زوايا

ما بعد الإنسان.. حركة عالمية لقتل الموت

من رجل ذي آذان آلية تستشعر التغيرات في الضغط الجوي، وامرأة يحتوي جسدها على مستشعرات للزلازل، إلى رجل مصاب بعمى الألوان زُرِع في جمجمته هوائي “أنتنا” يتيح له سماع الألوان، ليس هذا فقط، بل صار يمكنه أيضًا الاتصال بالإنترنت والأجهزة الأخرى باستخدام الهوائي الخاص به، والذي يعمل بتقنية البلوتوث.

ليست هذه إلا نماذج عما يحاول علماء ما يعرف بفلسفة ما بعد الإنسان القيام به، تحقيقًا لمبادئ فلسفتهم التي تنطلق من جهود تحسين الحالة الإنسانية، لكن بأفكار قد تبدو جريئة.

ما بعد الإنسانية جرأة مستقبلية

في عام 1957 نشر الفيلسوف وعالم الأحياء الإنجليزي، جوليان هكسلي، مقالة بعنوان “ما بعد الإنسانية”، في أول استخدام لهذا المصطلح.

عرّف هكسلي “ما بعد الإنسانية” على أنها عملية تحسين الحالة الإنسانية من خلال التغيير الاجتماعي والثقافي، لكن ربما ما لم يكن يتوقعه أن مقاله سيكون إيذانًا بنشوء حركة علمية ثقافية، تستند إلى التكنولوجيا بغرض تطوير قدرات البشر، انطلاقًا من رفض ما تعتبره قيودًا على الإنسان، مثل: المرض والموت وغيرهما، حتى من الاحتياجات البيولوجية.. بات الهدف لهذه الحركة، التغلب على حدود الطبيعة البشرية.

تشكلت الحركة آنذاك من العاملين في حقل التكنولوجيا المتقدمة، وفي الأوساط الأكاديمية، وكان المؤيدون الرئيسيون لها رجال التكنولوجيا البارزين مثل عالم الكمبيوتر الأمريكي والمتخصص في علم المستقبل راي كورزويل، وعالم الروبوتات الكندي هانز مورافيك، والباحث الأمريكي في مجال تكنولوجيا النانو إريك دريكسلر، بالإضافة إلى مجموعة من المفكرين مثل الفيلسوف الأمريكي جيمس هيوز والفيلسوف السويدي نيك بوستروم.

لا تعد فكرة تحسين أجسام البشر تقنية جديدة، ففي الماضي صنع الإنسان أجهزة مثل الأرجل الخشبية والنظارات والأسنان الاصطناعية، لكن بالنسبة لحركة ما بعد الإنسانية، ففي المستقبل سنستخدم الأجهزة المدمجة في أجسادنا لزيادة قدرات حواسنا حتى نتمكن من اكتشاف الأشعة تحت الحمراء أو فوق البنفسجية مباشرة دون آلات ومعدات خارجية، كما سنعزز عملياتنا المعرفية من خلال ربط أنفسنا برقائق الذاكرة.

وهكذا، من خلال دمج الإنسان والآلة، سيصبح البشر أصحاب ذكاء وقوة أكبر وعمر أطول، وهو ما يجسد الإنسان كما الآلهة في أدبيات الحركة.

توجهات متعددة.. هدف واحد

تطورت الحركة منذ بداياتها كاتحاد فضفاض بين مجموعة علماء ومفكرين، لكن فيما بعد انقسمت الحركة بين أتباع رؤيتين: واحدة أثرت التطورات التكنولوجية والجينية الكبيرة والمتسارعة على رؤيتهم، وأصبح هدفهم خلق نوع متميز من البشر المعززين بالتكنولوجيا الحيوية. اعتمد هؤلاء على أنواع مختلفة من التكنولوجيا، بما في ذلك الهندسة الوراثية والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا النانو.

أما المجموعة الثانية فاعتمدت بشكل أكبر على الذكاء الاصطناعي وعلم تعلم الآلة والروبوتات، لاعتقادهم أن ذلك سيرتقي بذكاء الإنسان.

هكذا إذًا يصبح مفهوم المصطلح “ما بعد الإنسانية”، حيث عالم لن يصبح الإنسان فيه كائنًا طبيعيًا صافيًا، سيندمج والآلة، ليكونا كائنًا فريدًا، أكثر ذكاءً وقوة.

في عام 1998 أسس الفيلسوف السويدي بوستروم، ومعه الفيلسوف البريطاني ديفيد بيرس، الرابطة العالمية لما بعد الإنسانية، كمنظمة غير ربحية مكرسة للعمل مع المؤسسات الاجتماعية، بغرض تطوير تقنيات تعزيز القدرات الإنسانية، ومواجهة ما يعتبرها قوى رجعية تسعى لوقف هذا التيار من التقدم التكنولوجي.

آمن أفراد حركة ما بعد الإنسانية، أن المنظومات الاجتماعية التقليدية، على رأسها الدين، وكذلك الأسرة، من شأنها ليس فقط التأثير على مسار التطور التكنولوجي، بل أيضًا عرقلته تمامًا.

نيك بوستروم و”الذكاء الخارق”

في كتاب “To Be a Machine” الفائز عام 2018 بجائزة Wellcome Book، لخص مارك أوكونيل أهداف حركة ما بعد الإنسانية في:

  • القضاء على الشيخوخة كسبب للوفاة.
  • استخدام التكنولوجيا لتقوية أجسادنا وعقولنا كبشر.
  • الاندماج مع الآلات وإعادة تشكيل أنفسها على صورة مثلنا العليا.

في الوقت الحالي، تنتشر الحركة في أمريكا الشمالية وبريطانيا. ويعد نيك بوستروم أبرز رموزها.

وُلد بوستروم في السويد عام 1973. حصل على الدكتوراه في الفلسفة من مدرسة لندن للاقتصاد، ثم أسس عام 2005 مركز مستقبل الإنسانية بجامعة أوكسفورد، والذي ضمّ فرقًا في تخصصات مختلفة، معنية بدراسة قضايا ما بعد الإنسانية مثل حوكمة الذكاء الاصطناعي وسلامته على البشرية، والأمن البيولوجي، وغيرها.

في عام 2008، أصبح بوستروم أستاذًا في كلية الفلسفة بأوكسفورد. إضافةً لذلك، يستند بوستروم على معرفة بالفيزياء النظرية وعلم الأعصاب الحساب والمنطق وعلوم الذكاء الاصطناعي. وقد أُدرج مرتين في قائمة أفضل 100 مفكر عالمي. من أجل ذلك أصبح بوستروم فيلسوف ما بعد الإنسانية الرائد حاليًا.

في دراساته وأبحاثه، توقع بوستروم أن التقدم المتسارع في التكنولوجيا سيؤدي إلى تغييرات جذرية اجتماعية واقتصادية، وحتى بيولوجية. هكذا يتحقق ما تسميه الحركة بـ”التفرد” الذي سيؤدي للحظة تحول تاريخي للبشرية.

وفي كتابه الأكثر شهرة “الذكاء الخارق” المنشور عام 2014، طرح بوستروم عدة أسئلة، مثل: ماذا يحدث عندما تتفوق الآلات على البشر في الذكاء العام؟ وهل التقدم التقني ينقذنا أم يدمرنا؟

كتاب "الذكاء الخارق" لنيك بوستروم
كتاب “الذكاء الخارق” لنيك بوستروم

يضع بوستروم في كتابه الأطر والأسس لفهم مستقبل البشرية والحياة الذكية. يقول بوستورم: “يمتلك دماغ الإنسان بعض القدرات التي تفتقر إليها أدمغة الحيوانات، ولهذه القدرات المميزة يدين جنسنا البشري بمكانته المهيمنة، لكن إذا تجاوزت أدمغة الآلة أدمغة الإنسان في مستوى الذكاء العام، فإن هذا الذكاء الخارق الجديد يمكن أن يصبح قويًا للغاية وسيكون خارج عن إرادتنا، وهو ما سيجعل مصير البشرية أيضًا يعتمد على أفعال الذكاء الخارق للآلة”.

ويرى بوستروم الذكاء الخارق باعتباره تهديدًا وجوديًا يلوح في الأفق، وقوة هائلة لسنا مجهزين للتعامل معها. لذلك فإنه يقترح للنجاة من المواجهة الحتمية مع الذكاء الاصطناعي الخارج، أتمتة الأدمغة البشرية، وتضمينها بأجهزة تحسن أدائها.

ثقافة عالمية

تحول ما بعد الإنسانية من حركة علمية فكرية، لثقافة عالمية، انخرطت شركات مع نماذجها المقترحة لخلق تراكم لرأس المال. من ذلك عمل شركة Seismic الأمريكية على تصنيع ملابس مزودة بالطاقة للارتداء تحت الملابس العادية، تمنح المستخدمين كبار السن غالبًا، قوة جسدية إضافية.

لا يقتصر الأمر على الأجهزة التكنولوجية المصنعة للإدماج بجسم الإنسان، بل تتعداها إلى الصناعات الدوائية والمستحضرات الطبية المعدة لأصحاب أمراض محددة، مثل: عقار الإريثروبويتين (EPO) الذي يزيد إنتاج خلايا الدم الحمراء لدى المرضى فقر الدم الحاد، ويتناوله الرياضيون أيضًا كمقوٍ لتحسين قدرة مجرى الدم على حمل الأكسجين غلى عضلاتهم.

بالنسبة لعلماء ما بعد الإنسانية، ليست هذه سوى مجرد بداية، ففي معرض حديث أحد هؤلاء العلماء، وهو بلاي وايتباي، الخبير في الذكاء الإصطناعي، يقول: “سيتمكن الرياضيون الذين يجرون على شفرات من ألياف الكربون، التفوق على أولئك الذين يجرون على أرجل طبيعية”، ما قد يعنيه ذلك، إقدام البعض على بتر أعضائهم الطبيعية دون سبب طبي، سوى استبدالها بأرجلٍ صناعية!

وفيما يخص دمج مستشعرات داخل جسد الإنسان، يقول كيفين وارويك، خبير علم التحكم الآلي، والذي زرع في جسده عدة أجهزة إلكترونية ومستشعرات: “وصلت جهازي العصبي بجهاز الكمبيوتر الخاص بي حتى أتمكن من التحكم في يد روبوت. لقد فعلت ذلك عندما كنت في نيويورك، بينما كانت اليد في معمل بإنجلترا”.

معظم زخم تأسيس هذه الأشكال من التكنولوجيا ما بعد البشرية، يأتي من وادي السليكون، هناك مثلًا إيلون ماسك، مؤسس شركة تيسلا للسيارات الكهربائية والذكية، ومؤسس شركة SpaceX، المصنف أغنى رجل في العالم هذا العام. يؤمن ماسك أيضًا أنه لتجنب التكرار في مواجهة تطور الذكاء الاصطناعي، على البشر الاندماج مع الآلات لتعزيز الذكاء.

رغم أن التكنولوجيا اللازمة لتحقيق أهداف حركة ما بعد الإنسانية تعتمد على التطورات غير المحققة حتى الآن في الهندسة الوراثية وتكنولوجيا النانو وغيرهما العلوم الأخرى، وقد تستغرق عقود حتى تؤتي ثمارها، لكن هناك دعم كبير من قبل العديد من المدافعين عن هذه الفلسفة وأهدافها، مثل المخترع ورائد الأعمال الأمريكي راي كورزويل، ورائد تكنولوجيا النانو إريك دريكسلر، ومؤسس PayPal بيتر ثيل، والذين سعوا إلى تنفيذ فكرة ناشئة بتخزين أجساد الموتى في النيتروجين السائل، والحفاظ عليها مبردة، حتى تصل العلوم الطبية إلى مرحلة يمكن فيها إحياء أجسادهم مرة أخرى وتقويتها.

وفي هذا الصدد، شُيدت إلى الآن أربعة ثلاجات تبريد مخصصة، ثلاثة منها في الولايات المتحدة وواحدة في روسيا. وتعد أكبر المؤسسات في هذا المجال، مؤسسة Alcor Life Extension Foundation في أريزونا بالولايات المتحدة، والتي تخزن ثلاجاتها أكثر من 100 جثة يسميها موظفوها “المرضى”، ذلك على أمل إحيائهم من جديد مستقبلًا.

يصف أوكونيل هذه الفكرة/الثلاجات بـ”مكان إيواء جثث المتفائلين”!

يبشر مريدو ما بعد الإنسانية بيوم يحرر فيه البشر أنفسهم من قيودهم الجسدية. ويعتقدون أن لحظة التفرد هذه ستكون في حوالي عام 2030، عندما ستمكن التكنولوجيا الحيوية من الاتحاد بين البشر والآلات الذكية، ليصبح العقل الإنساني-الآلي حرًا، يتجول في أرجاء كون من صنعه.. صورة يراها البعض حُلما لخلق أشباه آلهة.

أحمد ناصر

صحفي بيانات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى