ طائلة، وفي النهاية لم تحصل على دوري أبطال أوروبا المعروف باسم “الكأس ذات الأذنين” واكتفت بالأرجنتيني أنخيل دي ماريا لاعب الفريق “صاحب الأذنين الكبيرتين” كما وصفته جماهير مارسيليا.

وبعد أيام من خسارة باريس سان جيرمان أمام بايرن ميونيخ، عاد مارسيليا ليذيقيه الخسارة بنفسه في بطولة الدوري، وتحقيق انتصار غائب منذ سنوات، لتعود جماهير مارسيليا للانتقام مرة أخرى. وهذه المرة كان الضحية النجم البرازيلي نيمار دا سيلفا، إذ وضع أحد المتاجر في مدينة الجنوب القميص رقم (10) الخاص بنيمار في مدخل المتجر، ليمسح الزبائن أحذيتهم عليه عند الدخول.

فوارق فلكية!

الأرقام الفلكية التي دفعها باريس سان جيرمان جعلت فريق مارسيليا يستحق لقب “نادي الفقراء” حقًّا. فالإدارة القطرية، وفقًا لموقع “ترانسفير ماركت” المختص بسوق الانتقالات، أنفقت 107.1 مليون يورو في موسم 2011/2012 لضم عدد من النجوم، أبرزهم الإيطالي خافيير باستوري مقابل 42 مليون يورو، قادمًا من باليرمو الإيطالي.

انتقالات باريس في 2017

وفي الموسم التالي 2012/2013 أنفقت إدارة باريس سان جيرمان 151 مليون يورو، وكانت صفقة السويدي زلاتان إبراهيموفيتش الأبرز مقابل 21 مليون يورو، قادمًا من ميلان الإيطالي.

وفي موسم 2013/2014 أنفق باريس سان جيرمان 135.90 مليون يورو لضم لاعبين جدد و49.50 في الموسم التالي ونحو 116.10 مليون يورو في موسم 2015/2016 و134.50 مليون يورو في موسم 2016/2017.

ما أنفقته إدارة باريس سان جيرمان خلال المواسم السبعة الأولى كان في كفة، وما أنفقته في موسمي 2017/2018 و2018/2019 في كفة أخرى، فقد دفعت الإدارة القطرية 222 مليون يورو فقط في صفقة انتقال نيمار دا سيلفا قادمًا من برشلونة الإسباني، في أكبر صفقة انتقال في تاريخ كرة القدم. وفي الموسم التالي دفعت 145 مليون يورو لإكمال صفقة كليان مبابي، وتفعيل بند شرائه قادمًا من موناكو، لتبلغ قيمة الصرف خلال الموسمين نحو 465 مليون يورو، إضافة إلى 152 مليون يورو في آخر موسمين.

إجمالي هذه الأرقام يؤكد أن الإدارة القطرية لنادي باريس سان جيرمان أنفقت 1.311.1 مليار يورو منذ توليها الإدارة في عام 2011، مقابل الانتقالات فقط، بعيدًا عن رواتب اللاعبين.

في المقابل، فإن إجمالي ما أنفقته إدارات مارسيليا منذ عام 2011، وصل إلى 309.35 مليون يورو فقط كإجمالي قيمة انتقالات في الفترة من موسم 2011/2012 حتى الموسم الحالي 2020/2021. وكان الموسم قبل الماضي 2018/2019 الأكثر إنفاقا بقيمة 66 مليون يورو.

انتقالات مارسيليا في 2018- 2019

توضح الأرقام الفوارق المادية الرهيبة بين مارسيليا وباريس سان جيرمان، ولكن جمهور كرة القدم لا يعترف بهذه الحسابات، وستمضي حرب فقراء الجنوب وأثرياء العاصمة داخل المستطيل الأخضر قائمة حتى إشعار آخر.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمود حمدي

كاتب مصري متخصص في الرياضة

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram