ما الذي علينا أن نعرفه عن اليمين المتطرف في أمريكا؟

تشكل جماعات اليمين المتطرف تهديدًا محتملاً للأمن الداخلي الأمريكي، وهو ما ظهر جليًّا خلال أحداث أمس (6 يناير/ كانون الثاني 2021) بعد اقتحام بعض من أنصار هذه الجماعات وأنصار ترامب الكونجرس الأمريكي. جاءت هذه الأحدث في أعقاب كلمة ترامب أمام أنصاره بواشنطن، والذي دعاهم خلالها للزحف نحو مبنى الكونجرس، وذلك لـ”تصويب الأمور وتفادي دمار الولايات المتحدة”، على حد زعمه.

ويُذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها ترامب إلى مثل هذه الدعوات، فقبالة الانتخابات في نوفمبر/ تشرين الثاني الفائت، كان قد دعا مؤيديه للتوجه إلى مراكز الاقتراع من أجل “حماية بطاقات الاقتراع” خوفًا من حصول عمليات تزوير هائلة يديرها الديمقراطيون. وأشار تحديدًا -حينئذ- إلى مجموعة “براود بويز” أن تكون على “أتم الاستعداد”، ليُجيبه جو بيجز، أحد قياديي المجموعة التي غالبًا ما تدخل في مناوشات مع نشطاء اليسار: “نحن مستعدون”.

اقتحام أنصار ترامب للكونجرس

حصان طروادة جمهوري

فتح وصول الرئيس دونالد ترامب إلى السلطة عام 2016 الباب أمام الكثير من جماعات اليمين المتطرف لتتوسع وتنتشر عبر الفعاليات الجماهيرية والمظاهرات وأعمال العنف، وكان أكثر هذه المجموعات شهرة “ثري بيرسنترز”، و”أوث كيبرز”، و”براود بويز”، وكذلك “بوجالوس بوا”، و”باتريوت براير”.

وتشترك تلك المجموعات بدفاعها عن حق امتلاك السلاح والعداء للحكومة والسلطة والأفكار اليسارية، وتعتبر أن قوات الأمن عملاء حكومة استبدادية، في حين تُحضِّر أخرى لثورة وطنية أو حرب عرقية، مثل حركات الفوضوية، والمتطرفين المسيحيين، والمؤيدين لنظرية المؤامرة على ترامب.

ويؤيد بعضها الأفكار القائلة بتفوق العرق الأبيض، ومعاداة السامية، وإنكار الهولوكوست، ومعاداة الإسلام، ومعارضة حقوق المرأة والمثليين، ومعارضة الهجرة واللاجئين. ولديها ارتباطات بحركات النازيين الجدد، وحركات القومية والعنصرية، والفاشية والنازية الجديدة، والجماعات التي تدعو لعزلة أمريكا والسياسات الاقتصادية الحمائية.

جانب من إحدى مسيرات الجماعات المروجة لأفكار النازية

ضد العالم أو أكثر

ترتكز أيديولوجيا أبرز جماعات اليمين المتطرف الجديدة (حركة التسامي (Rise Above Movement-R.A.M)) على مكافحة “عالم عصري أفسدته ثقافة الليبراليين واليهود والمسلمين والمهاجرين غير البيض”، ولا تمانع الحركة من استخدام العنف وتروج لعقيدة النازيين الجدد.

وشارك بعض أعضائها في مسيرات ضد “الشريعة”، والتي نظمتها جماعة الكراهية المعادية للمسلمين المعروفة باسم (العمل من أجل أمريكا)ACT for America ، التي أسستها “بريجيت تيودور” المعروفة باسم “بريجيت جابرييل” عام 2007، وبها 750 ألف عضو وأكثر من 1000 فرع، وتعد أكبر جماعة معادية للمسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية.

إلى ذلك، ارتفع عدد فروع جماعة Identity Evropa من فرع واحد عام 2016 إلى 15 فرعًا عام 2017، ثم إلى 38 فرعًا عام 2018، وهي منْ تتصدر تجنيد شباب الجامعات البيض وتغذية فكرة تفوق العرق الأبيض.

وبلغ عدد فروع جماعة Identity Dixie التي أُسِست عام 2017، نحو 7 فروع بعد عام واحد من تأسيسها. أما منظمة Atomwaffen Division المعروفة بممارساتها النازية العنيفة، والتي ارتكبت 5 عمليات قتل معروفة منذ مايو/ أيار 2017، فقد نمت من فرع واحد في عام 2017 إلى 27 فرعًا في عام 2018.

الفيلسوف الأمريكي المحافظ بول جوتفريد

“الحق البديل”… وطني أبيض

يندرج بعض الجماعات المتطرفة في أمريكا اليوم تحت لافتة ما يطلق عليه “الحق البديل” The alt-right, or alternative right، وبحسب متخصصين تضم هذه المجموعات آلاف المؤيدين في أنحاء الولايات المتحدة، وهي تتواصل برسائل مشفرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

ويعود أول استخدام لمفهوم “الحق البديل” إلى الفيلسوف الأمريكي المحافظ، بول جوتفريد، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2008، لكنه أخذ شكله الحالي منذ العام 2010 مع “ريتشارد سبنسر” مؤسس حركة “البديل الجديد”، ومدير معهد السياسات الوطني الذي يصف نفسه بأنّه “قومي وطني أبيض”.

وانتشرت الحركة بنحو كبير عام 2016 بالتزامن مع حملة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للانتخابات، خاصة مع وجود شخصيات مهمة في إدارته مؤيدة للحركة مثل ستيف بانون مستشار البيت الأبيض السابق، ومايكل فلين مستشار الأمن القومي السابق، وستيفن ميلر المستشار الخاص لترامب وعدد من النواب والمرشحين للحزب الجمهوري.

كيف يعمل اليمين؟

تلجأ تلك الجماعات إلى وسائل التواصل الاجتماعي لنشر أفكارها وتجنيد أتباعها، فسيزار سايوك الذي أرسل 13 طردًا مفخخًا إلى منتقدي الرئيس ترامب، استخدم الإنترنت لبث خطابات الكراهية ضد الأقليات المسلمة، والمهاجرين غير الشرعيين والديمقراطيين.

وتوضح حالة سايوك أن شركات التقنية لا تأخذ جرائم الكراهية على محمل الجد، وهذا ما اتفقت عليه أكثر البحوث التي تناولت اليمين المتطرف وإرهابه، لأن مواقع الأفراد والجماعات اليمينية المتطرفة معظمها ينتشر على منصات التواصل تحت عناوين تتصل بحرية الرأي والتعبير.

وتنتظر الشركات أن يحدث عنف مادي ضد الضحايا حتى تتخذ إجراءات جادة، مثل ما حدث بعد قتل ديلان رووف 9 من السود في عام 2015، أو في أعقاب أعمال الشغب التي خلفت مقتل شخص، وإصابة 20 آخرين بولاية فرجينيا عام 2017، إذ دعت إليها جماعات اليمين المتطرف عبر موقع فيس بوك.

وفي أغسطس/ آب 2018، أعلن الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة تويتر، جاك دورسي، عدم حظر شركته لحساب أليكس جونز، أحد أشهر وجوه اليمين المتطرف، على الرغم من اتخاذ شركات كبرى مثل “فيس بوك” و”يوتيوب” و”آبل”، إجراءات ضده.

جانب من تظاهرة لإحدى مجموعات اليمين المتطرف

وفي عام 2019 واجه موقع “يوتيوب” أزمات عدة بعد أن كشف تحقيق أجرته شبكة “سي إن إن” CNN أن “يوتيوب” كان يعرض إعلانات لأكثر من 300 علامة تجارية كبرى على القنوات التي تروّج للتطرف.

وعلى الرغم من اتساع طيف حركات وجماعات اليمين المتطرف إلا أنه يعاني درجة عالية من التشرذم، ويفتقر إلى إستراتيجية واضحة، وأحيانًا تكون الأفكار قد عفا عليها الزمن. هذا إلى جانب كثرة الخلافات الداخلية التي لا تتوقف، ما يجعل الحركة غير قادرة على تنظيم صفوفها، وعدم القدرة على إقامة روابط مع التيارات السياسة الرئيسة في المجتمع الأمريكي.

كراهية نعم… إرهاب لا

يتوقع العديد من المراقبين أن تصير هذه الحركات مرشحة لأن تكون الخطر الأكبر على أمن أمريكا في المستقبل، فحسب إحصاءات “مركز قانون الحاجة الجنوبي” -وهو مركز متخصص في الحقوق المدنية خاصة للسود في ولاية ألاباما الأمريكية– قُتِل وجُرِح أكثر من 100 شخص أمريكي خلال الفترة من 2014 إلى 2018 بأيدي أعضاء في الحركات اليمينية، كما أنها كانت مسؤولة عن معظم العمليات الإرهابية العام 2017 في أمريكا.

وفي المقابل حفزّت هذه الحركات نشاط الحركات المضادة، وعلى رأسها حركة معارضة للفاشية تُدعىAntifa  المكونة من مظلة واسعة من جماعات اليسار المستقل، وهدفها الرئيس محاربة أيديولوجيا اليمين العنصري المتطرف، عبر ممارسة عمليات الاحتجاج العملي بتخريب الممتلكات والعنف الجسدي والنشاط الرقمي ضد مجموعات اليمين المتطرف أينما وجدت في أمريكا. وهذا ما شهدته مينابوليس الأمريكية خلال احتجاجات السود مؤخرًا Black Lives Matter عقب مقتل جورج فلويد.

جانب من إحدى تظاهرت "حياة السود مهمة"

وكانت عملية معبد “شجرة الحياة” بمدينة بتسبيرج-بنسلفانيا في أكتوبر/ تشرين الأول 2018، والتي قُتل فيها 11 مصليًا (8 رجال و3 نساء) من اليهود كبار السن، وجُرح آخرون، وذلك على يد شخص متطرف ومعادٍ للسامية واليهود والمهاجرين يُدعى روبرت باورز، فتحت جدلاً واسعًا في الأوساط القانونية بين خبراء الإرهاب في أمريكا حول تعريف مفهوم “الإرهاب والعنف السياسي”، في ظل ما يشهده المجتمع من عنف، خصوصًا بعد أن وُصفت الحادثة من المحققين بأنّها “جريمة كراهية” وليست إرهابًا.

هل يوجد ما يثير القلق؟

بالنظر إلى العمليات سالفة الذكر إلى جانب التوتر الحاصل حاليًّا على خلفية خسارة ترامب للانتخابات الرئاسية ومحاولاته لإثارة الفوضى في الشارع الأمريكي، فاحتمال اندلاع موجة إرهاب صار واقعًا أكثر من أي وقت مضى، في ظل تقارير إعلامية تؤكد أنّه لا يوجد اهتمام كبير أو معلومات موثقة وكافية لدى الأجهزة الأمنية الأمريكية عن هذه الجماعات وقادتها أو أعدادها أو طبيعة نشاطاتها، أو حتى الموازنة المخصصة لمكافحة نشاط هذه الجماعات.

ففي نوفمبر/ تشرين الثاني 2018 نشرت مجلة نيويورك تايمز أنه لعقدين من الزمن تجاهلت إستراتيجيات مكافحة التطرف المحلية الأمريكية تنامي خطر اليمين المتطرف، وفي أجواء اللا مبالاة هذه نمت وانتشرت هذه الحركات المتطرفة، وقد فشلت الأجهزة الأمنية الأمريكية في رؤية الخطر الذي باتت تشكله واليوم لا تعرف كيف توقف هذا الخطر.

ورغم أن هذا التجاهل يسهم بنحو غير مباشر في دعم أجندة القوميين البيض، زعم دونالد ترامب في أكثر من موقف أن القوميين البيض لا يشكلون تهديدًا فعليًّا لأمن بلاده، على النقيض من ذلك يؤكد أن “الجهاديين” والتنظيمات المتطرفة المرتبطة بأهداف دينية سياسية، هي ما يمثل التهديد الأكبر للغرب.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أحمد الطحان

صحفي مصري

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram