ما فعله الضحك بالتاريخ

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
الضحك كخلق، الضحك كولادة

في البدء كان الضحك، هكذا تبدى العالم، وذلك طبقا إلى لوح بردي لكميائي مصري يعود تاريخه إلى ما يقارب القرن الثالث قبل الميلاد، لم يتفوه الرب بالكلمة أولا، ولا حتى بلفظ واحد، جاءت الكلمات والجمل من الخالق المصري بعد وقت متأخر جدا.

الإله المصري الأول يعرف شيئا أكثر حيوية ورسوخا في الخلق، إنه يواجه الفوضى ويضحك منها، مُطلقا عالما من البهجة والفرح في الضياء: (عندما ضحك الرب، ولد سبعة آلهة كي يحكموا العالم. وعندما انفجر ضاحكا كان الضياء. وعندما انفجر ضاحكا ثانية تفجرت المياه، وعند سابع ضحكة ولدت الروح).

في كتابه “الضحك بوصفه تاريخا هداما”، ينطلق (بيري ساندرز) من دور الضحك في خلق العالم-الوجود، إلى دوره في ولادة الإنسان-الفرد، فالضحك كما البكاء يتعلق بالهواء، بالشهيق والزفير، فالنفس، الضحك هو معجزة الحياة الأولى.

لحظة عبور الهواء في الجسم، هي لحظة اكتساب المولود صفة الكائن البشري. وعند أرسطو فإن هذه اللحظة تفصل بين البشر والحيوانات جذريا، حتى أنه استعمل قوله هذا في تعريف ماهية الإنسان بأنه (المخلوق الضاحك).

بيري ساندرز
الضحك كسلاح، الضحك كجريمة

كتب (مارك توين) في (رسائل من كوكب الأرض) عن الضحك كسلاح: (إن جنسكم، في فقره، لديه سلاح مؤثر واحد لا جدال فيه، وهو الضحك. أما السلطة والمال والاضطهاد، كل هذه يمكن أن ترفع كمية ضخمة من الهراء. لا شيء يقف أمام بطش الضحك)، بالمقابل فإن الحضارة الإنسانية مازالت في كثير من الأحيان تعتبر الضحك كجريمة، كما تثبت لنا رواية (المزحة، ميلان كونديرا) الصادرة في العام 1968، والتي بيّن فيها الكاتب أن النكتة قد تصل إلى مستوى الجريمة المعاقب عليها بالسجن في نظام البرسترويكا. هذا ما يثبت بجلاء أن الضحك الإنساني لن ينال الحرية المطلقة: (إن الضحك ممكن أن يودي بنا إلى العقاب أو الهلاك، ولا أحد يحب أن يموت من الضحك).

الضحك، الخوف، الحقيقة

في كتابه (الحوارات المتخيلة) كتب (ميخائيل باختين): (إن الضحك يدمر الخوف والقنوت إزاء أي موضوعة، يجعلها قابلة للنقاش والتداول، ويفسح المجال للتحقق منها. إن الضحك عامل فعال في رفع حواجز الخوف، والذي من دونه يستحيل الوصول إلى العالم بواقعية)، فبنظر باختين لا يمكن التواصل بعمق مع العالم دون إمكانية المساءلة الحرة التي يمنحها الضحك، يربط بذلك بين الضحك والحقيقة، مما يُذكر بوصية نيتشه في كتابه (هكذا تكلم زارداشت): (علينا أن نعتبر كل حقيقة كاذبة، إن لم تحتو على عنصر الفكاهة).

لذلك تعمد السلطات بأنواعها المتعددة على فرض الحظر على الضحك، وبالأدق بث الذعر منه. أول ذكر لكلمة الضحك Laughter في الإنكليزية، ترد في القرن التاسع، في ترجمة الملك (ألفريد) لكتاب البابا غريغوري الكبير الذي يحمل عنوان (العناية الرعوية). كانت غاية البابا (غريغوري) من تأليف الكتاب أن يكون دليلا لأساقفته وللرهبان. فكتب: (الضحك الآن، يجلب البكاء فيما بعد)، فيربط الضحك بالقدر، كأنه عقوبة مستقبلية، وعلى الإنسان أن يكون مستعدا لدفع الثمن، لأن الرب هو صاحب الضحكة الأخيرة.

لوحة للفنان أمجد رسمي
الضحك والشيطان

سعى الأديب (ميلان كونديرا) إلى قلب هذه الأصول الإلهية للضحك، فجعله في حضن الشيطان، وأعاد ربط الضحك بالتمرد: (الضحك مبدئيا منطقة تعود للشيطان، في المرة الأولى التي سمع فيها أحد الملائكة ضحك الشيطان شعر بالرعب، فبينما كانت أصوات الملائكة مبتهجة تسبح بالكيفية التي نظمت عليها الأرض، وكيف أن كل شيء عليها طيب وجميل ومعقول، ألمحت ضحكة الشيطان إلى لا معنى الأشياء).

في (كتاب الضحك والنسيان)، يثبت كونديرا أن الضحك يحفز التفكير النقدي، والساخر من لا معنى الأشياء، في مقابل التسبيح الملائكي المنبهر بمنجز الكون.

الضحك، الحكمة، والسخرية

غالبا ما يوسم الضحك بالسطحية. كان (ديمقريطس) يضحك من كل شيء، وقد ضحك كثيرا إلى أحد أن الناس في (أبدينا) قد اقتنعوا بأنه قد جن وطلبوا من (أبقراط) معالجته. لكن حينما شرح الفيلسوف (ديمقريطس) عبر سلسلة طويلة من الأمثلة بأنه كان يضحك من حماقة البشر، قرر الطبيب (إبقراط) أنه إنسان حكيم بالفعل وجاد.

تخبرنا هذه الحكاية، أن الضحك ذاته الذي يوسم بالجنون أو خفة العقل، يحوي احتمالا مناقضا تماما إلى درجة ذروة الحكمة، وقد أدرك الإغريق هذه العلاقة واهتم الفلاسفة بها، فانتبه (أفلاطون) مبكرا إلى أثر الضحك في خلخة النظام السياسي، واعتبره خصما عنيدا للسلطة، لقد اعتبر أن ضحكة واحدة بإمكانها أن تمنح كل مواطن، مهما كانت منزلته، قوة أولية يمكنها تفكيك الأشياء.

فضلا عن ذلك فالضحك الساخر، يلعب دور المحكمة القانونية، ولذلك حذر من قدراته وأثره على هيبة وكفاءة الدولة. بالمقابل، جورجياس الذي جلب البلاغة إلى اليونان، أوصى بالدعابة في الخطابة، والأهم هو أنه اعتبر الدعابة ترتبط مباشرة بمهارات اللغة، فأي دعابة تتطلب مهارات اللعب اللغوي، ولذلك فإن تحوت، إله الكتابة الفرعوني هو أيضا مخترع اللعب، وهو الذي أشار إليه جاك دريدا: بأنه من يضع اللعب في اللعب.

الصراع بين الكرنفال والصوم، بيتر بروغل 1559
الضحك المذنب، الضحك الكرنفالي

ضيقت سلطة الكنيسة الصاعدة في العصور الوسطى على الضحك،على قاعدة الآية 4-7 من سفر الجامعة: قلب الحكيم في بيت النواح، أما قلب الأحمق ففي بيت الفرح. رُبط الفرح بالحماقة، تمهيدا ليصبح الضحك معصية حين ربط القديس فيكتور بين الضحك والشر.

أدين الضحك بكامل الحدة، وأوكلت إدانته لا إلى النظام السياسي أو الكنيسة الحاكمة، بل إلى الله مباشرة، فكتب المصلح الكارولينجي بيندكت الأنياني: (مادام الرب يدين أولئك الذين يضحكون الآن، فمن الواضح أن ليس ثمة أي زمن للضحك لدى الروح المخلصة).

لكن الدراسات تبين لنا أن العصور الوسطى امتلكت ممارسات معارضة، ففي مقالها بعنوان (بهجة العصر الوسيط) كتبت بياتريس وايت: (عثر مثقف العصر الوسيط على الإمكانيات الثرية في الضحك عبر المسرحة الشفاهية أولا ثم الباروديا وبعدها الهزلية والسخرية)، وكذلك كتابات (ميخائيل باختين) عن الاحتفالات الدنيوية والكرنفالية التي اعتبرها حالات خروج على سلطة المعايير الجامدة لثقافة العصر الوسيط، وعدها نوعا من التمرد الشعبي الذي يتمظهر بالاحتفال وعروض الأداء.

وتوصل الأنثروبولوجي (ريتشارد ج. باركر)، إلى نتائج مماثلة لباختين، لكن في الحديث عن الكرنفال في البرازيل حيث يُنظر إليه: بكونه معارضا لوقائع الحياة اليومية، أي بكونه طقسا انقلابيا أو تمردا تكون فيه الحياة الإجتماعية منقلبة على رأسها، والزمن يتلاعب يتأخر ويتقدم.

إنه عالم الضحك والجنون واللعب، ينحل فيه النظام المتأسس للحياة اليومية إلى واجهة على الأغلب هي من الفوضى اليوتوبية، تنقلب فيها البنى الهرمية كلها، فيتحرر فيها الجسد من القيود والممنوعات المفروضة عليه في الأيام العادية، وتنفتح كل أشكال المتعة على حين غرة).

إذا، مع الاحتفالات الدنيوية، استمر ضحك الفلاحين في أوروبا الساخر من الشعائر المقدسة، فسخروا من التعميد، وجعلوا الأولوية لحيوانات الحقل ليحطموا ادعاءات الكنيسة التي كان يديرها رجال الدين الفاسدين، وابتكروا التعاليم التجديفية المضحكة، والنكات الفاحشة عن الطائفة المقدسة، ومزجوا الأناشيد الدينية بموسيقى الفلكلور. إن تلك العلاقة بين الضحك والفن هي التي صانته على طول مسيرة القمع والتحريم المستمرة حتى يومنا هذا.

لوحة للفنان براد أندرسن
مهرج النقد اللاذع

منذ أسس لفن الخطابة الروماني بيّن (شيشرون) دور اللعب اللغوي في الدعابة، وأدخل السرد الفكاهي إلى عروض المحاكاة والإيماء. أما بالنسبة للغة الإنكليزية فـ(جيفري تشوسر)، أثبت بكتابيه (حكاية ميلر، وحكايات كانتربري) قدرة الأدب على المزاوجة بين فن القصة والأسلوب الفكاهي. لقد تنبه لتجاور هذه الممارسات الثلاثة: التنكيت، السرد والحكاية الضاحكة، فعند تأليف القصة، ينسج المؤلف عوالم متخيلة بخيوط سردية متداخلة، وكذلك الحال مع النكتة التي تتطلب التقنيات ذاتها، إنها تخلق في الغالب واقعا تخييليا عبر اللغة أو الحركة، لتنتقد عالمنا اللساني المحدود، وأفكارنا العقلية المنغلقة، لتكشف مقدار العبث والفراغ بين اللغة والفكر.

برز في عصر النهضة مهرجو البلاطات. كل ملك شهير له مهرجه الخاص، وهو أقرب إلى الرجل المجنون الذي يقدم للمك النصيحة والتسلية، وبالتالي فقد صورهم شكسبير كشخصيات بارعة في اللغة، في الحكمة، وفي السخرية المرة، فانتقد (آرتشي أرمسترونغ)، وهو مهرج الملك (جيمس) فرض الكنسية لكتاب الصلوات على الناس، ووبخ مهرج البلاط، الملك (تشارلز الثاني) لخسارة الوقت في مراسم التملق دون النظر في قضايا الناس.

تذكر (ناتالي ديفز) أن هؤلاء المهرجين حرصوا أيضا على الظهور بالملابس النسائية بهدف قلب الأدوار، وتحديا للنظام الاجتماعي: (رغبوا أن يتحلل الواقع من الحدود بين العالي والداني، وبين الذكوري والأنثوي أيضا).

المهرج القديس، إيلو بروفيدو
المصير الجحيمي للفكاهة

في كتابه (الحكايات المرحة) ربط (توماس مور) بأصالة بين القصة والضحك، وأسس لجنس أدبي سيعرف بكتب الهزل Jokebooks، أوحى للآخرين بأن يكتبوا مدائحهم إلى الرب ببهجة، على أثر ذلك لذلك كتب (إيراسموس) العديد من الأعمال المهداة إلى إصلاح المصلحين أنفسهم، وقد اختار استعمال السلاح الذي يخيفهم فعلا، وهو الضحك. لذلك ضمن كتابه الأول (مديح الحماقة) سخرية من اللاهوتيين وكبار رجال الكنيسة، متلبسا شخصية الأحمق بذاتها، مفتتحا الكتاب بالإصرار على مدح الحماقة، لأن أية سلطة سواء أكانت دينية أم دنيوية، وأي إله أسطوري أو بطل أدبي، يبدو شبيها بالأحمق لأنه دوما ما يكون مثاليا. وأن نكون حمقى، كما يقترح إيراسموس، يعني أن نمارس أعلى شكل من أشكال الفضيلة والحكمة.

ازدهرت كتابات القصص الفكاهية Facetiae، مع كتب مثل (مائة حكاية أخرى، توماس مور)، ( قصص فكاهية، لجيوفاني بونتانو)، (قصص فكاهية، هنريك بيبل)، (العشاء ذو الطوابق، إيراسموس)، إلى أن جرم البروتستانت الضحك، واعتبر البيروتانيون المسرح مكانا منافيا للحشمة والدين لأنه يقدم أشكال اللعب الهزلية. وأدان البيورتانيون الضحك على أنه خطيئة كبيرة لأنه يبعد الناس عن العمل الجاد، كما اعتمدت في أواخر القرن السابع عشر كلمة السوقي Vulgar، والتي تعني الفظاظة، لتحكم على الناس الذين يضحكون بصخب وباستمرار من دون مراعاة للذوق الاجتماعي. لقد وضع الضحك الحدود بين الطبقات العليا والدنيا، وميز بين أولئك الذين سيرتفعون على نحو مطلق إلى السماء، وأولئك الذين سيلعنون في الجحيم.

مع بداية القرن العشرين، كانت ثلاثة كتب قد وضعت الضحك في الإطار الاجتماعي: جوهر الضحك، تشارلز بودلير)، (مقالة عن الكوميديا، جورج ميرديث)، (الضحك، هنري برغسون)، لقد كرست هذه الكتب تأويلا اجتماعيا للضحك، فاتخذ صورته الواضحة في التعبير عن إرداة السخرية والاحتجاج على القيم المتسلطة ثقافيا والحاكمة سياسيا، وهكذا أصبح الضحك جاهزا ليضاف إليه المبدأ الهام الذي سيضيفه سيجموند فرويد، الذي تحدث عن اللذة المجردة الناتجة عن الضحك، ففي كتابه (النكتة وعلاقاتها باللاوعي)، استعرض نظريات في التنافر وغياب الحكمة التي تترافق مع الفكاهة، وكذلك البراءة الطفولية التي لدى البالغين، لكن مساهمته الأكبر في أنه أعاد إلى سرد النكتة فكرة اللذة المحضة.

يعتبر ساندرز أن فرويد هو من مهد الطريق إلى عروض الكوميديا الواقفة،Stand Up Comdey، العروض التي تستعمل النكتة بوضوح للتعبير عن السخط، والنقمة الهامشية، ولكسر القانون ولقلقة الوضع الراهن والإفلات من العقاب. وبالتالي، ثمة تقارب بين الكوميدي والخارج عن القانون.

كل كوميدي هو منتهك للقانون من الناحية الاجتماعية. أعادت عروض الستاند آب كوميدي للمهرج شخصية الهامشي الغريب، والذي يكسر القانون من دون أن يدفع الثمن، لأنه الشخص الوحيد في المجتمع الذي يولد المتعة لجمهوره من كسر القوانين.

الديكتاتور والمهرج يتبادلان الأدوار على الشاشة

مع فيلمه (الديكتاتور العظيم) سجل (شارلي شابلن) محطة جديدة بتاريخ الضحك، لم يعلم الجمهور في الصالات الأوربية والأمريكية فيما إذا كانوا يخاطرون بالضحك على الفوهرر؟. لقد أثبت شابلن أن المهرج الهزلي الراقص والبهلوان هو القادر على السخرية من الديكتاتور، بينما كانت أوربا غارقة بالخوف والصمت، وفنيا أبدع شابلن في استخراج المهرج من الديكتاتور، وليس مجرد مجابهته. فلم يبين الفنان شابلن أن هتلر ديكتاتورا وحسب، بل هو مثير للسخرية كمهرج.

يرى (ساندرز) أنه بعد شابلن، وبعد نيتشه وبعد ويليام بليك، أصبحت كل ضحكة هي سياسية بوضوح، كل ضحكة موجهة ضد أي ديكتاتور وأي قانون لا إنساني مفروض على الناس، وعبر كتابه هذا بين لنا تلك العلاقة بين الضحك والأنظمة الحاكمة، وتزاوج الضحك مع الفنون في غاية توعية المجتمع. كتاب (ساندرز) هذا يسمح لنا بالإنصات لحضور الضحك المستمر في التاريخ والفنون، ويحاول أن يقنعنا بجملته الختامية الأخيرة: (الضحك هو الوسيلة التي تودي بنا إلى الغايات الكبيرة).

قصة

علاء رشيدي

بمشاركة

أحمد بيكا

غُلاف

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram