ما الرحمة؟

سعيد ناشيد

كاتب وباحث مغربي

في اللغات الأوروبية الحديثة هناك مصطلحات متنوعة للتعبير عن مفهوم الرحمة، فحين نتحدث داخل الحقل الديني نستعمل مصطلحات معينة، وحين نتحدث داخل الحقل الفلسفي نستعمل مصطلحات مختلفة، وحين نتكلم في المستوى الانفعالي الحسي فإن القاموس يختلف.

يكمن الوجه الإيجابي للمسألة في إتاحة فرصة الضبط والتمييز بين الحقول بحيث لا تحيل الرحمة إلى خطاب الأديان دومًا وبالضرورة. غير أن تشتت المصطلحات الدالة على المفهوم نفسه، تبعًا لمختلف الحقول الدلالية، قد يُضعف المفهوم ويشتت مركز ثقله، وهذا ما حدث بالفعل لمفهوم الرحمة فيما نعتقد. لذلك ليس مستغربًا أن نرى أحد كبار فلاسفة الأخلاق اليوم “سبونفيل”، يدعو إلى تعويض كل المصطلحات الدالة على الرحمة بمفهوم الحب؛ فهو كافٍ في تقديره واعتقاده لكي يفي بالغرض وبالمطلوب (القاموس الفلسفي).

لا أنكر أن الأديان آمنت بالرحمة إيمانًا صريحًا منذ وقت مبكر، وبعض الأديان جعلته مفهومًا محوريًّا بالفعل، لكن هذا في مستوى إعلان النوايا فقط؛ لأن التجربة التاريخية للأديان كافة جعلتها تخسر معركة الرحمة في الأخير، حيث إنها حصرت مجال الرحمة على أتباع دين بعينه، وصولًا إلى أتباع طائفة بعينها، ومن ثم مذهب معين، ثم أتباع جماعة بعينها، ثم فرقة بعينها، ثم خلية بعينها، ثم لا شيء في النهاية؛ لأننا ما إنْ نفرط بالإنسان جزئيًّا حتى ننتهي إلى التفريط به كليًّا.

الترحّم هو التعبير الديني عن مشاعر الرحمة في سياق الشرط الإنساني الأكثر دراماتيكية، الذي هو الموت. لكن حين يتعلم المتدين أن يحصر الترحم على موتى دينه حصرًا، وصولًا في سياق الانحسار إلى الاقتصار على موتى المذهب والطائفة والجماعة؛ فهنا نكون أمام قسوة مكشوفة.

الرحمة غير قابلة للتجزيء، إما أن تكون أو لا تكون.

منذ “أفلاطون” إلى غاية “راولز” لم يكن للعدالة من دافع آخر سوى الرحمة. بل الرحمة هي المنبع الغريزي النبيل للقيم الأخلاقية الأكثر نبلًا في العصر الحديث، من قبيل العدالة الانتقالية، والإنصاف، والديمقراطية التشاركية، ودولة الرعاية الاجتماعية، والمواطنة.. إلخ.

الرحمة هي الدافع الأكثر إنسانية في الإنسان، غير أنها دافع لا يقبل أي قيد أو تجزيء.

بل الرحمة معيار نبل القيم النبيلة كلها؛ فلا تكون الشجاعة والتضحية أعمالًا نبيلة إلا إذا ارتبطت بمقاصد رحيمة، كأن تكون إنقاذًا، أو حماية، أو إنصافًا، أو نحو ذلك. إن الرحمة لهي الحجة الوحيدة التي تسمح للمرء بخرق كل القواعد القانونية والأخلاقية والدينية وغيرها. الدافع الأساسي للمسيح لأجل حماية تلك المرأة “الزانية” هو الرحمة، الدافع الأساسي لعمر بن الخطاب نحو تعطيل بعض الحدود هو الرحمة، الدافع الأول للتسامح الديني في التصوف الفلسفي هو الرحمة، الدافع اليوم لكل القضايا الحقوقية المتعلقة بالمناصفة والإنصاف هو الرحمة.

ذلك أن الفعل الرحيم هو الفعل الوحيد الذي غايته ذاته، لا مقابل، لا أجر، لا جزاء، ولا أي غاية أخرى مهما صغرت أو كبرت غير الرحمة نفسها. في أفعال الرحمة تكون الرحمة هي الفعل وغاية الفعل في الآن نفسه. لأجل ذلك كله فإن الرحمة معيار الحق والحقيقة معًا.

حين نمنح الرحمة للآخرين تبعًا لشروط مسبقة، قد تتعلق بالهوية أو الولاء أو الموقف أو الثمن؛ فإننا نقتل الرحمة في الوقت الذي نمنحها، بحيث نمنحها ميتة إذن.

حين نمنح الرحمة للآخرين ونطلب المقابل نكون مخطئين مائة في المائة؛ لأن المقابل أخذناه مسبقًا وبالكامل؛ ذلك أن الشعور بالفرح هو الهدية التي تمنحنا أرواحنا حين نمنح الرحمة للآخرين. على أن الفرح هو منبع الصحة والسعادة والجمال.

مرة أخرى، لسنا ننكر أن الرحمة تمثل جوهر الأديان، على الأقل في مستوى إعلان النوايا، غير أن الحاصل في النهاية أن الأديان فقدت جوهرها الرحيم في غمار التجربة التاريخية الشاقة والطويلة، وضيّعت بذلك مشروعيتها الأخلاقية التي لأجل أن تسترجعها فهي تحتاج إلى إجراءات إصلاحية ثلاثة، بوسعنا أن نستعرضها على النحو التالي:

أوّلًا: يجب أن يكف الخطاب الديني عن إثارة مشاعر الخوف، ما يعني -من جهة أولى- أن يهجر قصص الرعب الأخروي التي تنمي التعاسة والشقاء، وفق تحذير “أفلاطون” في كتاب (الجمهورية)، كما يجب عليه -من جهة ثانية- أن ينقل علاقتنا مع الله من حالة الهلع والفزع والجزع إلى حالة المحبة والعشق والشوق، على منوال أدبيات أهل التصوف الفلسفي (ابن عربي، الرومي، وغيرهما)، وهو ما يعني أن علينا الانتقال من إلهيات القسوة إلى إلهيات الرحمة. هذا الانتقال اللّاهوتي ضروري وممكن.

ثانيًا: يجب أن يكف الخطاب الديني عن إثارة مشاعر الحزن، ما يعني أن يترك العادات والخطابات المهيجة للانفعالات المسيلة لدموع الأسى والتعاسة، التي لا دور لها سوى ملء نفوس الناس بأحاسيس الإثم والذنب والندم، بنحو يشل قدرات العقل، ويدمر قيم المواطنة، ويضعف ثقافة المؤسسات. وهنا تكمن أهمية الدرس الأساسي لسبينوزا، وهو ما يعني أن علينا الانتقال من نمط تدين سوداوي ومتجهم إلى نمط تدين احتفالي ومبتهج. هذا الانتقال اللاهوتي ضروري بدوره وممكن أيضًا.

ثالثًا: يجب أن يكف الخطاب الديني عن إثارة مشاعر الكراهية، وهو ما يستلزم القيام بنقد ذاتي جدي وجذري لغاية تقويض الجهاز المفاهيمي الحاضن لثقافة الحقد والحسد والغيرة والضغينة، وهي الثقافة التي يؤطرها ما يسمى في الفقه الإسلامي بمبدأ الولاء والبراء، وهذا على سبيل المثال، وهو ما يعني أن علينا الانتقال من إيمان قائم على الحقد والكراهية إلى إيمان قائم على العشق والمحبة. هذا الانتقال اللّاهوتي ضروري كذلك وممكن أيضًا.

وبالجملة، فالمطلوب منا الآن هو القيام بالإجراء التالي:

يجب علينا أن نجعل الرحمة مقياسًا للحق والحقيقة، سواء في الحقل الديني الذي هو أكثر الحقول تأثيرًا على العقول، أم في سائر مجالات الحياة.

هذا الإجراء سيغير كل شيء.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram