وجهات نظر

ما تبقى من الجاتوه

محمد السيد الطناوي

أقدمت كل الأطراف في حادثة نادي الجزيرة على المتوقع منها عدا طرف واحد، فسيدات نادي البرجوازية احتفلن بعيد ميلاد إحداهن بطريقة تكسر رتابة يومهن وتُضفي جوا من المرح على جلستهن، ثم وجدن من ينتهك خصوصيتهن وينشر صورا للاحتفال بفضل ثقافة لا تعترف بالخصوصية وقانون لا يحميها، والأمن مثل العادة تعامل فألقى رجاله القبض على صانعة الجاتوه! ولا أحد يعلم بأي تهمة، ومواقعنا الصحفية الأبرز مثل: المصري اليوم واليوم السابع والوطن غطت الحادثة باعتبارها “فضيحة”، وكان الطرف الوحيد، الذي تصرف بخلاف المتوقع هو عمرو جزارين، رئيس النادي.

نشر “جزارين” “بوست” نافح فيه عن عضوات ناديه، مُدينا التشهير بهن على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو سلوك غير معتاد من المسؤولين ببلدنا، فدفْعُ التهمة، أو حتى المزايدة على المحتجين والغاضبين، هو أول ما يخطر ببال مسؤولينا، وليست واقعة الفلوانسر حنين حسام ـ على سبيل المثال ـ ببعيدة، عندما أحالها الدكتور عثمان الخشت، رئيس جامعة القاهرة وداعية التنوير، إلى التحقيق، متوعدا إياها بالفصل النهائي، استجابة لحملة التحريض ضدها على مواقع التواصل الاجتماعي.

واقعة نادي الجزيرة بذلك لا تعدو أن تكون حلقة في سلسلة طويلة من حوادث مشابهة تُغري بكشف ما ليس يوميا في ما هو يومي، وأداة الاستكشاف تبدو في المشترك بين تلك الوقائع، وهي وسائل التواصل الاجتماعي، التي ما فتِئتْ تروّج لحالة من الهياج والتحريض والتشنج الأخلاقي ضد أصحاب الحظ العاثر.

بدلا من أن تُمسي مواقع التواصل معبرا لروابط اجتماعية جديدة، كما هي عليه بمجتمعات أخرى، غلب على استعمالها بمجتمعاتنا، ككثير من منتجات الحداثة، هيئة مغايرة، فالمبالغة المطبوعة عليها تلك المواقع استبدت بصورتها عندنا، حيث يلجأ الواحد منا لسد نقص التفاعل البصري غير المتوفر في الوسيط الاجتماعي إلى المبالغة في الحديث عن نفسه، هذه المبالغة تحرّض على خلط الخاص بالعام مثلما تشجع على تسلط تفضيلاتنا الشخصية على الآخر وإلزامه بها.

كذلك يستطيع المتتبع لسلوك رواد مواقع التواصل، فيما تعلق بحادثة نادي الجزيرة وغيرها، رصد صفات “الجمهور النفسي”، كما حددها عالم النفس دونالد مكدوجال، فهم قابلون للإثارة والتهييج، عصبيون، مشبوبو العاطفة، لا dؤثر فيهم سوى الأهواء الفجة والعواطف البسيطة، سهلو التحريك بالإيحاء، سطحيون في تفكيرهم، عنيفون في أحكامهم، لا يتأثرون إلا بالتحريضات المشتطة، ومن يبتغِ التأثير عليهم، فما عليه أن يعطي حججه طابعا منطقيا، حسبه أن يقدم صورا صارخة الألوان.

وإذا كان قوام هذا العالم الافتراضي التعددية والاختلاف والتنوع، وهي أفكار ثرية، لكن طريقة عملها عندنا مالت بها إلى أن تكون مواقد للصراع وأدوات للحشد والصدام وعدم التسامح، لتنغلق كل مجموعة على أفكارها ويتحول المعتقد الأيديولوجي أو الديني أو الطائفي ـ بعبارة جان بودريارد ـ إلى ما يشبه شعار النسب في طبقة النبلاء القديمة، ويصبح التعلق بالجذور هو “التمايز الجديد لدى الرعاع”.

في ظل هذه الأجواء، التي هي أقرب للفوضى، تغيب أي ضوابط وتتشرذم وحدة القيم الأخلاقية إلى وحدات أصغر، كل منها لا تبلغ إلا أن تحمي الخصوصيات الأيديولوجية أو الدينية أو الطائفية، ومعها تنتفي شمولية المنظومة الأخلاقية وينتهي دورها كضامنة للتماسك المجتمعي، وشتان بين كثرة الوحدات هنا، وكثرة تستوعب التعددية وتُثريها، وربما من الممكن تصوير الفارق بين الكثرتين بمعادلتين للحساب، الأولى هي حاصل طرح والثانية ناتج ضرب أو جمع.

يُصبح مفهوما بعد ذلك العنفُ والتشهير الذي شيّع حادثة نادي الجزيرة وسابقاتها، حينما بلغ الاختلاف بتوصيف عبد الكريم الخطيبي حد “الاختلاف الوحشي أو الساذج”، القائم على نوع من “الانفصال الزائف الذي يقذف بالآخر إلى الآخر المطلق”، فبنية العلاقات في مجتمع مثل مجتمعنا تقوم على نفي الآخر، ولا موضع للاستبطان (التأمل أو الفحص الذاتي) الممارسة التي تتيح التحرر من نزعة التمركز حول الذات، وتبيح “الحق في الخطأ”، مبدأ روزا لوكسمبورج المؤسس على قاعدة فولتير الشهيرة: كلنا ضعفاء وكلنا ميالون للخطأ فدعونا نتبادل التسامح مع حماقاتنا.. هذا هو المبدأ الأول لقانون الطبيعة، المبدأ الأول لحقوق الإنسان كافة”.

وإذا كان من نسبة لرد فعل التشهير والعنف بتلك الوقائع فهو أقرب للصدمة الطفولية منه إلى الغيرة الأخلاقية أو الدينية التي لا تقدم غير نصيحة وحيدة، “ألا سترتَهُ بردائك”، وهي ذاتها نصيحة رواد التنوير ضمانا للحق في الاختلاف بدعوتهم إلى “تقبل طرق متنوعة ومغايرة في التفكير والسلوك دون المصادقة عليها”، لكن الجموع التي منحت مواقع التواصل صوتا لكل فرد منها لا تتقيد بذلك، في سلوك يستدعي مقولة منسوبة لأمبرتو إيكو أن مواقع التواصل الاجتماعي لا تعدو أن تكون قد منحت حق الكلام لفيالق من الحمقى ممن كانوا يتحدثون في البارات والمقاهي، دون أن يتسببوا بأي ضرر، أما اليوم فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل، إنه غزو البلهاء.

Mohamed.altanawy1@gmail.com

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى