ماركو فان باستن..

مجد يحترق كفراشة

يُحكى أنه في قديم الزمان، في أرض الحكايات الهولندية، عاشت حورية بحر شديدة الخُيلاء بحسنها في بحيرة مُنع كل من هو “غير مؤدب” من مخلوقات البحر وذوي الأجنحة من الاقتراب إليها.. إلا أنه، وعلى غير المتوقع، انتشر خبر أن جماعة من رجال البشر البغيضين عازمون على تجفيف مياه البحيرة لبناء مزرعة.

لم تصدق الحورية الجميلة الخبر لكنها شعرت بقليل من الخطر عندما قلّ منسوب المياه عن المعتاد، وخلال أيام معدودة دون أن تشعر قلّ منسوب المياه حتى كادت البحيرة أن تجف تمامًا.. لم يكن أمام الحورية الأجمل إلا محاولة السباحة نحو البحر إلا أن شعرها الجميل اشتبك بالسور الذي بناه البشر وكلما حاولت أن تخلّص خصلات شعرها من السور تشابك أكثر.

لم يمض وقت طويل حتى صار شعر الحورية الطويل ملتفًّا حول أعمدة السور الخشبي.. ثم أوشكت على الموت خوفًا حين رأت أربعة رجال يهرعون للإمساك بها، كان فزعها من فضيحة أن يأسرها بشر من الشدة لدرجة أنها أغمي عليها.

وحين أفاقت وجدت نفسها في حوض كبير مستطيل.. كان حشد من الصبيان والبنات الصغار الفضوليين يحدقون فيها مستمتعين مقابل ما دفعوه ثمنًا لذلك.. ومرة أخرى أمام كل هذه الأعين جرحت الحورية في صميم كبريائها حتى إنها تأوهت مرة واحدة وماتت في الحوض.

لا يذكر السيد ماركو متى كانت أول مرة استمع إلى تلك الحكاية الشعبية التي يعرفها الهولنديون جيدًا، لكنه لم يستطيع أن يفكر في شيء آخر خلال تلك الدقائق التي يقعد خلالها في حجرة سيئة التهوية ملحقة بقاعة ضخمة يفترض أن تستقبله خلال دقائق لتكريمه.

فان باستن

ربما هو الوحيد الذي عرف شعور تلك الحورية التي يتحدثون عنها منذ آلاف السنين، كيف أن تكون شديد الخيلاء بنفسك لحد أنك لا تتخيل أن النهاية قريبة حتى لو حذرك البعض.. كيف أن تتحول إلى مجرد قصة تتعلق بالشفقة والتندر بغدر الزمان.

لم يشعر ماركو بهذا الرجل الواقف أمامه منذ دقائق إلا بعد أن صاح به أنه لم يتبق سوى دقيقة واحدة على موعد ظهوره على المسرح الخشبي الذي يتوسط القاعة، لتكريمه كواحد من أفضل لاعبي هولندا على مر التاريخ. 

دخل ماركو إلى القاعة وسط تصفيق حار لكنه شعر في قرارة نفسه أنه داخل حوض كبير مستطيل، كان الجميع ينظر إليه في إعجاب لكنه شعر بأنهم أطفال يحدقون فيه مستمتعين بما دفعوه ثمنًا لذلك.. نظر إلى كل هؤلاء وخاف أن ينطق بكلمة فيتأوه ثم يموت في الحال.

تقدم ماركو فان باستن، أفضل مهاجم أنجبته هولندا في تاريخها، بخطوات بطيئة ليتسلم جائزة معتادة، ثم عاد سريعًا إلى الجلوس وسط الجمهور، حتى دون أن يوجه كلمة شكر لأحد، فقط كان يريد الخروج من هذا الحوض الزجاجي بأقصى سرعة يستطيعها.

لم يكن “فان باستن” يمقت المعجبين قبل ذلك.. فقد عاند بطل طفولته لكي يبقي دومًا محط أنظار الجماهير.

الأسطورة الهولندية يوهان كرويف
صنيعة كرويف ومأساته

ولد فان باستن ونشأ في أوتريخت، حيث بدأ مسيرته الكروية مع فريق “يو في في” المحلي، وبعد أن أتم عامه السابع عشر كان قد جذب انتباه عملاق هولندا الأهم، أياكس أمستردام.

لم يكن “فان باستن” رأس حربة جيدًا فحسب، بل كان الرجل الأكثر تكاملاً الذي  شغل هذا المركز على الإطلاق كما يعتقد الكثيرون.. كان رشيقًا بشكل مذهل.. فلا عجب أنه كان يسعى أن يصير لاعب جمباز في البداية، وقد ساعده لعبه الجمباز صغيرًا في اكتساب خفة حركة وتوازن مميز.

كان ماركو مثل بقية جيله ينظرون إلى يوهان كرويف كونه شمس كرة القدم التي سطعت على حقول هولندا أخيرًا، لكن ماركو وحده هو من اقترب من تلك الشمس مثلما لم يفعل أحد، فلقي مصير “إيكاروس”، الذي اقترب من الشمس واحترق في الأساطير اليونانية، وربما بمصير أكثر قسوة.

كانت أول مباراة لفان باستن رفقة “أياكس” عندما حل بديلاً للأسطورة كرويف ليحرز هدفًا، في إشارة لوجود جيل جديد يقوده ماركو، وهو ما حدث لاحقًا: 152 هدفًا خلال 172 مباراة برفقة “أياكس” في معدل تهديفي يدعو للدهشة.

بعد 3 أعوام من هذا المشهد صار “كرويف” مُدربًا لفان باستن في “أياكس”. كانت العلاقة بين الثنائي مميزة.. كان كرويف يهتم بفان باستن بنحو خاص في أثناء التدريبات.. لقد رأى الموهبة بداخله لكنه أراد أن يكون ذا تأثير أكبر على المباراة، ليس فقط في تسجيل الأهداف ولكن بالتحكم في لعب الفريق.

“هذا ما فعله في مسيرته، وكان يريد ذلك من أجلي.. لكنني كنت لا أزال صغيرًا.. أردت أن أسجل الأهداف وأن أصير نجمًا.. عندما وضعني في المركز العاشر وجون بوسمان كمهاجم، كان بوسمان يسجل الكثير من الأهداف ولم يعجبني ذلك.. لم أستطع قبول ذلك”.. فان باستن.

ربما أراد كرويف نسخة جديدة منه لكن فان باستن كان يريد نسخته الخاصة في المقابل.. كل ذلك لا يهم، فكما نعرف جميعًا نسخة فان باستن لم تكتمل أصلاً.

فان باستن في منتخب هولندا
كيف بدأ الأمر؟

حدث ذلك للمرة الأولى عام 1986 في مباراة ضد فريق “جرونينجن”.. جاء شقيق فان باستن الأكبر من كندا وحضر المباراة من المدرجات، ربما هذا هو ما جعل ماركو يبذل مجهودًا مضاعفًا لإثارة إعجاب أخيه، لكنه دون أي مقدمات شعر بألم يجتاح كاحله.

كان الحدث الأغرب هو أن الطبيب أخبره بأنها ليست مشكلة كبيرة وأنه سيكون قادرًا على مواصلة اللعب رغم الإصابة.. واصل ماركو اللعب لكن الألم لم يتوقف.

لقد أصيب بتمزق في أربطة كاحله، وأخبره الطبيب بأن الأمر بسيط واستمراره في اللعب لن يزيده سوءًا، لم يكن التشخيص الطبي فقط هو الخاطئ بل إن كرويف نفسه شجّع فان باستن على اللعب وتحمل الآلام من أجل “مسيرة أياكس”. 

ازداد الألم، فجرى التوصل إلى حل وسط، وكان بإمكان ماركو الراحة في معظم المباريات ولكن كان عليه لعب بعض المباريات المهمة للنادي. 

قاد فان باستن “أياكس” للفوز في نهائي كأس الكؤوس الأوروبية بعد أن سجل الهدف الوحيد في المباراة وخرج كبطل نحو إيطاليا. 

كان انتقال فان باستن إلى الـ”ميلان” منطقيًّا للغاية، فماركو كان الأعظم، و”ميلان” والكالتشيو كانا جنة كرة القدم آنذاك.

فان باستن في ميلان

وأُطلق على الكثير من هذه الفتيات لقب “فاشونيستا”، وهى المرأة التي تعرض باستمرار ذوقها الفنّي في اختيار الملابس والـ”ميك أب” وغير ذلك، بالإضافة إلى لقب “موديل”، وهى المرأة التي تستخدمها الشركات في عرض أزيائها ومنتجاتها. 

فعرض الجسد هنا شيء رئيس لمثاليّته واحتوائه على مواصفاتٍ ومؤهلاتٍ تُرضى مخيال الجمهور وتصوّره عن الجسد، ليصير ذلك شيئًا أساسيًّا لنجاح الفتاة في الشهرة والعمل مع الشركات. 

صارت تلك الأجساد المثالية في نظر البعض أجسادًا استهلاكية، فالجمهور الذي يقيّمها ويتابعها ويعطي لها الشهرة، ويوفّر لها الارتقاء اقتصاديًّا، من حقّه أن يمتلكها. 

فتاة الـ”تيك توك” الشهيرة مودة الأدهم مثلاً تعرضت لاعتداء بعض الفتيان الذين زاروها في بيتها في وقتٍ متأخر لطلب التصوير معها، وعندما رفضت اعتدوا عليها بالسبِّ، ربما رأى هؤلاء أن مودّة هي الجسد فقط الذي يتطلّعون إلى أن يلمسوه أو يلتقطوا صورًا بجانبه غاضّين البصر عن أنّها إنسانة لها خصوصيتها ومن حقها رفض أو قبول عرض التقاط الصور معها. 

انهيار كل شيء حول البطل

كان فان باستن محظوظًا لأن “رود خوليت” جاء معه إلى “ميلان”، حيث قضى موسمًا أول رائعًا.. قدم “خوليت” موسمًا مميزًا برفقة الميلان و”ساكي”، ما أنسى الجميع أمر “باستن” الذي قضى معظم الموسم مصابًا.

في نهاية ذلك الموسم استطاع فان باستن أن يحقق لهولندا لقبها الوحيد، وهو بطولة أوروبا عام 1988 بعد أن قدم أداءً تصاعديًّا خلال البطولة انتهى بلقطة الذروة وهي لقطة هدفه في النهائي ضد الاتحاد السوفييتي في مرمى “ياشين”.. صار فان باستن بطلاً قوميًّا، فاز بالكرة الذهبية في ذلك العام على الرغم من أنه بالكاد ركل الكرة في إيطاليا.. 

وفي إيطاليا كان الجميع في انتظاره لكي يفعل ما انتُدِب لكي يفعله.

وقد كان.. استطاع فان باستن برفقة خوليت وريكارد أن يسطروا في التاريخ ما يسمى بـ”حقبة ميلان العظيم” بالفوز بكل البطولات المتاحة على مدار 5 سنوات.. كان “ساكي” يلعب كرة قدم مثل الموسيقى، وكان الثلاثي الهولندي هم الأهم في جوقة الرجل.

كان فان باستن يتوهج مثل نجم يحسب أنه لن يهوي أبدًا، ثم فجأة انتهى كل شيء. قيل له إن العملية التي أجريت في ديسمبر/ كانون الأول 1992 ستبعده عن المباريات لمدة 4 أسابيع فقط، وهو ما لم يحدث طبعًا.. كان الألم أكثر حدة بعد ذلك وكان مستمرًا دون توقف.. أمضى ماركو يوم زفافه على عكازين وصارت مسألة علاجه أبعد ما يكون عن المنطق.

كنت أزحف من السرير إلى الحمام.. كان الألم في كاحلي شديدًا لدرجة أنه لتحويل انتباهي كنت أحسب الثواني التي استغرقها لتغطية المسافة القصيرة المؤلمة.. لم أصل إلى المرحاض أبدًا قبل أن أصل إلى رقم 120. عتبات الأبواب كانت الجزء الأكثر تحديًا، لأن كاحلي يجب أن يمر فوقها دون أن ألمسها.. حتى أدنى لمسة تجعلني أقضم شفتي لمنع الصراخ”.. فان باستن.

جرب ماركو كل شيء، علاج بالتنويم المغناطيسي، الوخز بالإبر، وحساء عشبي في كيس متصل بكاحله، أما الأكثر بشاعة فكان جهاز “إليزاروف” الذي يُستخدم لإعادة تشكيل العظام في حالة الكسور الشديدة.

كان الكاحل الذي دَاوم على ربطه بالشريط اللاصق منذ أن كان في الثانية والعشرين من عمره يعاني نوعًا من الضرر الذي يُلاحظ عادةً في شخص يقترب من الثمانين.. انتهي كل شيء فجأة وقرر ماركو أن يودع الجميع.

فان باستن بعكازين
كأنها الجِنازة

لقد شعرت حقًا كأنها جنازة.. ليس بالنسبة إليّ كشخص ولكن بالنسبة إليّ كلاعب كرة قدم. شعرت وشعر زملائي بذلك.. شعر به المشجعون في الملعب حتى أولئك الذين يشاهدون التليفزيون في المنزل.. كانت لحظة خاصة وفريدة من نوعها في جميع أنحاء العالم، على ما أعتقد لحظة تاريخية.. لحظة وفاتي كلاعب كرة قدم.. فان باستن.

أغسطس/ آب 1995 خرج ماركو فان باستن، البالغ 30 عامًا، ليودع الجميع من خلال مباراة ودية، كانت آخر مباراة لعبها منذ عامين ونصف العام تقريبًا، فكان الوداع مليئًا بالحزن والشجن حتى إن فابيو كابيللو، الذي لا يرمش، بكى بحُرقة.

لم يشعر ماركو بنفسه والجميع ينفض من حوله داخل القاعة شيئًا فشيئًا.. لم يرد أحد أن يقاطع أفكاره، خاصة وهو الذي لم يوجه كلمة شكر لأحد على الإطلاق.. كان ماركو يتخيل نفسه لن يغيب عن الملاعب أكثر من 6 أسابيع كما يفعل معظم اللاعبين بعد التعرض لإصابة في الكاحل.. ماذا لو كان لعب لسن السادسة والثلاثين مثل كرويف؟ ربما لشارك في يورو 2000 وتُوّج بها.

خرج أخيرًا ماركو من القاعة سيرًا على القدمين، وما إن عبر شارعًا وآخر حتى التف حوله الجميع وصاح أحدهم “ماركو الذي جعل هولندا تفخر مثلما لم يفعل أحد”.. شعر ماركو فان باستن حينئذ بأن سنوات عمره مع الكرة، وإن قلّت، لم تذهب سُدى، لكنه شعر أيضًا بوخز خفيف في كاحله.

كم من الوقت استغرقته لتجاوز أنك تركت الكرة؟

= كان ذلك عندما كانت سني 48 عامًا، قبلتُ حينها أن الأمر انتهى.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمود عصام

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram