ثقافة وفنمختارات

“ما وراء الطبيعة”.. خيانة مفيدة لأحمد خالد توفيق

 

.لا نجد مسلسلاً مصريًّا نال ترقبًا وانتظارًا قبل عرضه مثلما حدث مع مسلسل “ما وراء الطبيعة”، فمنذ الإعلان عن عزم منصة “نتفليكس” طرح المسلسل تحت إشراف المخرج عمرو سلامة، وكثيرون من عشاق سلسلة الروايات التي تحمل نفس الاسم والتي كتبها الراحل أحمد خالد توفيق أصابهم الحماس والقلق، في انتظار عرض الحلقات: الحماس لأن الحلم الذي حلموا به لسنوات طويلة ليروا الدكتور رفعت إسماعيل بطل السلسلة على الشاشة سيتحقق أخيرًا، والقلق لأن لا أحد يدري كيف ستكون الصورة التي سيظهر بها بعد كل هذا الانتظار.

وسط هذه المشاعر المتضاربة، عُرض المسلسل بحلقاته الست، والآن انتهى الترقب وصار بإمكاننا أن نرى النتيجة.

(يضم المقال كشفًا لبعض تفاصيل المسلسل ونهاية الأحداث).

مشهد من مسلسل ما وراء الطبيعية

فلنُنعش ذاكرتنا

مع كل كتيب جديد في سلسلة “ما وراء الطبيعة” والذي كان يمثل استكمالاً لكتيبات أخرى سابقة، كان أحمد خالد توفيق يكتب مقدمة سريعة لما حدث سابقًا تحت عنوان “فلننعش ذاكرتنا”.. في أثناء مشاهدة حلقات “ما وراء الطبيعة” سنجد أننا بالفعل نحتاج إلى أن ننعش ذاكرتنا.

تأخذنا الحلقة الأولى مباشرة إلى قلب عائلة رفعت إسماعيل، فنتعرف على أشقائه وأصدقائه وخطيبته وحبيبته الأبدية ماجي ماكيلوب، لكننا نشعر أن كل هذا يحدث بسرعة أكثر من اللازم، يتحدث رفعت في البداية عن كونه دكتورًا، لكننا لا ندرك هل المقصود كونه طبيبًا أم حاصلاً على درجة الدكتوراه، وإن كانت الثانية تبدو أوضح، إذ نشاهده يراقب في إحدى لجان الامتحانات.

يدرك القارئ المخلص أن رفعت إسماعيل دكتور أمراض دم في إحدى الجامعات، لكن المشاهد الذي لم يقرأ السلسلة لا يعلم ذلك، وبالتالي عندما نشاهده في الحلقة الثانية يُستدعى لتشريح جثة “الفرعون”، لا نعلم سبب اختياره تحديدًا لهذه المهمة.

لن نعرف أيضًا هذه العلاقة التي تبدو قوية ومتأصلة بـ”لوي”، إذ تتكشف أجزاؤها عبر الحلقات، وتتضح بقوة في الحلقة الأخيرة، لكن القارئ سينجح بسهولة في استكمال الفراغات التي تخص شخصية “لوي”، لكن سيجد المشاهد صعوبة في الربط.

هذه الفراغات تعود بالأساس إلى مشكلات الكتابة، وقد شارك في سيناريو المسلسل أكثر من كاتب، تحت إشراف عمرو سلامة، لكن مما شاهدناه، ربما اعتمد كتاب السيناريو على شهرة سلسلة الروايات وبالتالي قفزوا على بعض التفسيرات، دون توضيحها بالقدر الكافي، وما هو يؤخذ على صناع العمل بالتأكيد، خاصة مع الأخذ في الاعتبار أن المسلسل معروض على منصة تعرض منتجاتها في أكثر من 200 دولة والكثير من جمهورها لم يسمع عن روايات أحمد خالد توفيق من الأساس.

رفعت إسماعيل في “ما وراء الطبيعة”

نسخة خاصة من رفعت إسماعيل

مع الشعبية الجارفة لسلسلة “ما وراء الطبيعة” ولشخصية رفعت إسماعيل، كان أمام صناع المسلسل خياران، الأول هو مقاربة النص الأدبي بدرجة كبيرة، لمحاولة اتقاء غضب القراء المخلصين، والثاني هو أن يصنعوا نسختهم الخاصة من رفعت إسماعيل، وهو الأمر الأصعب بالتأكيد.

ذهب عمرو سلامة وأعضاء فريقه إلى الخيار الثاني، واستمدوا بعض التفاصيل المهمة والتي تُميِّز رفعت إسماعيل عن غيره، وكذلك بعض أفكار الروايات، ثم صنعوا نسختهم الخاصة.

الخط الواضح في المسلسل هو فكرة البدايات أو “Origins”، النمط الذي انتشر مؤخرًا في الكثير من الأفلام الأمريكية، فنشاهد بدايات الشخصيات الشهيرة التي تعرفنا إليها من قبل في أعمال أخرى، مثل “Batman Begins” (باتمان يبدأ).

في حلقات “ما وراء الطبيعة” شاهدنا تحول رفعت من عدم الإيمان بوجود ما يسمى “ما وراء الطبيعة” إلى اليقين بذلك في الحلقة الأخيرة، كما شهدنا تحوله إلى محاربٍ للأشباح، واكتسابه الكثير من الثقة بالنفس والمبادرة، عكس ما كان عليه في الحلقة الأولى.

هذا الخيار الذي اتبعه صناع المسلسل، منحهم مساحة جيدة للإبداع ولصناعة مقاربة جيدة للشخصية برؤيتهم الخاصة.

ساعدهم على هذا، الأداء المميز لأحمد أمين الذي نجح في إتقان الشخصية المرسومة له، وقدم رفعت إسماعيل مناسبًا للصورة التي تصورها القراء وللتصور المكتوب في السيناريو.

ولكن الأمر لم يخلُ من بعض المآخذ، فرفعت في المسلسل شخص مكتئب غالب الوقت لسبب غير واضح، ولديه علاقة مضطربة بأمه وأخيه لأسباب لا تبدو مقنعة أيضًا، وكانت من الممكن كتابة هذه التفاصيل بنحو أفضل كي تبدو متأصلة في الشخصية، بدلاً من وجود علامات استفهام حولها.

اختار صناع المسلسل أيضًا “أسطورة البيت” لتصبح خطًا يربط بين كل حلقات المسلسل، ولغزًا يبحث رفعت عن حل له خلال الأحداث، وهو اختيار مناسب، لأن هذه الأسطورة جعلتنا نلتقي طفولة رفعت ونعرف بعض التفاصيل من ماضيه قبل الانتقال إلى الحاضر.

الطفلة شيراز بأحد مشاهد المسلسل

كانت محاولة الربط بين الحلقات المختلفة من خلال شبح الطفلة شيراز من “أسطورة البيت” جيدة، فقد خلقت خيطًا قويًّا يربط الأحداث، فلم تظهر في صورة حلقات منفصلة، وإن كان حل لغز شيراز في النهاية تركنا مع المزيد من علامات الاستفهام، فإذا كانت تظهر لتساعد رفعت، فما سبب ظهورها المتكرر للطفل طه ولهويدا؟

حبس الأنفاس.. غموض، رعب، إثارة

كانت سلسلة “ما وراء الطبيعة” من أوائل الأعمال التي قدمت الرعب في الأدب المصري المُوجّه إلى الشباب، قبل أن يصبح ظاهرة منتشرة في السنوات الأخيرة. وميّز أعداد السلسلة وجود الكثير من الأفكار المختلفة لتقديم الرعب وعدم التوقف عند الأشباح ومصاصي الدماء، ما يجعلها مادة مناسبة بالتأكيد لصناعة مسلسل رعب جيد.

اختار صناع المسلسل 5 قصص لصناعة حلقات المسلسل، مع تقسيم “أسطورة البيت” على حلقتين: الأولى والأخيرة. وفي ظل الإنتاج الكبير الذي توفره منصة “نتفليكس” والتطور الذي شاهدناه في السنوات الأخيرة على مستوى صناعة المؤثرات والخدع البصرية في مصر، غَلَب الظن أن المسلسل سيكون فارقًا في شكل صناعة أعمال الرعب المصرية.

واحتوى بعض الحلقات على لحظات مرعبة فعلاً، مثل الحلقة الأولى والسادسة، والرابعة “أسطورة النداهة” التي يمكن أن نعتبرها أكثر الحلقات نضجًا على مستوى الكتابة تحديدًا، لكن النظرة العامة إلى ما قدمه المسلسل في ما يخص الرعب تؤدي إلى نتيجة محبطة.

علّق الكثيرون على الشكل غير المقنع الذي ظهر عليه وحش “العساس” في الحلقة الثالثة (أكثر الحلقات تفككًا)، والذي ظهر في صورة “غوريلا” سيئة التنفيذ، لكن الأمر لم يتوقف عند “العساس” بل امتد إلى شبح “الفرعون” في الحلقة الثانية، و”الجاثوم” في الحلقة الخامسة.

أحد مشاهد الرعب في “ما وراء الطبيعية”

ليست المشكلة في ضعف التنفيذ فقط، بل في فقر الخيال أيضًا وتصميم هذه الشخصيات التي لا يبدو فيها أي تميز أو خصوصية، وعلى عكس الأعمال المختلفة التي تكون الوحوش أو الكائنات الغريبة فيها جزءًا خاصًّا بشكل وهوية المسلسل، كانت الوحوش هنا بلا هوية، فبالتأكيد لن تبقى في خيال المشاهد “الغوريلا” التقليدية التي ظهرت في حلقة “حارس الكهف” والتي يصعب ربطها بالبيئة الصحراوية التي شاهدناها في المسلسل.

زاد الطين بلة لجوء صناع المسلسل إلى حيلة كشفت مشكلات الإنتاج، وهي إظهار الوحوش على الشاشة لجزء من الثانية فيدرك المشاهد أنها موجودة، لكنه لن يستطيع التركيز في ملامحها حتى لا يكتشف ضعف تنفيذها.

قد يكون على المسلسل الكثير من الملاحظات السلبية، لكنه بالتأكيد يحتوي على بعض الإيجابيات وبناء لأساسات تسمح بصناعة مواسم أخرى، على أن يتلافى خلالها صناع العمل ما جاء في موسمه الأول. وإذا نظرنا إليه كأول مسلسل مصري على “نتفليكس” فهو تجربة مقبولة إلى حد كبير.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى