ما بعد الانفصال عن الإسلاموية: المقامات الأربعة

منتصر حمادة

كاتب وباحث مغربي

تروم هذه المقالة التوقف عند ظاهرة مسكوت عنها عند الإسلاميين الذين انفصلوا أو أخذوا مسافة من الحركة الإسلامية التي كانوا ينتمون إليها في مرحلة سابقة، سواء تعلق الأمر بحركات سلفية أو حركات إخوانية، وسواء طال الأمر حركات دعوية أو سياسية أو قتالية.

تتأسّس المقالة على فرضية مفادها أن الحديثَ عن انفصال متديّن إسلامي حركي من حركة إسلامية ما، لا يُفيد أننا إزاء حالة نمطية، يهم جميع المنفصلين ويهم جميع الأعضاء السابقين في الحركة المعنية، لأننا إزاء عدة حالات في الساحة العربية، وبالتالي لسنا أمام حالة واحدة، صالحة لكي نُسقطها على الجميع، وإلا سوف نتيه في قراءة التباين الحاصل في مواقف هؤلاء، اتجاه التعامل مع التنظيم السابق أو مع الآخر (باقي التنظيمات الإسلاموية وغير الإسلاموية)، فالأحرى التعامل مع المجتمع والدولة والعالم.

ومما يُذكي أو قل يُغذي هذه الفرضية، ما عايناه عَمليًّا على أرض الواقع، من خلال لقاءات ومعاينات وقراءات، ونذهب إلى أنه يمكن حصر أهم الاتجاهات التي تهم الأعضاء السابقين، في أربع خانات أو أربعة اتّجاهات:

حالة انفصال نظري وتنظيمي قولًا وفعلًا، وحالة انفصال نظري بدون انفصال تنظيمي، وحالة انفصال تنظيمي بدون انفصال نظري، وأخيرًا حالة انفصال نظري وتنظيمي قولًا دون أي تحقق له فعلًا. وبيان ذلك كالتالي:

ــ نبدأ بالنموذج الأول، ويهم حالة المتديّن الإسلامي الحركي الذي انفصل نظريًّا وتنظيميًّا عن المشروع الإسلامي الحركي، ويمكن التوقف هنا عند عدة حالات مغربية، فالأحرى الحالات العربية. منها الثلاثي “فريد الأنصاري” و”محمد لويزي” و”عمر العمري”. ومن يقرأ الأعمال البحثية التي حررها الثلاثي، يتأكد من هذا المعطى، بصرف النظر عن حضور بعض الذاتية في النقد، كما هو الحال، ولو بشكل نسبي في بعض أعمال “فريد الأنصاري”، ولكنه حضور ثانوي مقارنة مع حضور الهم الموضوعي، بالصيغة التي تضمنتها أغلب أعماله، وخاصة ثلاثية “البيان الدعوي”، و”الأخطاء الستة للحركات الإسلامية بالمغرب”، و”الفِطرية”، مع تأمل مضامين أو دلالات العنوان الفرعي للإصدار الثالث، وجاء كالتالي: “بعثة التجديد المقبلة، من الحركة الإسلامية إلى دعوة الإسلام”.

ليس هذا فحسب، وكما نقرأ في أعمال “محمد لويزي” و”عمر العمري”، فقد وصل خطاب القطيعة مع المشروع الإسلامي الحركي إلى درجة الحديث عن إعادة اكتشاف الإسلام من جديد، وهذه إشارة دالة على هول المفارقة بين معتقد المتديّن أثناء فترة الانتماء للمشروع الإسلامي الحركي، حيث الاعتقاد حينها أن هذا المشروع يُمثل الإسلام، بسبب التماهي بين الدين والتديّن؛ وبين مرحلة ما بعد الانفصال، بعد مرور من مرحلة قناعة راسخة بأن المشروع لا يُمثل إلا نفسه، لأن الإسلام -أساسًا- لا يمكن اختزاله في حزب سياسي أو حركة إسلامية أو تيار سلفي أو طريقة صوفية؛ بل إن المؤسسات الدينية ذاتها لا تدّعي أنها تمثل الإسلام بقدر ما تسهر على ما يُصطلح عليه هنا في المغرب بـ”صيانة الأمن الروحي”، عبر العمل بمقتضى الوعظ والتوجيه والإرشاد. (نقول هذا بصرف النظر عن مميزات النموذج المغربي في التديّن، مع وجود خصوصية لا نجد لها مثيلًا في أي دولة مسلمة، عنوانها مؤسسة إمارة المؤمنين، الساهرة على حماية الملة والدين، بمقتضى التاريخ والعرف، قبل مقتضى الوثيقة الدستورية).

ــ هناك ثانيًا نموذج المتديّن الإسلامي الحركي الذي انفصل نظريًّا عن التنظيم، دون أن يُصاحب هذا الانفصال مقابل تنظيمي، وهذه ظاهرة عايناها في الحالة المغربية مباشرة بعد أحداث “الفوضى الخلاقة” التي اصطلح عليه إعلاميًّا وبحثيًّا لاحقًا بأحداث “20 فبراير”، حيث اتضح أن بعض أعضاء حركة “التوحيد والإصلاح” وحزب “العدالة والتنمية” (وكلاهما من مرجعيات إخوانية)، ورغم انفصالهم النظري المزعوم عن المشروع، عادوا للتنظيم من أجل الترشح للاستحقاقات الانتخابية، كما هو حال بعض رموز ما يُصطلح عليه “تيار أكادير” الإخواني.

وواضح أن غلبة الحسابات الذاتية والإغراءات الشخصية تقف وراء هذه العودة البراجماتية للمشروع، وتشبه هذه المعضلة حالة بعض أتباع جماعة “العدل والإحسان”، من الذين يؤمنون بما يُسمى “إقامة دولة الخلافة على منهاج النبوة”، بينما واقع الحال يُفيد أننا نعيش في دولة وطنية، إضافة إلى أن شعوب المنطقة لا ترفع هذا الشعار أساسًا، ولكن التخلي عن هذا الشعار معناه الانفصال عن الجماعة (ولا نتحدث هنا عن الذين يؤمنون بالشعار قلبًا وقالبًا). بمعنى أن القاسم المشترك بين التيارين، يُفيد عدم الإيمان النظري بهذه الشعارات الإسلاموية، وبالتالي أخذ مسافة نظرية منها، دون الإعلان الصريح، من باب البقاء في المشروع قصد الاستفادة المادية والرمزية من عائدات الانضمام وبالتالي الولاء.

ــ هناك ثالثًا نموذج آخر، يهم المتديّن الإسلامي الحركي الذي انفصل تنظيميًّا عن المشروع، دون تبني الانفصال النظري، وهذا هو السائد بشكل كبير عند العديد من الإسلاميين سابقًا، مقارنة مع النموذج الثاني سالف الذكر، والذي يبقى أقلية. وهناك عدة مؤشرات أو وقائع تخول للمتتبع أخذ فكرة عن بعض معالم هذا النموذج، منها الانخراط في تفاعلات رقمية مع أعضاء التنظيم الديني الأيديولوجي الذي كان ينتمي إليه المعني بصيغة أكثر وضوحًا مقارنة مع باقي التنظيمات الدينية الأيديولوجية، كما لو أن الجهاز المفاهيمي للمتديّن المعني لا يزال متأثرًا أو خاضعًا لآثار النهل الأيديولوجي، رغم الانفصال التنظيمي.

ومن بين تفسيرات هذه المعضلة، نتحدث عن فرضية ثانية، مفادها أن انفصال المتديّن الإسلامي الحركي عن تنظيم ما، والحديث هنا عن انفصال صريح، في شقيه النظري والتنظيمي، يُصاحبه تعرض هذا المتديّن لما يُشبه مضاعفات لا ينتبه إليها، بسبب تأثير النهل الأيديولوجي، وقد تصل تلك المضاعفات إلى درجة تصفية الحسابات مع التدين، اعتقادًا منه في حال تصفية الحسابات مع الدين (عبر بوابة الإلحاد النفسي) أنه يُصفي حساباته مع التديّن.

ومن المضاعفات أيضًا أن يُصبح منفتحًا على الغير والعالم والأفكار بشكل متسرع أو متهور، إلى درجة قد ينتقل معها إلى النقيض الأيديولوجي، كما نعاين ذلك مع العديد من الحالات في الساحة، إخوانية سابقًا أو سلفية سابقًا.

وعند التدقيق الأكثر مع التبعات النفسية أو المضاعفات النفسية المرتبطة بهذا النموذج، يمكن أن نظفر بمفتاح تفسيري لكي نقرأ عدة ظواهر نقدية لأصحاب هذا الاتجاه في معرض التفاعل مع بعض أحداث الساحة. ومن ذلك، على سبيل المثال الرقمي لا الحصر، فالأحرى الأمثلة المادية في المؤتمرات والندوات والإصدارات، أن تبني خيار الانفصال التنظيمي بدون انفصال نظري، يفسر انخراط المتديّن في النقد السياسي للدولة حتى بعد الانفصال عن المشروع، ونجد هذه الظاهرة عن المتديّن الذي كان محسوبًا على المرجعية الإخوانية، وانخراط المتديّن في النقد العقدي للغير حتى بعد الانفصال عن المشروع، ونجد هذه الظاهرة عن المتديّن الذي كان محسوبًا على المرجعية السلفية الوهابية. (ويمكن التفصيل أكثر مع حالة المتديّن الإخواني الذي تعرض جهازه المفاهيمي للتسلف، أي تأثر بالخطاب السلفي الوهابي، أو المتديّن السلفي الوهابي الذي تعرض جهازه المفاهيمي للأخونة).

ــ بقي أمامنا النموذج الرابع، ويهم المتديّن الإسلامي الحركي الذي يدعي أنه انفصل نظريًّا وتنظيميًّا عن المشروع، دون أي تفعيل لهذا الانفصال على أرض الواقع، وتتوزع هذه الحالة على اتجاهين اثنين: اتجاه يتم فيه الانفصام بين القول والفعل، أي بين زعم الانفصال النظري والتنظيمي، وعدم تفعيله عن وعي، وهذه حالة تصنف في خانة الازدواجية أو قل “التقية”، حسب الاصطلاح الإخواني؛ أو اتجاه يتم فيه هذا الانفصال عن غير وعي، وهذا اتجاه مَرَضي، وفي حاجة إلى ما يُشبه العلاج النفسي أو الروحي أو كلاهما.

كانت هذه أربعة مقامات على الأقل، تهمّ الحالة النفسية للمتديّن الإسلامي المنفصل عن المشروع الإسلامي الحركي، في تفرعاته الدعوية والسياسية والقتالية، وتوقفنا هنا عند التفرع الدعوي والسياسي، لأن الحديث يطول في حالة المتديّن القتالي المنفصل عن المشروع، وواضح أن هذه ظاهرة تستحق المزيد من التدقيق النظري، مع الاستعانة بأدبيات التحليل النفسي وأدبيات علم التصوف، من باب مساعدة هذه الفئات على الخروج بأقل الأضرار من مرحلة المضاعفات النفسية لمرحلة الانفصال، أو من أجل استشراف أداء هذه التيارات المتذبذبة، فالأحرى استشراف أداء الإسلاموية.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search