وجهات نظر

“ماكْرون”!.. جئناكَ بالمُقاطعة

محمد السيد الطناوي

 

في القرن السادس عشر، تحديدًا سنة 1568، أرسل فيليب الثاني، ملك إسبانيا الكاثوليكية، جيشًا لقمع تمرد البروتستانتيين المتجدد في هولندا، في ما عُرِف لاحقًا بـ”حرب الثمانين عامًا”. وبينما جيوش إسبانيا تقتل وتحرق وتدمر هولندا، شهدت فرنسا عام 1572 مذبحة راح ضحيتها أكثر من 30 ألف بروتستانتي فرنسي، وذلك بتدبير وأمر من الملك شارل السابع وبمباركة الكنيسة الكاثوليكية.

تطاولت الحروب المذهبية حتى القرن السابع عشر، واندلعت أشهرها، حرب الثلاثين عامًا، سنة 1618، شاركت فيها غالبية القوى الأوروبية منقسمة بين دول بروتستانتية وكاثوليكية، وكان من نتائجها تدمير شبه كامل للأراضي الألمانية، في حين انخفض عدد سكان ألمانيا إلى النصف، وعانت مناطق واسعة من الأوبئة والمجاعات.

رغم انتهاء الحرب عام 1648، فإن الصراع المذهبي في أوروبا امتد 3 قرون، استُنزفت فيها موارد الدول وشاعت مشاعر الحقد وانتشرت الفوضى، فولّد هذا المخاض المرير مفهوم التسامح.

سنة 1661، نشر الفيلسوف الإنجليزي جون لوك “رسالة في التسامح”، وأتبعها رسالة أخرى ثم مذكرة في ذات الموضوع، ثم أخرج رسالته المطبوعة والمتداولة بين أيدينا سنة 1689، داعيًا الدولة إلى التسامح مع المخالفين للدين، مسلمين ووثنيين ويهود، مناشدًا الكنيسة احترام حرية الأفراد في اختيار معتقداتهم، لكن لوك استثنى فئتين من دعوته: الكاثوليك، لأن ولاءهم كان لبابا روما لا لملك إنجلترا، إلى جانب الملاحدة لكونهم “فَصموا عُرى الرابطة الاجتماعية بإنكارهم وجود الله”.

هذا العوار استدركه الفيلسوف الفرنسي بيير بايل في مؤلفه “المبادئ العامة للتسامح”، فأسّس للمفهوم على قاعدة أن التنوع الهائل للديانات البشرية لا يمكن معه لدين أو مذهب احتكار الحقيقة أو أن يبلغ أصحاب الدين درجة من اليقين تدفعهم إلى الاعتداء على حرية الغير في الاعتقاد، مناديًا بوجوب الفصل بين الأخلاق والدين، وعلى أساس من هذه القاعدة يمكن للمخالف في المذهب، أو حتى الملحد، أن يصبح مواطنًا صالحًا يؤدي جميع واجباته متمتعًا بحقوقه كافة.

ما خطّه لوك وما أصّل له بايل في التسامح أصبح المرجعية الفكرية لعصر التنوير، ليتقدم فولتير بعدهما فيُهذّب المفهوم ويُشذّبه، إذ وافق الأديب والفيلسوف الكبير مواطنه بايل على أن “التسامح ينبع من محدودية الإنسان وضعفه”، وبما أننا جميعًا ضعفاء وعرضة للتقلب بين الآراء المختلفة فلا مفر من أن يسود التسامح في ما نرى ونعتقد، وأي محاولة لفرض دين ما بالقوة هي دليل على أن العقل الذي ينتهج هذا النهج مناهض للحقيقة.

وأطلق فولتير صيحة لا تزال تثير الإعجاب إلى اليوم: “كلنا ضعفاء، وكلنا ميّالون للخطأ، فدعونا نتبادل التسامح مع حماقاتنا.. هذا هو المبدأ الأول لقانون الطبيعة، المبدأ الأول لحقوق الإنسان كافة”، ومن هذه المقولة صاغت الفيلسوفة روزا لوكسمبورج بعد ذلك مبدأ “الحق في الخطأ”.

ولدى انتقال التنوير إلى مجتمعاتنا على مشارف القرن التاسع عشر، استقبل رواده قيم الحرية والديمقراطية والمساواة استقبالاً حسنا، لكن قد تستغرب إذا علمت أن رائد التنوير، جمال الدين الأفغاني، وقف موقفًا رافضًا من هذا المفهوم، “التسامح”!

في مقال له، نُشر سنة 1884، كتب الأفغاني مادحًا التعصّب على اعتبار أنه “وصف للنفس الإنسانية تصدر عنه نهضة لحماية من يتصل به والذود عن حقه… وهو عقد الربط في كل أمة، بل هو المزاج الصحيح يوحّد المتفرق تحت اسم واحد…”، وهاجم المُجدّد الكبير دعاوى التسامح ومن يُنادُون بها في مواجهة التعصّب، واصفًا إياهم بـ”عملاء غربيين مُزندَقين… لا يميزون بين الحق والباطل..”، مبررًا التعصب الديني في زمنه بأنه “حالة مؤقتة ستتجاوزها الأمة سريعًا لتعود إلى أحكام الدين واعتداله مجددًا”.

وهذا المعنى أكد عليه أيضا محمد رشيد رضا، صاحب مجلة “المنار”، فأورد في ما كتب بالأعداد الأولى، التي أشرف عليها محمد عبده: “والمسلمون إذ يتعصّبون للرابطة الدينية التي تجمعهم -في حدود العدل- يبدون استعدادهم لضمان الوفاق والجمع بين مصالحهم ومصالح الأوروبيين، شريطة أن يتخلى هؤلاء الأخيرون عن التسلط والافتيات على المسلمين والاستئثار بالمصالح والمنافع…”

في هذا الخصوص، رأى المفكر المغربي علي أومليل أن الظرفية التاريخية، الاستعمار، أملت على الأفغاني هذا الفهم، فلم يتقيد في فهم التسامح بـ”المصدر الأجنبي للمعنى”، وبحسب أومليل: “ما كان بإمكانهم أن يصوغوا فكرهم الإصلاحي دون اعتبار لما وقع: أي سيطرة دول الغرب الحديث على بلدانهم والتنظيمات التي مكّنتها من التفوق والسيطرة”.

لكن توجد ثغرة واضحة في منطق أومليل التأويلي، فانحياز الأفغاني للتعصب يتخطى عامل الظرفية التاريخية إلى الإرث الخلدوني، الذي جعل من العصبية أساسًا للدولة، ومن التعصب سمة مولدة للقوة والتماسك في المجتمعات الإنسانية.

استعمل ابن خلدون لفظة “العصبية” بمعنى الرابطة القبَلية، ومن ميزاتها أنها لا تقوم بين فرد وآخر داخل الجماعة، بل هي رابطة بين الفرد والمجموعة، ليذوب الفرد فيها إذا ما تعرضتْ للخطر، وبذلك فـ”الفرد عندما يتعصب لعصبته إنما يتعصب لنفسه على اعتباره هي إياه”.

هذا التأصيل الخلدوني قائم على واقع عصره والعصور السابقة عليه، وإذا كان الإسلام حارب هذه العصبية، أي “تعصب الجاهلية”، فقد حوّلها إلى الدين، بحيث أضحت العصبية إلى الإسلام لا إلى القبيلة أو العشيرة، ثم ارتدت العصبية شيئًا فشيئا -مع تباعد الزمن عن العصر الأول- إلى القبلية أو العشائرية وخالطها التعصب للمذهب أو الفرقة الدينية.

نحن بذلك أمام أصيل لا عارض، ثقافة مستقرة لا ظرف تاريخي، علاوة على ما أثبتناه من معاداة التنويريين الأوائل لـ”التسامح” وإهمال الأجيال اللاحقة التأصيل للمفهوم، أو على الأقل لم ينل من أعمالهم الفكرية نصيب مفاهيم تنويرية أخرى، رغم شيوع الكلمة وتردادها.

لهذا كان من غير الممكن التغاضي عن عبارة قالها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: “لن نتخلى عن الرسومات الكاريكاتورية”، في ذات الوقت تغافلنا عن بشاعة جريمة ليست ضد المدرّس الفرنسي فقط، بل كانت ضد ما يعتبره الفرنسيون “مُقدسًا أيضًا” وهو حرية التعبير.

لم نتوقف لنوازن بين الفعل -جريمة القتل البشعة المتكررة، سبقتها مذبحة 2015 بمقر جريدة “شارلي إيبدو” وسقط فيها 12 قتيلا- ورد الفعل (الكلمة المستفزة لماكرون). ولم نتفهّم خصوصية الدولة والمجتمع الفرنسيين وحساسيتهما تجاه الدين عمومًا، خاصة في ظل ضغط جماعات انعزالية متشددة نستنكر ممارساتها حتى بمجتمعاتنا المسلمة، في ذات الوقت نتوقع أن يُراعي الآخر مشاعرنا تجاه مقدساتنا.

لا نغفر حماقة واحدة لأحد، لكن ننتظر من الآخر أن يغفر كل حماقاتنا!

 

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى