زوايا

أين أشيائي..؟ ما وراء أسطورة النينجا اليابانية

بالتأكيد صورة النينجا التقليدية في الأفلام والقصص المُصوَّرة، مثيرة جدًا، ذلك القاتل المُتشِح بالسواد، بقدراته السحرية في في فنون التخفِّي والقتل.

لكن الواقع التاريخي للنينجا مختلف بعض الشيء، ففي اليابان الإقطاعية كان النينجا هم طبقة المحاربين الدنيا، وغالبًا ما يُجندون على يد الساموراي والحكومات المختلفة للعمل كجواسيس ومأجورين.

في المقال التالي، المترجم بتصرف عن موقع “ThoughtCo“، نعرف أكثر عن أصول النينجا وواقع حياتهم بعيدًا عن أساطير السينما وقصص المراهقين.


من الصعب تحديد وقت ظهور النينجا الأول، والذي كان يُطلَق عليه “شينوبي”، ذلك أن العالم كله استخدم الجواسيس والقتلة المأجورين على الدوام.

تقول الميثولوجيا اليابانية إن النينجا انحدروا من نسل شيطان كان نصف إنسان ونصف غراب.. وبصرف النظر عن الأسطورة، الاحتمال الأكبر أن النينجا تطوروا بشكل بطيء ليصبحوا القوة المُناوِئة لنُظرائهم من محاربي الطبقة العليا أي الساموراي، وذلك في البدايات الأولى لحقبة اليابان الإقطاعية.

معظم المصادر تشير إلى أن المهارات التي أصبحت فيما بعد تُسمَّى “نينجوتسو”، أي فن النينجا في التخفِّي؛ بدأت تتطور وتزدهر بين عامي 600 و900 ميلادي، ويقال إن الأمير شوتوكو، الذي عاش ما بين عامي 574 و622، عيّن أوتومونو ساهيتو كجاسوس شينوبي/نينجا.

ثم بحلول سنة 907، كانت أسرة تانغ في الصين قد سقطت، ما أدَّى إلى دخول البلاد دوامة من الفوضى استمرت 50 عامًا، وأجبر جنرالات أسرة تانغ على الفرار عبر البحر إلى اليابان، ليصحبوا معهم تكتيكات حربية وفلسفات قتالية جديدة.

وخلال سنوات العقد الثاني من الألف الأول بعد الميلاد، بدأ الرُهبان الصينيون بدورهم في الوصول إلى اليابان، جالبين معهم علومهم الطبية، وكذا فلسفاتهم القتالية الخاصة. والعديد من تلك العلوم والفلسفات، نشأت بداية في الهند، قبل أن تشق طريقها عبر التبت للصين، ثم ازدهرت في اليابان. وقد علّم الرهبان الصينيون الرهبانَ اليابانيون فلسفاتهم، وتسربت بعضها لأعضاء عصابات النينجا الأوائل.

مدرسة النينجا الأولى

على مدار أكثر من 100 عام، تطور خليط التكتيكات الصينية والمحلية لينشأ ما سيعرف بفن النينجوتسو، كنوع من الثقافة البديلة أو المضادة، بلا قواعد أو ضوابط حاكمة.

أمّا أول من أضفى على النينجوتسو الطابع الرسمي، فكانا دايسوكي توغاكيوري وكين دوشي، خلال القرن الـ12 تقريبًا.

كان دايسوكي من الساموراي، لكن بعد خسارته إحدى المعارك، فخسر على إثر ذلك أرضه ولقبه، لم ينتحر كما جرت العادة بين الساموراي في تلك الحالات، أن ينفذوا السيبوكو، أي الانتحار بالسيف بطريقة معينة تعرف باسم “هاراكيري”، لكن دايسوكي لم يفعل ذلك.

الانتحار بطريقة هاراكيري
الانتحار بطريقة هاراكيري

وفي عام 1162، هام دايسوكي على وجهه في جبال جنوب غرب جزيرة هونشو، والتقى هناك بكين دوشي، الراهب المحارب الصيني.

هكذا تخلى دايسوكي عن قانون البوشيدو الذي كان يتبعه، ليطور مع دوشي نظرية جديدة لحروب العصابات، أطلقا عليها اسم نينجوتسو. وكانت أول مدرسة نينجا تسمى التوغاكيوري ريو، أنشأها أحفاد دايسوكي.

أصول مقاتلي النينجوتسو

كان بعض قادة النينجا، والذين يسمون الجونين، من الساموراي الموصومين مثل دايوسوكي، أو ممن تخلى عنهم الدايميو (أي القادة والزعماء المباشرين لهم) لكنهم فضلوا الهروب على الانتحار الطقوسي.. مع ذلك، لم يكن غالبية النينجا من طبقة النبلاء.

كان غالبية النينجا من المزارعين وسكان القرى، الذين سعوا لتعلَّم القتال بأي وسيلة مُمكِنة للحفاظ على حياتهم، بما في ذلك استخدام التخفِّي والسم لتنفيذ عمليات الاغتيال.

ونتيجة لذلك، كانت أكثر معاقل النينجا شهرةً في مُقاطعتيْ إيغا وكوغا، اللتيْن اشتهرتى بالقرى الريفية والأراضي الزراعية.

كما خدمت النساء أيضًا في معارك النينجا، فقد تسللت النينجا الإناث أو “الكونويْشي”، إلى قلاع الأعداء مُتنكِّرات في شكل راقصات أو محظيَّات أو خادمات. وكانت هذه النساء جواسيس على درجة عالية من النجاح، بل إنهن كذلك نفذن عمليات اغتيال.

استخدام الساموراي للنينجا

لم يتمكَّن سادة الساموراي من الانتصار دومًا في الحروب المفتوحة، لكنهم كانوا مُقيَّدين بقانون البوشيدو، وهكذا، وفي أغلب الأحيان، استأجروا النينجا للقيام بالأعمال القذرة من تجسُّس أو اغتيال أو زراعة المعلومات المُضلِّلة، كل ذلك دون تلطيخ شرف الساموراي أو سمعتهم.

نقل هذا النظام كذلك الثروة إلى الطبقات الدنيا، نظرًا لأن الساموراي كانوا يدفعون للنينجا بسخاء نظير عملهم، وبالطبع، فإن أعداء الساموراي كانوا يستطيعون أيضًا استئجار النينجا، ونتيجةً لذلك، كان الساموراي يحتاجون النينجا، ويحتقرونهم، ويخافونهم في ذات الوقت.

كان الرجل الكبير للنينجا أو من يعرف بـ”الجونين” يُعطي أوامره لـ”الشونين” أو الرجل الأوسط، والذي ينقل تلك الأوامر إلى “الجينين” أي النينجا الاعتياديين.

استخدم الساموراي النينجا لتنفيذ المهام القذرة من تجسس واغتيال
استخدم الساموراي النينجا لتنفيذ المهام القذرة من تجسس واغتيال

كانت تلك التراتُبية الهرمية تعتمد أيضًا على الطبقة التي أتى منها النينجا قبل التدريب، ولكن لم يكُن أمرًا غريبًا أن يترقَّى أحد النينجا البارعين صاعدًا لأعلى تراتبية النينجا بغض النظر عن طبقته أو طبقتها الاجتماعية.

صعود وأفول النينجا

صعد نجم النينجا وعلا شأنهم أثناء عصر الاضطراب بين عاميْ 1336 و1600. وفي جوٍّ من الحروب المستمرة، كانت مهارات النينجا ضرورية لكل الأطراف.

لعب النينجا دورًا محوريًا في حروب النانبوكوتشو (1336 – 1392)، وحرب الأونين (في ستينات القرن الـ15 الميلادي)، والسينغوكو جيداي أو فترة الولايات المُتحارِبة، حيث ساعد النينجا الساموراي في صراعاتهم الداخلية على السلطة.

كان النينجا أداة هامة أثناء فترة السينغوكو (1467 – 1568)، لكنهم كذلك كانوا عنصرًا لزعزعة الاستقرار. وعندما ظهر أمير الحرب المُسمَّى أودا نوبوناغا كأقوى دايميو في اليابان، وبدأ في توحيد البلاد (1551 – 1582)، رأى في معاقل النينجا الموجودة في إيغا وكوغا تهديدًا له. ورغم أنه استطاع أن يهزم قوَّات نينجا كوغا بسرعة، وضمهم لصفوف قواته، إلَّا أنه عانى من مشاكل جمَّة عند مواجهته لنينجا إيغا.

وفيما سيُعرَف لاحقًا باسم ثورة إيغا أو “إيغا نو ران”، هاجم نوبوناغا نينجا إيغا بقواتٍ كاسحة قوامها أكثر من 40 ألف رجل.

وقد أجبر هجوم نوبوناغا السريع جدًا على إيغا، محاربي النينجا أن يقاتلوا في معارك مفتوحة. ونتيجةَ لذلك، انهزموا وتشتَّتوا في الأقاليم المجاورة القريبة، وفي جبال كي.

ومع تدمير قواعدهم، لم يتلاشَ النينجا بالكليَّة، إذ ذهب بعضهم ليدخل في خدمة توكوغاوا إياسو، الذي أصبح الشوغون في العام 1603. لكن غالبية النينجا المُتبقِّين استمروا في خدمة طرفيْ الصراع في النزاعات المختلفة.

رسم يُوثق انخراط النساء في عصابات النينجا
رسم يُوثق انخراط النساء في عصابات النينجا

وفي حادثة شهيرة عام 1600، تسلَّل أحد النينجا بين صفوف جماعة من رجال توكوغاوا الذين كانوا يُدافِعون عن قلعة هاتايا، ورفع علم الجيش المُحاصِر للقلعة عاليًا على البوابة الأمامية.

ومع حلول فترة إيدو تحت حكم شوغونية توكوغاوا (1603 – 1868)، حلَّ السلام وعمَّ الاستقرار بلاد اليابان، كما كانت كذلك نهاية قصة النينجا.

رغم ذلك، بقيت مهارات النينجا وخُلِّدَت أساطيرهم، بل تجمَّلَت وتنمَّقت تلك المهارات والأساطير لتُفعِم الأفلام، والألعاب، والقصص المُصوَّرة بالحياة في أيامنا هذه.

أمير عثمان

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى