ما غاب عن محاورة الطيب والخشت

د. هاني نسيره

كاتب وخبير سياسي

بعيدا عن محاولة تسييس السجال بين شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، ورئيس جامعة القاهرة، الدكتور محمد عثمان الخشت، فإن السياق وبعض التعبيرات أنتجت سوء فهم غطى على الجانب الإيجابي في المسألة، متمثلا في المحاورة الفكرية الخلافية وتعدد وجهات النظر، فإمام كبرى المؤسسات الدينية في مصر يختلف ويتناقش بقوة مع رئيس كبرى جامعاتها الذي انتقد بقوة أداء المؤسسات الدينية، بل وصرح في فقرتين من كلمته بأن “التجديد” لن يأتي من هذه المؤسسات.

ولعل هذا الجدل الإيجابي هو ما أخرج بيانا ختاميا متميزا للمؤتمر، ناقش واشتبك مع 29 مسالة إشكالية ومهمة برؤية مستنيرة ووسطية، ولكن يبقى إشكال، يتمثل في غياب الكيفية التي يمكن من خلالها ترجمة كل هذه الأفكار الجيدة والرصينة والمتزنة للتأثير في وعي الناس الديني والاجتماعي والسياسي والعام، وقاية من التطرف ودفعا لأنسنة إسلامية عامة.

اتفاق كبير وخلاف حاد في نقطتين:

ولكن مع تقديري الشديد للرجلين وللمؤسسات التي يمثلانها، أرى أن الخلاف لم يكن أصيلا، ولكنها منزلقات اللغة والمصطلح التي أظهرت الاتفاق اختلافا في أمور كثيرة، ربما باستثناء نقطتين يمكن وصفهما بالعلميتين الثابتتين:

أولاهما: طرحها المتحدث الدكتور الخشت وهي الاعتماد على خبر الآحاد في العقائد والأحكام، في ملاحظاته العشر عن الأخطاء المنهجية العشرة في ختام كلمته، حيث ذكر أن منها “عدم التمييز بين الأحاديث النبوية المتواترة وأحاديث الآحاد”.

وهنا يثار تساؤل مهم هو: لماذا كل هذا الخلط؟ ولماذا كل هذه الأخطاء المنهجية؟، وهو ما رده شيخ الأزهر بأن التمييز موجود، وذكر أنه لا يؤخذ في العقائد إلا بالمتواتر، وهو الرد محل التحفظ أيضا.

والثانية: طرحها شيخ الأزهر، وهي أن الدعوة للتجديد شرعية ودينية بالأساس، وليست حداثية، وهو أمر الصحيح، وهي في ذلك تختلف عما نسميه الإصلاح الديني، سواء ذلك الذي شهدته أوروبا في القرن السادس عشر أو في تيار الإصلاحية الإسلامية الذي جسدته أفكار جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وخير الدين التونسي وطاهر الجزائري وغيرهم في أواخر القرن التاسع عشر.

مصادر سوء الفهم بين الطيب والخشت:

ظني أن هناك مصادر لسوء الفهم فجرت خلافا بدا حادا في بعض مواضعه، يمكننا تحديده فيما يلي:

المصطلحية بين الرجلين: بحكم التخصص واختلاف اللغتين! والاتجاهين الفلسفيين، فإن ضبابية بعض المصطلحات والتعبيرات والتقريرات التي أتت في محاضرة الدكتور الخشت وكلمته، كانت مثيرة جدا للاتجاه المؤسسي الأزهري الذي يمثله شيخ الأزهر وعلى أرضه ومؤتمره.

من هذه التعبيرات نجد مثلا إصرار الدكتور الخشت على الدعوة للتجديد بتعبير “عقل ديني جديد” يعتبره مختلفا حيث قال في مقدمة كلمته: “فتجديد الخطاب الديني عملية أشبه ما تكون بترميم بناء قديم، والأجدى هو إقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة ولغة جديدة ومفردات جديدة، إذا أردنا أن نقرع أبواب عصر ديني جديد”.. وهو ما يوحي هنا بتجاوز للتراث وعدم الانكباب على تجديده، وتأسيس عقل ديني جديد، بمفاهيم ولغة جديدة ومفردات جديدة كما ينطق النص في حسم ومجازفة.

لكن استدرك الدكتور الخشت وعاد وكأنه يتكلم عن التجديد ثانية، فهو يدعو لخطاب جديد لا يصطدم بالأصول، ولا يتجاوز المرجعية الثابتة للقرآن والنصوص قائلا: “والمقصود هو الخطاب الديني البشري، وليس القرآن الكريم والسنة الصحيحة المطهرة.. ولا يمكن تجديد الخطاب الديني بدون تكوين عقل ديني جديد، ولا أؤمن بإصلاح العقل الديني القديم؛ لأن العقل الديني البشري القديم تشكل في ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية ومعرفية طرحتها العصور القديمة”.

ولكن مفهوم العقل الديني القديم يوحي بأنه كل الخطاب الديني القديم، وهذا بالتأكيد غير المقصود، فهناك ابن رشد والشاطبي والقرافي وأبو حنيفة، وبالطبع هناك من هم أقل تنورا.. وما قصده الدكتور الخشت أنه يمكن للعقل الاستنباطي فهم الدين وأحكامه بعيدا عن التقليد والجمود والانحباس في لحظة السلف والماضي وسياقاتها، لكنه لا ينفي إمكانية الاستفادة منها والاستئناس بها من أجل عصر ديني جديد، وقد أوضح هذا في نص كلمته المنشور على صفحته على المواقع التواصلية حين وصفها بالأبنية العقلية، التي تشير للفهم والتناول والاستنباط، حين قال مبررا لدعوته للطرح الجديد: “الأبنية العقلية القديمة تلائم عصورها ولا تلائم عصرنا؛ فالزمان غير الزمان والمكان غير المكان، والناس غير الناس، والتحديات القديمة غير التحديات الجديدة.. إنني أحب بيت أبي القديم ولكن لا أحب أن أسكن فيه”.

في ظني أن ما ألح عليه الدكتور الخشت في محاضرته هو الحق في النظر والفهم الديني، والتحرر من أسر الجمود والتقليد القديم وهيمنته الناظمة، وهيمنة التطور على المشروع، ولكن التعبيرات لا شك قد تبدو صادمة، لأنها تعني القطع وعدم الاتصال مع التراث، وهو ما لم يقله الرجل في كلمته، واستدرك ونفاه في نصها، مكتفيا بالقرآن والسنة، ولكن لم يشر لأي جوانب عقلانية وإيجابية ولا إلى حوامل التطور والتقدم في التراث كان يمكن استدعاؤها في السياق، ووجد سنده وحوامله في مستجدات العلم والدعوة للغة جديدة لم يحدد كيف ستكون، وتراث كانط وهيوم، رغم أنهما مجددان فلسفيان حداثيان وليسا دينين.

اشتباه الموقف من التراث دون تحديد مفهومه عند الطرفين:

كان تركيز الدكتور الخشت على طرحه في بناء عقل ديني جديد، لكن أفلتت منه بعض التعبيرات التي يمكن أن يساء فهمها، رغم أنه كرر ما قاله الأفغاني ومحمد عبده قديما في شرعية الاجتهاد، حيث قال في صفاء ديني وطموح مفكر مسلم يحمل هموم زمن مختلف وتحدياته: “أقدر تراثنا القديم لكنني أحب (أنا وغيري) أن نصنع تراثا جديدا نعيش فيه؛ فهم رجال ونحن رجال، وهم أصحاب عقول ونحن أصحاب عقول.. إنني وغيري كثيرون لا نحب أن نكون في زمرة القائلين (بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) (البقرة: 170)” .. وهو هنا يقول بأن التجديد وعدم التقليد دعوة قرآنية، وألحت عليها السنة النبوية، فالإسلام كان قطيعة معرفية -بحسب مفهوم فيلسوف العلم جاستون باشلار- يقوم على الاستيعاب للقديم وتجاوزه في آن واحد.

لكن كلام الخشت عن فشل العقل القديم وعن ضرورة بناء عقل ديني جديد أوحى بالقطيعة مع التراث وإلغائه، مما دفع شيخ الأزهر وحفزه للرد بقوله: “”إهمال التراث بأكمله ليس تجديدا وإنما إهمالا.. التراث حمله مجموعة من القبائل العربية القديمة الذين وضعوا أيديهم على مواطن القوة والتاريخ، وأن العالم الإسلامي كانت تسيره تشريعات العلوم الإسلامية قبل الحملات الفرنسية”.. وهكذا احتدت المحاورة خلافا بين اثنين غير مختلفين نتيجة سوء الفهم المصطلحي.

أما الدكتور أحمد الطيب فقد انحرف به الانفعال للرد موحدا بين النصوص والتراث، فاعتبر هذا التراث السبب الرئيس في صناعة المجد التاريخي الإسلامي، وأنه ساد العالم قبل قدوم الحملة الإسلامية، وهذه سياقات أخرى غير التراث نفسه بالتأكيد، وما صنع صورة المسلمين الأوائل من الصحابة والتابعين ومجدهم هو الرسالة والوحي، وليس التراث الذي خرج بعد الفتنتين الأولى والثانية، وقسمت فيه الأمة على طاولة الإمامة الفارقة بين الفرق.

والعقل الديني الجديد الذي ركز عليه المتحدث الدكتور الخشت في كلمته أعاد تعريفه في فقرات تالية، بما يشبه أنه يقصد تراثا جديدا، ويقطع مع التراث القديم، ولم يذكر منه سوى الأشاعرة التي تعتبر أحد ملامح الهوية للأزهر كمؤسسة، وليس كأفراد، وللصوفية في مصر، ومعروف عن شيخ الأزهر انتماؤه اليها، مما يعتبر مثيرا كذلك لشخص المعقب والحضور، حين قال الخشت: “العقل الديني ليس هو الدين نفسه في نقائه الأصلي، بل هو عقل تكون عبر التاريخ، وإذا كان الدين في نقائه الأصلي إلهيا، فإن العقل الديني هو عقل إنساني يتكون في التاريخ وتدخله عناصر إلهية وعناصر اجتماعية واقتصادية وثقافية وغيرها ويتأثر بدرجة وعي الإنسان في كل مرحلة، وتطوير العقل الديني، بما فيه من مكونات من أهمها علم أصول الدين الذي شكلته الفرق المتصارعة غير ممكن بدون تفكيكه، وبيان الجانب البشري فيه، والعودة إلى الأصول الصافية القرآن والسنة الصحيحة… أنا مسلم ولست أشعريا، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم مسلم وليس أشعريا”.

التقريرات التي مست وجدان الأزهر وهويته:

لكن في غمرة حماسه بدت بعض تقريرات الدكتور الخشت صادمة للحضور، من قبيل قوله: “كل من يعيشون في الخطاب القديم من الداخل، لن يمكنهم تأسيس عقل ديني جديد أو خطاب ديني جديد” وهي الكلمة التي تبدو لسامعها المعقب كأنه يقصده ومؤسسته وتقاليدها وتراثها، ولكن لو كان بعض الهدوء لأمكن تفسيرها بطرائق الفهم المتسع والحديث للعصر، وظني هذا دور فردي للمجددين الأفراد، ويكاد يستحيل على أي مؤسسة لها تقاليد أن تغادرها أو تتجاوزها قفزة واحدة.

وأيضا، مما بدا صادما في حديث الخشت حكمه على التفسير القديم بأنه يقوم على الصواب الواحد، وليس على تعددية المعنى وتعددية الصواب،  وظني أن هذا حكم غير منصف، فكثير من التفاسير تجاوزت ذلك، وبعض المفسرين جمعوا كل الروايات والاحتمالات، وانسحبوا في تراثات الأديان الأخرى، لتفسير القرآن، وبعضهم كان عقلانيا بل فلسفيا.

أما سيادة الأشعرية فأمر تمكن مناقشته كذلك، دون أن يعتبر ذلك مساسا بالهوية الأزهرية، رغم أنها هوية تاريخية وليست ثابتة، والأزهر ليس وحدة مصمتة، وليس كل الأزاهرة أشاعرة، بل إن هذه الهوية الكلامية تراجعت منذ انخفاض حدة المعارك الكلامية واختفاء المعتزلة بعد القرن الرابع الهجري، وظهور الحنبلية الجديدة منذ عهد ابن تيمية الذي انتقد الأشاعرة، كما أنصفهم كذلك في بعض كتاباته، ولكن ثمة اتجاه فكري عربي يحملها كثيرا مما لا تحتمل، مثل المسؤولية عن التأخر.

رغم عمق المحاورة والجدل بين شيخ الأزهر ورئيس جامعة القاهرة، وما انتهى له بيان التوصيات من قضايا مهمة، من الحاكمية للفهم والتجديد الفقهي إلا أننا لا زلنا نرى مشكلة عامة في فعاليات وجهود المؤسسات والأفراد في تجديد الخطاب الديني نحددها فيما يلي:

1- شتات مؤسساتي وفردي: نلاحظ غياب المرجعية الناظمة أو الرئيسة، أو الأهداف الموجهة” Targets” وشتات مؤسساتي وفردي، كل يطرح ما شاء، ولم يخرج حتى الآن سياسات وقرارات وتوجهات عامة يمكن أن تغير العقل المسلم، ولكن هنا نتكلم مؤسساتيا بشكل عام، أما الجهود الفردية لأطروحات التجديد- خاصة في سياق الثورة المعلوماتية والتواصلية- فموجودة تحدث أثرها التراكمي وتتحقق تأثيراتها، سواء اتفقنا معها أو اختلفنا.

2- خطورة وعشوائية وتخبط بعض الأصوات وإهمال اجتهادات:

بعض هذه الجهود عشوائية ومتخبطة وتستهدف الإثارة أكثر من الاستنارة فتعيد الكرة للمتطرفين ليشعروا الناس أن هؤلاء يحاربون الدين والمقدس من جديد.. فبعضها قد يضر، وبعضها مفيد جدا، لكنه غير مشهور ولا ينال ما يستحق من اهتمام من قبل الإعلام والمؤسسات، وهنا أتكلم عربيا واسلاميا وعالميا وليس فقط مصريا.

3- غياب استراتيجيات إبداعية قابلة للتنفيد: كان أولى بالحضور والمتحدثين كالدكتور الخشت أن يحدد مصطلحاته وعلاقاته بوضوح من البداية، بل كان يمكن إبراز هذا وتوضيحه في ورقة المؤتمر ومحاوره من البداية، والتفرغ لأفكار قابلة للتنفيذ، وسياسات تجديدية وثقافية تشتبك مع الوعي المتطرف والمأزوم، وتترجم هذا عبر سبل إبداعية ومختلفة.

أما مفهوم التجديد الذي يظل مرتبطا بالمرجعية والتراث ويجدد الدين وفهمه بالعصر ليتكيف معه، فهو غير الإصلاح ذي الطابع الفكري والعقلي الذي يمثل استجابة الدين للعصر، وحاكمية الأخير فيه وفي تنزيلاته، ولذا كان الإصلاح قفزة عقلية ومفهومية ومجالاتية، عكس التجديد الذي يظل مناسبا للدور المحافظ والواعي بالتجاوز عند الاتجاه أو المؤسسات التي تحافظ على معاييرها وخطوطها الناظمة، وكذلك تسعى للتجدد والتكيف مع المتغيرات، وهو فريضة دينية وشعيرة بشر بها النبي الكريم، كما ذكر شيخ الأزهر، وذم التقليد والجمود ثابت قرآني كما ذكر د. الخشت الذي استدل أصلا بنزول القرآن منجما على مدار ثلاثة وعشرين عاما.

كان من الممكن تطوير بعض الأفكار المهمة التي وردت في المحاورة الإيجابية المتفاعلة، من قبيل تعددية الصواب، وكذلك التوسع نحو المعارف الحديثة، ودور اللغة، وكيفية تطوير رؤية العالم عند المسلمين.. وظني أن كل ذلك هو ينبغي أن تشارك فيه جهود وأفكار من خارج الحقل الديني نفسه، اجتماعيا ونفسيا وتعليميا.

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram