دراسات وتحليلات

ما بعد السلفية المصرية: بين السلفيتين العلمية والمدخلية (2-2)

كيف يفكر العقل الإسلامي في المستقبل؟ (6)

في حلقتنا السابقة تناولنا سمات السلفية العلمية، وتصوراتها العقيدية والسياسية، وبنيتها التنظيمية، ومنطلقاتها في العمل السياسي، ومواقفها من الدولة والأحزاب والقوى السياسية والدينية الأخرى، ومجموعة أخرى من القضايا الجوهرية، ثم ختمنا برؤية تحليلية مختصرة عن مستقبلها ووجودها الاجتماعي والسياسي، في هذه الحلقة سنتناول بالتفصيل مدرسة سلفية أخرى، وهي مدرسة السلفية المدخلية، والتي لا يمكن بأي حال تجاهل وضعها ووجودها، وتصوراتها الدينيّة والاجتماعيّة والسياسيِّة، وامتلاكها لتأثير لا بأس به في سياق التدين العام.

بداية؛ الدارسون بشكل جيد للحركة الإسلامية بتنوعاتها يدركون أن الكثير من سمات المدرسة السلفية تعود للتيار المدخلي بالأساس، كطاعة الحكام، والتشدد الفقهي في الأحكام الفرعية، والمنابزة اللفظية، والإسراف في تصنيف مخالفيهم. إلا أن هذا التيار لا يتكيّف ولا يتغير ولا يتبدل، لسبب بسيط، أنه زاهد في السلطة وفي دعم من يشغلها.

  1. البناء الفكري للسلفية المدخلية: الصراع مع الجميع

جاءت نشأة “السلفية المدخلية” كاعتراض فكريّ على تيار الصحوة في السعودية، أو التيار السروري الذي هاجم بضراوة مشاركة القوات الأجنبية في الحرب ضد صدام حسين، وأثار قضية حكم الاستعانة بغير المسلمين في قتال المسلمين، فبَدَّع “ربيع المدخلي” كل التيارات التي تعترض على حكام الخليج، وذهبوا أبعد مما ذهبت إليه مؤسسات الدولة كهيئة كبار العلماء، والتي أفتت بجواز دخول القوات الأجنبية لأن فيها مصلحة، إلا أنهم لم يجرِّموا من حرّم دخولها، فجاء الجامية واعتزلوا كلا الطرفين وأنشئوا فكرًا خليطًا يقوم على مشروعية دخول القوات الأجنبية، ومعاداة من يُحرِّم دخولها أو ينكر على الدولة ذلك.

اقرأ أيضًا: ما بعد السلفية المصرية: بين السلفيتين العلمية والمدخلية (1-2)

 

ربيع-المدخلي_1
ربيع المدخلي

فُتِحت المنابر الإعلامية أمام هذا التيار، ففي مصر كانت قناة “البصيرة” منبرهم الإعلامي رغم إغلاق كافة قنوات الإسلاميين. وبالإضافة لظهورهم في قناة “الأثر”، وشبكات التواصل الاجتماعي دون أدنى مراقبة أو تضييق، وقام بنائهم الفكري على الأسس التالية:

  • اعتزال السياسة:

يعتزل هذا التيار السياسة جملةً وتفصيلًا، ويعتبر الحديث في الشئون السياسية خروجًا على الحاكم، ومخالفةً لمنهج أهل السنة والجماعة، كما أفتى “سعيد رسلان” في ديسمبر 2017 بحرمة منافسة الرئيس في الانتخابات الرئاسية.

آمن رسلان بأنّ محور الدعوة هو التوحيد الخالص لله، وأنّه ما كان للجماعات الإسلامية أن تترك هذا الأصل إلى ما دونه من الاشتغال في السياسة، وترك الناس يذهبون إلى الموالد الشركية، ومهاجمة الحكام، فتقع الفتن. فهم يرون بأن السياسة ليست من سبل الإصلاح المجتمعي، وأن الإصلاح الثقافي هو السبيل الوحيد، وأي منهج آخر هو ابتداع.

  • الطاعة المطلقة لولي الأمر:

للسلفية المدخلية كثير من الفتاوى الشاذة، منها فتوى “لطفي عامر” في 2011 بإهدار دم البرادعي لإعلانه الترشح ضد مبارك. كما أفتى طلعت زهران في 2014، بأن “مبارك كان يُثاب شرعًا على تزويره الانتخابات، وأن تزوير الانتخابات واجب شرعي”. حيث تُوالي المدخلية الحاكم بشكل مطلق، ويعتبرون النصيحة للنظام خروجًا عليه، وتُوجِب قتل الخارجين على الحاكم، ويعطون الحاكم صلاحيات مطلقة حتى في الدماء.

لم يختلف المداخلة عن غيرهم من التيارات السلفية غير الجهادية في اعتقادهم بعدم الخروج على الحاكم، إلا أنهم يختلفون في أنه لا يجوز معارضة الحكم مطلقًا، ولا حتى إبداء النصيحة له في العلن، وتعتبر ذلك أصلًا من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة، وتعتبر أن الولاء للحاكم لا يكفي إذا لم يتم الاعتراف بمؤسسات الدولة الأخرى كمنصب المفتي مثلًا، كما أنها تعتبر أن الجماعة المسلمة هي الدولة والسلطان، ومن ثَمَّ فهي تشن هجومًا حادًا على أية عمل جماعي، وتناهض الجماعات الإسلامية والحزبية؛ لأنها ضد مفهوم الجماعة في رأيهم، ومن ثَمَّ فهم “خوارج” على النظام ومُبتدعة في الدين.

ولذلك حين تم إيقاف “سعيد رسلان” عن الخطابة استجاب لقرار إيقافه، وفق مبدأ طاعة ولاة الأمور، إذ اعتبر الأوقاف مؤسسة رسمية تمثل امتدادًا لولاة الأمر، وبالتالي فطاعتهم واجبة.

  • تحريم الاعتصامات والمظاهرات:

يحرِّمون المظاهرات مهما كان الحاكم، الظلم، أو المخالفات؛ فالدخول في المظاهرات عمل يهودي ماسوني، لا يقرّه الإسلام بدعوى ما يترتب على تلك الثورات من قتل واعتقال.

قال “سعيد رسلان” مُعلقًا على ثورة يناير؛ إن الذين بدءوا بتلك الحركة لم تنقصهم الحرية، فهؤلاء متحللون، إنها حرية الانعتاق من العقيدة ومن كل ما يمت إلى الدين. واتهم رسلان الديمقراطية بأنها نظام إلحادي جاهلي.

  • تعطيل الجهاد:

السلفية المدخلية لا الجهاد يمنعونه صراحةً، ولكن يُعطِّلونه تحت ذريعة أن المسلمين اليوم ضعفاء، ويرون شرعية الجهاد بشروطه المعتبرة، وهي أن يكون على قدرة وبإذن ولي الأمر.

  • التوسع في وصف الخوارج والتشنيع على مخالفيهم:

يرمي المداخلة كل مخالفيهم بالخوارج، فأعملوا منهج الجرح والتعديل على كل مخالف، فهاجموا الإخوان وتتبعوا أخطائهم وصولًا لنتيجة مؤداها أن وجود الإخوان جعل الواقع أكثر مرارة وزاد الفرقة والانحراف عن النهج السلفي، وأنها جماعة بدعية تكفيرية خوارجية خارجة على منهج أهل السنة والجماعة.

أمّا الفرق السلفية، فلم تترك المدخلية فصيلًا منها إلا هاجمته، وكان الهجوم على السلفية الحركية الأشرس بوصفهم أهل ثورة وفتن. وهاجموا رموز السلفية العلمية بأنهم قومٌ مراوغون مخادعون وأنها قطبية مكررة. وهاجموا الجماعات الجهادية، فالجهاد عندهم يرتبط بالغاية من ورائه وهي المصلحة؛ فالمداخلة شديدو الهجوم على الحركات الجهادية لأنها لا تحكم هذا المعيار، ويرون أن الجهاد في زماننا من فروض الكفايات؛ لأن هناك جيشًا يسد هذا الواجب العيني.

  1. تنظيم السلفية المدخلية: أفقية متطرفة

المدخلية ليست تيارًا منظمًا كالدعوة السلفية، إنما مجموعة من الشيوخ المتناثرين، هذا التيار ليس بينه أي ارتباطات تنظيمية، كما لا توجد له زعامة موحدة بل زعامات كثيرة متنوعة، يجتمعون في مسائل، ويفترقون في أخرى إلى درجة القطيعة. فالمدخلية ظهرت كتيار يحارب العمل الجماعي المنظم عمومًا والمعارض للدولة على وجه الخصوص.

فهو كحركة اجتماعية تتسم بالأفقية Horizontalism بشكل حاد، فهي حركة بلا قيادة، ليس لديها هيكل هرمي حقيقي بل تعمل من خلال الشبكات، تشكل روابط أفقية لا عمودية، مما يعني أن تسلسل قيادتها لا يمكن تعطيله، فلا يمكن تتبعها بسهولة لأنها تتنتشر وتتواصل وتتطور عبر العديد من الخطوط المتشابكة. ([1])

تحمل المدخلية بداخلها عوامل موتها السريع، فطبيعتها سمحت لصغار منتسبيها بالتوسع في التبديع والتجرؤ على الشيوخ، فظهر ما يعرف بـ “الصعافقة” أو “الحدادية الجدد”، ويُعامل المداخلة هؤلاء معاملة ازدراء وتبديع من باب هجر المُبتدع.

وصل هذا الانقسام إلى مصر، خاصة مع وصف بعض أبناء التيار سعيد رسلان بأنه لديه خلل في العقيدة.

  1. كيف سيكون مستقبل السلفية المدخلية؟

عندما نسأل على المستقبل، فإن سؤالنا ينطلق من معطيات الحاضر، وحاضر السلفية المدخلية لم يبدأ حتى ينتهي. وأعتقد أنها ظاهرة مؤقتة ستعجز كليًا عن التطور، لأسباب عدة:

  • التنظيم:
محمد سعيد رسلان مع تلاميذه
محمد سعيد رسلان مع تلاميذه

نحن أمام كيان بدون قيادة واضحة، بدون هيكل تنظيمي محدد، هناك سيولة فائقة داخل مكوناته تسمح بالتطور السريع في اتجاه مزيد من التبديع والتكفير والتجهيل. نحن أمام مشاجرة داخلية زاعقة مستمرة سلاحها هو إسقاط منهج الجرح والتعديل على الخصوم. ليس هناك أي سبب يدعونا للتنبؤ بوجود تنظيم سياسي للمدخلية لأنها ببساطة ترى هذا خروجًا على الحاكم.

نحن أمام مظاهرة عشوائية مؤيدة للحاكم (أي حاكم)، ومُحارِبة للمعارضة (أي معارضة)، بلا ثمن وبلا مصلحة واضحة. لن يكون هناك تنظيم للمدخلية في مصر أو غيرها، بل مجرد مشايخ مستقلون متناثرون يظهرون حين يُسمح لهم بالظهور ويختفون عندما يؤمرون بذلك.

  • الخطاب:

لا يوجد إطار فكري من الأساس، بل مقولة واحدة تُلوى بها كافة النصوص، هذه المقولة مؤداها: كيف نحمي حق الحاكم في أن يحكم رعيته كيفما شاء، ووقتما شاء دون أن يناوئه مناويء أو ينازعه منازع. هذه المقولة لا تمثل إطارًا فكريًا، بل موقف سياسي أحادي لا يتغير بتغير الظروف ولا الأشخاص، يحجر على الواقع وتفسيراته ومنْ يعايشونه الآن وفي المستقبل.

  • العلاقة بالقوى الأخرى:

لن تتطور علاقتهم بمختلف قوى المجتمع المدني، فلا يحتاجهم أحد، وهم بدورهم لا يحتاجون أحدًا.

الخلاصة

أعتقد ان التمايز بين السلفية العلمية والحركية أصبح في طور الانتهاء، فما يفصل بينهما لا يزيد عن موقفهما السياسي من الإخوان المسلمين، بل إنني أزيد عن أن التمايز السلفي هو أمر مُتوهَّم، وهو مجرد اختلاف تكتيكي وقتي في أساليب العمل ومناهج التغيير، فالنصوصية الجامدة، والتكفير الكامن، ومحدودية الممارسة الاجتهادية، وعدم الاشتباك الفكري مع معطيات الواقع، أمر تشترك فيه السلفية المصرية على كافة أطيافها.

ربما تتطرف المدخلية يمينًا في اتجاه موالاة الحاكم، بينما تتأرجح السلفية الجهادية باتجاه العنف والعمل السري، ولكننا لا زلنا أمام حالة سلفية نصوية جامدة لا تنتج جديدًا، اللهم إلا اتجاهها الانتهازي لمشروعية العمل العام.

إننا إزاء ما يكن أن نسميه “ما بعد السلفية”، ليس فقط لأنها اتجهت للعمل العام، ولكن السمة الأبرز هو انقطاع التمايز الداخلي في اتجاه تكوين كتلة سلفية كبيرة تنمو بلا انقطاع عدديًا، في ضوء أزمات الهوية والاغتراب، ولكنها تموت فكريًا وحضاريًا بسرعة أكبر.

المراجع

[1]– Josephine van den Bent, ‘We are always the ones paying for the drinks’ Egypt’s Salafyo Costa as a Post- Salafist Horizontalist Social Movement Organisation, thesis, 24 August 2012, pp 21-22.

محمد بشندي

باحث دكتوراه متخصص في شؤون الحركات الإسلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى