دراسات وتحليلات

ما وراء المُعلن.. دوافع التقارب التركي إلى مصر

شهدت العلاقات المصرية-التركية من بداية العام الماضي (2020) تذبذبًا ملحوظًا ما بين توترٍ وبوادر تقاربٍ، فقد بدأ الحديث في يناير 2020 عن رغبة تركيا في تحسين العلاقات مع مصر، وذلك في إطار تصريحات مستشار الرئيس التركي في حزب العدالة والتنمية، ياسين أقطاي، حول ملفي غاز المتوسط وليبيا، حيث صرّح وقتها قائلًا:

“التعاون بين مصر وتركيا لا يُقدَّر بثمن بالنسبة للبلدين وللعالم الإسلامي أيضًا.. لا قدر للبلدين غير أن يكونا في تعاون وتضامن بين بعضهما، وعلى البلدين فعل ذلك عاجلًا أو آجلًا”.

وتكررت تلك النغمة خلال العام نفسه على لسان “أقطاي” في شهر سبتمبر، عندما قال: “لا بد أن يكون هناك تواصل بالفعل بغض النظر عن أي خلافات سياسية بين الرئيس أردوغان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، فالحكومتان والشعبان يجب أن يتقاربا… الجيش المصري جيش عظيم، نحن نحترمه كثيرًا، لأنه جيش أشقائنا”.. وكذلك على لسان المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالين، خلال لقاء تليفزيوني أجراه في شهر أكتوبر، حيث قال إن “مصر دولة من الدول المهمة في المنطقة والعالم العربي… إذا أظهرت مصر إرادة التحرك بأجندة إيجابية في القضايا الإقليمية، فإن تركيا مستعدة للتجاوب مع ذلك”.

اعتبر المحللون آنذاك تلك التصريحات خطوة في طريق التمهيد لتعزيز التقارب الدبلوماسي والسياسي بين الجانبين، فيما يخص عدد من الملفات الإقليمية، على رأسها ملفا الصراع الليبي وغاز المتوسط، إلا أن تلك التصريحات لم تسفر عن أي تقدم ملموس في العلاقات الثنائية بين الجانبين، خاصة أنه لم يتبعها أي إجراءات عملية على أرض الواقع، لإثبات مصداقية المساعي التركية لكسر التوتر القائم بين البلدين منذ 8 أعوام.

ولكن مع بداية عام 2021، أُعيد تداول مثل تلك التصريحات مرة أخرى، وكانت البداية مع تصريح وزير الدفاع التركي، خلوصي آكار، في 6 مارس بأن “تركيا ومصر تجمعهما قيم تاريخية وثقافية مشتركة، وبتفعيل هذه القيم ستحدث تطورات مختلفة في الأيام المقبلة”، وتُبِع بتصريح وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، عن عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، قائلاً: “لا يوجد أي شرط مسبق سواء من قبل المصريين أو من قبلنا حاليًا، لكن ليس من السهل التحرك كأن شيئًا لم يكن بين ليلة وضحاها، في ظل انقطاع العلاقات لأعوام طويلة، تطبيع العلاقات يتم، لكن ببطء… لدينا اتصالات مع مصر، سواء على مستوى الاستخبارات أو وزارة الخارجية، واتصالاتنا على الصعيد الدبلوماسي بدأت”.

وقد جاءت تلك التصريحات وغيرها تزامنًا مع تصريح الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، والذي أكد خلاله أن التعاون بين مصر وتركيا قائم ومستمر في شتى المجالات الاستخباراتية والدبلوماسية والاقتصادية، وأن قوة العلاقة بين الجانبين التركي والمصري تفوق تلك التي بين مصر واليونان.

وفي خطوة هي الأولى من نوعها في طريق ترجمة تلك التصريحات المُتتالية إلى تطبيقٍ عملي، أبلغت السلطات التركية في 18 مارس الجاري القنوات التليفزيونية التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، الشرق، ووطن، ومكملين، بضرورة الالتزام بميثاق الشرف الصحفي والإعلامي، وتغيير سياساتها التحريرية بما يتناسب مع مُقتضيات المرحلة القادمة، لوقف التدخل في الشأن الداخلي المصري، ومنع أي محتوى إعلامي يحتوي على تحريض أو إساءة ضد الدولة المصرية، أو نظامها الحاكم.

سفينة تنقيب تركية

وهذا ما يدفعنا للتساؤل حول الأسباب التي دفعت تركيا لاتباع نهج التودد والتقارب مع مصر رغم اختلاف وتباين موقف البلدين حيال العديد من القضايا الإقليمية، فضلًا عن التوتر القائم بين الجانبين منذ عام 2013.

الأسباب المُعلنة

من جانبها، تطرح تركيا ذلك التوجه السياسي نحو إنعاش العلاقات الدبلوماسية مع مصر، ردًا على الموقف الذي وصفته بـ“الإيجابي”، والذي اتخذته مصر بشأن احترام حدود الجرف القاري لتركيا خلال أنشطتها التنقيبية عن الغاز في شرق المتوسط، وذلك خلال إعلانها في 18 فبراير الماضي عن طرح أول مُزايدة عالمية للتنقيب عن البترول والغاز الطبيعي في 24 منطقة في الصحراء الغربية، وخليج السويس، وشرق وغرب البحر المتوسط، حيث قال وزير الخارجية التركي: “تلقينا بإيجابية نشاط مصر في التنقيب ضمن حدودها البحرية في البحر المتوسط وفق احترام حدودنا”، كما أعرب عن رغبة بلاده في توقيع اتفاقية مع مصر، والتفاوض حول ترسيم الحدود البحرية، والصلاحيات في شرق البحر المتوسط، بالإضافة إلى تصريحات وزير الدفاع التركي يوم 6 مارس -السابق ذكرها- والتي طالب خلالها بإمكانية إبرام اتفاقية، أو مذكرة تفاهم مع مصر، تتماشى مع اتفاق الصلاحية البحرية المُبرم مع ليبيا.

لكن، وعلى الرغم من تلك الدوافع المُعلنة على لسان الجانب التركي، فإنه يجب الأخذ في الاعتبار وجود حفنة من الدوافع والأسباب غير المُعلنة، والأكثر واقعية في تفسير مساعي، وجهود التقارب التركي مع مصر، والتي لا يمكن تجاهلها، لا سيما بالنظر إلى ما تعيشه تركيا من حالة عُزلة سياسية وأزمة اقتصادية، بجانب ما تشهده الساحة السياسية الداخلية من مُستجدات وتطورات، ليس من المُتوقع لها أن تصب في مصلحة الحزب الحاكم (العدالة والتنمية) خلال الفترة القادمة، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية التركية في 2023.

الدوافع الضمنية

يرى المراقبون للمشهد السياسي أن مسألة احترام مصر للجرف القاري لتركيا قد تم استغلالها من الجانب التركي، لمحاولة بدء صفحة جديدة مع مصر دون وضع أردوغان وحكومته في موقف ضعف أو تراجع عن سياسات وقناعات كانت راسخة ومُعلنة تجاه مصر ونظامها الحاكم منذ 2013، خاصة في ظل الضغوطات التي فرضتها الأوضاع السياسية والاقتصادية على تركيا في الآونة الأخيرة.

انطلاقًا من هذا الأساس يُمكن استعراض أبرز الأسباب التي دفعت تركيا لإعادة صياغة علاقتها مع مصر، على النحو التالي:

  1. السياسة المصرية تجاه ملف غاز المتوسط:

حيث قامت مصر بترسيم الحدود البحرية مع دول شرق المتوسط، فعقد تحالفات مع اليونان وقبرص، فضلًا عن تأسيس منتدى لغاز المتوسط في 2019 يضم بجانبها كلا من قبرص واليونان وفرنسا و”إسرائيل” والأردن وإيطاليا وفلسطين، دون تركيا، ما ضاعف من حالة العزلة الإقليمية التي تعيشها أنقرة في “المتوسط”، ودفعها لتكثيف عمليات التنقيب الاستكشافية خلال العام الماضي (2020)، ما عزّز بدوره حدة الخلافات بين تركيا ودول الجوار.

الرئيس الأمريكي بايدن

2- وصول “جو بايدن” إلى البيت الأبيض:

حيث تفاقمت الخلافات القائمة بين واشنطن وأنقرة، سواء بشأن صفقة منظومة الصواريخ الروسية الدفاعية “إس-400” التي أبرمتها تركيا، أو بشأن إعلان بايدن عن دعمه لكل من الأكراد في سوريا، والمعارضة في تركيا. هذا بالإضافة إلى القمة الأوروبية-الأمريكية، التي من المُتوقع انعقادها، ووضع تركيا على قائمة أولياتها، خاصة في ظل توتر علاقة تركيا بكل من الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو بسبب ملف غاز المتوسط.

3- إعادة نظر تركيا بشأن علاقاتها الإقليمية:

خاصة بعد اتفاقيات التطبيع العربية-الإسرائيلية التي وُقعت مؤخرًا، وقمة اتفاق “العلا” التي عُقدت في يناير الماضي، والتي أسست لمصالحة خليجية بين قطر (الحليف العربي الرئيس لأردوغان) وكل من مصر ودول الخليج العربي، حيث شملت -ضمنيًا- إصرارًا خليجيًا على أن مساعي قطر لإحياء العلاقات مع أنقرة، ستكون مشروطة بحدوث مُصالحة بين تركيا ومصر، كونها الأكثر تضررًا من سياسات تركيا منذ عام 2013، ما يعني الآن أن مصر أصبحت بوابة إعادة إحياء العلاقات التركية-العربية، خاصةً تلك المرتبطة بالأنشطة التجارية والاستثمارية بين دول الخليج وأنقرة.

الصراع في ليبيا

4- السياسة المصرية حيال الأزمة الليبية:

وهي ما أحبطت مساعي وأهداف أردوغان السياسية في ليبيا، فضلًا عن إدراك الاستخبارات العسكرية التركية لكفاءة المناورات البرية والبحرية والجوية التي قامت بها مصر على الحدود الليبية، ما يشير إلى أنه حال حدوث مواجهة عسكرية بين القوات المصرية والتركية في ليبيا، فإنها ستكون مواجهة باهظة الثمن، سواء لتركيا، أو لحلفائها في غرب ليبيا، وهو ما لن يتحمله الاقتصاد التركي، لا سيما في ظل تدهوره، نتيجة العقوبات المفروضة على تركيا، ولتموضعها عسكريًا في أكثر من أرض صراع، كسوريا وأذربيجان والعراق وشرق المتوسط.

5- تفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية في الداخل التركي:

تدهور الأوضاع الداخلية في حزب العدالة والتنمية الحاكم إثر الانشقاقات التي شهدها خلال الآونة الأخيرة، بما يُقلل من احتمالية فوزه في الانتخابات الرئاسية القادمة أمام المعارضة، وبالتالي بحث أردوغان وحزبه الحاكم عن آلية لتحقيق انفراجة سياسية واقتصادية، والخروج من تلك العزلة المفروضة على أنقرة، خاصة في ظل رفض العديد من التيارات المعارضة في تركيا لسياسات أردوغان تجاه مصر، وما خلّفته من تدهور في العلاقات الاقتصادية بين البلدين على وجه التحديد.

ختامًا، وعلى الرغم من المساعي التركية لخلق معادلة جديدة في علاقاتها مع مصر، فإن الأمر لن يكون بهذه السهولة، خاصةً لتعدد العقبات وتوتر الملفات الشائكة بين الجانبين، والتي على رأسها ملف الدعم التركي للإخوان المسلمين، وملفا الصراع الليبي والسوري، وملف غاز المتوسط، لا سيما في ظل تمسك مصر بضرورة احترام الأطر القانونية والدبلومسية، وعدم التعدي على مبدأ السيادة والأمن القومي، وحرصها على تطبيق مبادئ حسن الجوار بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة

آمنة فايد

باحث مساعد بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى