ماكرون وبيروت

العودة الدائمة للفرنسيين

حينما أطلّ الرئيس الفرنسي “ماكرون” من طائرته على بيروت، مثَّلت إطلالته أملًا كبيرًا لدى قطاع لا بأس به من اللبنانيين، ظهر هذا بوضوح في التظاهرات المؤيدة لـ”الديك الفرنسي” وهو يسير في شوارع “بيروت”، التي لم تكن بعدُ قد أفاقت من صدمتها بفعل انفجار المرفأ، وهي تناديه بأن ينقذ لبنان المأزوم من قادة فصائل الحرب القدامى، القادة الذين كانوا يمتلكون بالأمس السلاح، واليوم يمتلكون السلاح والسلطة والإدارة والأموال، فيما يحوز بقية طوائف الشعب اللبناني الفقر والمعاناة.

فرنسا في مخيلة بعض اللبنانيين هي “الأم الحنون”، وهي صاحبة الفضل في تأسيس الدولة اللبنانية، ولها تاريخ طويل في حماية قطاع من اللبنانيين من “الشرور”؛ بما في ذلك “شرور الإخوة الأقرباء في الدم”. وفي المقابل، لطالما اعتبرت فرنسا لبنان ابنتها التائهة في الشرق الأوسط التعيس.

جاء “ماكرون” إلى بيروت، وذكّر بزيارته هذه اللبنانيين بعهد الحماية والانتداب وأموال الدعم والجنرال “غورو” واللغة الثانية المشتركة والهوية الفرانكفونية، ولأن زيارته تزامنت مع لحظة انفجار واقعية كانت تجسيدًا لفساد إداري، وأزمات اقتصادية، وتردٍّ في الوضع السياسي، وزيادةٍ في التوتر والاستقطاب الطائفي والصراعات على تفاصيل الحياة اليومية من البنزين والغاز والكهرباء، والاحتقان والدم. لكل ذلك ظهرت العريضة المُطالِبة بـ”عودة الانتداب”.

بالطبع لا تعبّر وثيقة عودة الانتداب هذه التي جمعت توقيعاتها على موقع “آفاز” عن كل اللبنانيين، الذين خاض أجدادهم مواجهات مع المحتل الفرنسي أثناء الانتداب، لكنها تعبّر في المقابل عن عدم ثقة اللبنانيين في حكامهم، وعن افتقار زعماء الطوائف لأي ثقة حتى من أبناء طوائفهم، وكفر الشعب بالجميع، أو كما يقول اللبنانيون: “كلن يعني كلن”.

أخيرًا، فإن مثل “أنا وأخويا على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب” وإن كان يصدق في أغلب الحالات على الأرجح، لكنه لا يصلح في الحالة اللبنانية التي يجد البعض فيها الملاذ في الغريب “ماكرون”!

علاقة قديمة ومتجددة

تعود العلاقات القوية الفرنسية مع لبنان ليس إلى القرن التاسع عشر كما يعتقد البعض، وإنما جذور هذه العلاقة ترجع لأبعد من ذلك، وتحديدًا إلى فترة الحروب الصليبية، حينما احتل الإفرنج الساحل الشامي ومناطقه الجبلية، ووثّقوا علاقاتهم بها، وغالبًا ما تُقدَّم -كما يقول الأب “يواكيم مبارك”- المرحلة الصليبية على أنها مرحلة تَشَيَّع فيها الموارنة للغرب اللاتيني والإفرنجي.[1]

فرنسوا الأول- ملك فرنسا

وفي القرن السادس عشر حينما حظيت فرنسا بامتيازات واسعة في بعض الأراضي العثمانية، ضمن سياق معاهدة بين السلطان العثماني “سليمان القانوني” و”فرنسوا الأول” عام 1535، اعتبر هذا التحالف هو أكبر تحالف مصلحي ونفعي في الدبلوماسية الدولية وقتها، حيث جمع هذا التحالف بين إمبراطورية إسلامية كبيرة كانت تدق أبواب أوروبا بالحروب، ودولة مسيحية أوروبية، لذا فقد وُصف هذا التحالف في أوروبا بـ(التحالف الأثيم)، كما اعتُبر بمثابة “فضيحة مؤلمة” في القارة الأوروبية، واتحاد دَنِس بين الفرنسيين والمسلمين”.[2]

فرنسا كانت مضطرة لإقامة هذا التحالف نتيجة لدخول الفرنسيين في معركة مع آل هابسبورج الذين حكموا ألمانيا وإسبانيا، وهزيمتهم بل وأسر ملكهم في معركة شهيرة تسمى معركة “بافيا” في عام 1525،[3] لذا لم تجد فرنسا حليفًا أقوى من الإمبراطورية العثمانية حينها، خاصة وأن الأخيرة كانت في صراع مرير مع إسبانيا للسيطرة على دول شمال إفريقيا.

وجُدّدت الاتفاقيات بين الدولة العثمانية وفرنسا مرات عدة، وخاصةً في عهدَيْ “هنري الرابع” و”لويس الرابع عشر”، حيث نصّت على توسيع البنود المتعلقة بالأشخاص والملكيات الفرنسية لتشمل مسيحييِّ الشرق.[4]

الامتيازات التي أُعطيت لفرنسا من قِبَل الدولة العثمانية لم تقتصر على تبادل المنافع الاقتصاديّة والعسكرية فحسب، وإنما أوجدت لفرنسا موطئ قدم في ولايات الدولة العثمانية، ومن بينها المنطقة العربية، وإعطاءها حقوق حماية الأقليات المسيحية، وبالتحديد حماية المسيحيين في إمارة جبل لبنان، وضَمِنَ هذا الأمر لفرنسا تواجدًا اقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا جيدًا في المنطقة العربية لفترة طويلة، حيث أقامت فرنسا بعدها في المنطقة بعثات للحملات التبشيرية، والمستشفيات، والمدارس الفرنسية، خصوصًا في القرن التاسع عشر، والتي اعتُبرت مهمة لنشر الثقافة الفرانكفونية في لبنان.

الوجود العثماني في لبنان

كانت خطوط التجارة مفتوحة بين فرنسا من جهة وبين جبل لبنان وإنتاجه من المنتجات الزراعية وخيوط الحرير من جهة أخرى، وكانت مدينة “ليون” الفرنسية مركزًا أساسيًّا لشراء الحرير، لذا تقاطرت الأموال لدعم تلك الصناعة، بالإضافة إلى دعم شبكة البعثات الدينية، والمدارس الفرنسية، لخلق نخبة تجارية ذات تعليم فرنسي، وأدت الأوضاع الاقتصادية الجديدة المرتبطة بفرنسا لتعميق أزمة مجتمع الجبل، وتحريك التوتر الطائفي الكامن، ذلك أن أغلب التجار الكبار المرتبطين بشكل وثيق بالتجارة الأوروبية هم من المسيحيين، في حين كان أغلب المسلمين غير مرتبطين بفرنسا، ولديهم روح قومية ودينية معادية للغرب ولفرنسا.[5]

استغلّت فرنسا، ومعها بعض الدول الأوروبية، في بداية سبعينيات القرن التاسع عشر، الاضطرابات التي نتجت عن الاقتتال بين الدروز من جهة والمارونيين من جهة أخرى كي تتدخل لفرض حماية أكبر على مسيحيي لبنان، واتهمت فرنسا الدولة العثمانية بالوقوف بجوار “الدروز” إما بدعم مباشر، أو بنزع سلاح القوات المسيحية، وتحججت فرنسا بدورها التاريخي في حماية المسيحيين الذي اكتسبته من معاهدة 1535 التي أبرمتها مع العثمانيين لتفرض على إمبراطورية “الرجل المريض” إرسال حامية عسكرية أجنبية إلى الجبل اللبناني لحماية المسيحيين.

بعدها ضغطت فرنسا والدول الأوروبية على الدولة العثمانية لإقرار نظام المتصرفية الطائفي في عام 1861، حيث يتولى إدارة الجبل متصرف مسيحي، ومن تحته مجلس إدارة يتشكل من اثني عشر عضوًا حسب التوزيع الطائفي.[6] وكانت القوى المحلية في هذا المجلس مرتبطة بدولة عظمى، فالموارنة يرتبطون بفرنسا، والدروز مرتبطون بإنجلترا، أما السنة فكان ارتباطهم أقوى بالباب العالي في تركيا.

مع بداية القرن العشرين بدا واضحًا أن الرأسمالية الأوروبية، وبخاصة فرنسا، قد سيطرت على مقدرات واسعة في المقاطعات اللبنانية، بعد أن استغلت “نظام الامتيازات، وأصبحت أكثر دولة أوروبية ذات نفوذ وهيمنة على الداخل اللبناني”.[7]

الانتداب (الاحتلال) الفرنسي للبنان

وبعد الحرب العالمية الأولى، وتهاوي الدولة العثمانية، سيطرت فرنسا على سوريا ولبنان خلال فترة الانتداب، وحينها قام الفرنسيون بضم عدد من المدن الساحلية الصغيرة، مثل سهل البقاع وجبل عامل، لتتوسع المتصرفية، ومن ثم إعلان “دولة لبنان الكبير” في عام 1920، والتي أعلن قيامها قائد الجيش الفرنسي الجنرال “غورو”.

العَود المتكرر للفرنسيين

لفترة طويلة من الزمن، وحتى بعد الاستقلال، كانت فرنسا حاضرة سياسيًّا وثقافيًّا واقتصاديًّا بلبنان، ولم تكن الزيارة التي أتت بماكرون في الفاجعة الأخيرة هي الأولى، وإنما سبقها زيارات وتضامن سابق من رؤساء ومسئولين فرنسيين سابقين. فبعد التفجير الذي أودى بحياة رئيس الوزراء اللبناني السابق “رفيق الحريري” عام 2005، ركب “جاك شيراك” طيارته، وحطّ في بيروت لمواساة العائلة.

الرئيس الفرنسي الأسبق- جاك شيراك

وخلال ولايته، رعى “شيراك” مؤتمرات (باريس 1) و(باريس 2) عام 2001 و(باريس 3) عام 2007، لدعم لبنان اقتصاديًّا، ونجح بجمع مليارات الدولارات من الجهات المانحة.

وفي عام 2018، رعت فرنسا من جديد مؤتمر “سيدر” لدعم لبنان، بعد فشل الدولة اللبنانية في إنجاز الإصلاحات الموعودة في مؤتمرات باريس الثلاثة، وجمعت أكثر من 12 مليار دولار لم تفلح في تجنيب البلاد الأزمة المالية الخانقة التي تشهدها حاليًّا.[8]

"ماكرون" ورهانات الإصلاح
ماكرون خلال زيارة مرفأ بيروت

في زيارته الأولى بعد انفجار المرفأ، رفع “ماكرون” طموحه في التغيير السياسي بلبنان، معاديًا الواقع السياسي والاجتماعي وعشرات القرون من الاختلافات بالداخل اللبناني، ورفع شعار “التغيير الجذري” وإسقاط النظام الطائفي، مُرغِّبًا اللبنانيين بمعونات اقتصادية، ومهددًا السياسيين بسحب المعونات إن لم يتحقق الإصلاح.

ربما تأتي الظروف المحلية والدولية خادمة لماكرون في سعيه، فالولايات المتحدة الأمريكية غائبة عن هذا الملف تقريبًا، وداعمة بكل قوة لفرنسا لصالح تحييد أكبر لهيمنة ونفوذ “حزب الله” في الداخل اللبناني، كما أن المملكة العربية السعودية، أكبر قوة تقليدية داعمة للسنة في لبنان، غائبة عن المشهد تمامًا لانشغالها بأكثر من ملف، ليس آخرها حرب اليمن.

ومن ثمّ فإن أي حل جزئي لبعض مشاكل لبنان العويصة قد يفتح بابًا لعودة النفوذ الفرنسي في المنطقة، ويعطي دعمًا أكبر لأسهم “ماكرون” في فرنسا، كي يتخلص من عبء الأزمة الاقتصادية والسياسية بعد انتفاضة أصحاب السترات الصفراء.

قد يكون من المفيد أيضًا لأطراف مختلفة، تحديدًا الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية وللحريري ولقوى لبنانية أخرى معادية لحزب الله، أن تقوم فرنسا بدعم “ميشيل عون”، فيجد أرضًا يضع عليها أقدامه، ويتخلص من الضغوط التي تمارَس عليه بفعل تحالفه مع “حزب الله”.

ماكرون يلتقي فيروز

في زيارته الثانية للبنان، أثار “ماكرون” عواطف جياشة بعد ظهوره مع السيدة “فيروز” التي تُعبّر بشكل استثنائي عما يمكن الاتفاق عليه في الداخل اللبناني، لكن مصلحة فرنسا أن يكون لها موطئ قدم ثابت على البحر المتوسط، كانت أكثر أهمية من زيارة مشهديّة لـ”فيروز”، حيث يمكن المشاركة في النفاذ لمنطقة حيوية استراتيجية لنقل الغاز الطبيعي من حوض شرق المتوسط إلى أوروبا، وخطوط أنابيب نقل الغاز من الخليج لأوروبا عبر المتوسط، خاصة بعد الاكتشافات الأخيرة بحوض شرق المتوسط، وعدم ترك المجال كاملًا لروسيا التي وضعت قدمها كاملة على بعد أمتار قليلة هناك في سوريا.

لكن إجمالًا وبالرغم من الطموح الذي يحمله “ماكرون” للبنان، إلا أنه وفي ظل الوضع الحالي لا يمكن سوى إطلاق لفظ “المجازفة السياسية” على الوعود التي قدمها “ماكرون” للبنانيين، فالرجل يحتاج أكثر من الوعد بالمساعدات المالية، لذا فلو لم يستطع “ماكرون” أن يحقق جزءًا من وعوده تلك، فعليه أن ينسى الملف اللبناني حتى إشعار آخر.

الهوامش

[1] الأب يواكيم مبارك، إشكالية تاريخ لبنان من نشوء الإسلام إلى إعــلان دولة لبنان الكبير، الأخبار اللبنانية، تاريخ الاطلاع على الرابط 6 سبتبمر 2020 : https://al-akhbar.com/Opinion/112452

[2] يوسف حسين يوسف عمر، الدبلوماسية الفرنسية تجاه المسألة المصرية من بداية الأزمة وحتى معاهدة هونكار، المجلة الأردنية للتاريخ والآثار، المجلد 11، العدد 2، عمان (الأردن)، 2017، ص ص : 45-46.

[3] إلهام يوسف، ولاء علي صقر، الصراع الإسباني العثماني على تونس ( 1534 م- 1574م )، مجلة جامعة تشرين للبحوث والدراسات العلمية، سلسلة الآداب والعلوم الإنسانية، المجلد 40، العدد (5)، اللاذقية، 2018، ص ص: 4040-407

[4] الأب يواكيم مبارك، مصدر سبق ذكره.

[5] علي فتوني، تاريخ لبنان الطائفي، دار الفارابي للنشر، بيروت، 2013، ص 35.

[6] المصدر نفسه، ص 41.

[7] المصدر نفسه، ص 32.

 

[8] انفجار بيروت: لماذا تهبّ “الأم الحنون” فرنسا لنجدة لبنان؟، موقع BBC العربي، تاريخ الاطلاع على الرابط 6 سبتمبر 2020 : https://www.bbc.com/arabic/middleeast-53701930.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أمل أبو حسين

باحثة مهتمة بالتاريخ

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram