وجهات نظر

ما قبل الدايت

السبب الرئيسي في فشل أنظمة الدايت لدى الكثيرين، هو إهمال منطق العقل وإغفال تقنيات التفكير والتعامل مع الحمية الغذائية على أنها عملية فسيولوجية بحتة، لا تتطلب هيئة عليا تجيزها، هي العقل.

في معرض حديثه عن الدايت نبه عالم الأعصاب مايكل غرازيانو إلى ما رآه سببا رئيسيا في زيادة الوزن وهو عملية الدايت نفسها، لما تحدثه من صراع نفسي عند الفرد، فحينما يشرع في أحد أنظمة الحمية ملتزما بها طول الأسبوع، يكافئ نفسه بعدها بوجبة غالبا ما تكون غير صحية تؤثر على إنجازه بالسلب، من ثم يشعر بالضيق، فيسري عن نفسه بمزيد من الوجبات غير الصحية.

إلى جانب ذلك فالالتزام بحمية غذائية يستلزم أن يراقب الفرد ما يستهلكه من طعام من حيث الكمية والنوع، هذا التركيز يحفز شعور الجوع، لترتسم في الذهن أنواع الطعام المرغوبة والممنوعة في ذات الوقت، فتزداد رغبة الفرد بها.

الواقع أن غالبية أنظمة الحمية الغذائية تعتني بالتكنيك لكنها تهمل الاستراتيجي وتتهاون في المعرفي، فلا تلتفت أنظمة الدايت لما بين الأفكار والمشاعر والسلوك من ترابط، خلافا مثلا لنظام غير مشهور مثل “اللاحمية” الذي يستهدف بصورة رئيسية الحفاظ على الصحة، وله أثر إيجابي فيما يخص تهدئة قلق الأشخاص الذين يواجهون طوال الوقت ملاحظات حول ضرورة حصولهم على جسد نحيف ورشيق، فيحرضهم ذلك على استهلاك مزيد من السكريات للتخفيف من حدة الشعور بالسوء.

تقوم رؤية “اللاحمية” على تحسين الحالة المزاجية للفرد، وتشجعه على قبول جسده وتجعل عاداته الغذائية أكثر صحة، وهي وإن لم تتمتع بفاعلية الحميات الغذائية ـ في إنزال الوزن ـ على المستوى قصير المدى، فإن نتائجها أفضل على المدى الطويل، خلافا للحميات المختلفة التي يشير المجلس الوطني الأسترالي للصحة إلى أن أغلب من يفقدون وزنا من خلال أنظمة الدايت المختلفة يستعيدونه في غضون خمس سنوات.

يذهب نيتشه إلى مساحة أبعد وأكثر اتساعا في علاقة العقل بنظام التغذية، فيربط بين تأخر التطور الإنساني زمنا طويلا و”الغياب المطلق للعقل داخل المطبخ”، فـ”خمول صغير للأمعاء يكفي إذا ما تحول إلى عادة سيئة لأن يجعل من عبقري شيئا رديئا”، وتأكيدا على قيمة النظام الغذائي أو المطبخ في حياتنا يبشر الفيلسوف الألماني أن أنظمة التغذية، لا أي “حذلقة لاهوتية”، هي التي ستحدد مستقبلنا.

ينصح نيتشه كل صاحب موهبة بالابتعاد التام عن المشروبات الكحولية، ويوجه عددا من النصائح خاصة بنظام التغذية المثالي:

ـ وجبة ثرية أيسر هضما من وجبة غير كافية، فأن تنطلق المعدة في نشاط كلي، ذلك شرط أولي لعملية هضم جيدة.

ـ على المرء أن يكون عارفا بحجم معدته.

ـ لا أكل بين الوجبات ولا قهوة، القهوة تعكر المزاج، أما الشاي فنافع في الصباح فقط، ومن الأفضل تناوله بكميات قليلة وأن يكون ثقيلا. إن الشاي يصبح مضرا ومجلبا للكدر طوال اليوم إذا ما كان خفيفا أكثر من اللازم.

ـ تناول فنجانا من الكاكاو الثقيل الخالي من الدهون ساعة قبل الشاي.

ـ احرص على الجلوس أقل ما يمكن، ولا تثق في فكرة لا تولد في الفضاء المفتوح.

ـ المكان والمناخ أمران بالغا الأهمية في النظام الغذائي، فتأثير المناخ على عملية الأيض مسألة هامة، بحيث أن اختيار مكانا غير مناسب للعيش كفيل لا أن يبعد المرء فقط عن حقل اهتماماته بل سيمنعها منه تماما.. فلنحصر الأماكن التي ظل يوجد بها على الدوام أناس من ذوي العقول الثرية حيث التوثب والرهافة.. سنجد أنها كانت تتميز بهواء جاف.

علاقة الأنظمة الغذائية وبالتبعية الحميات بالعقل لها أبعاد ربما لم ينتبه كثير منا إليها، فوفق الرؤية السابقة المسألة أعمق من مجرد نظام غذائي لإنزال الوزن، بل الكيفية التي نحيا عليها، والقاعدة التي تتحدد على أساسها سلوكياتنا والأفق الذي يحد عقلنا، والطبيعة التي ينبغي المحافظة عليها، إنها باختصار فن إدارة الحياة للاستفادة من طاقات الإنسان القصوى.

 

اقرأ أيضا: في البدء كانت اللعبة

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى