مبعوثة مدير الصحة العالمية:

ساعون لتوزيع عادل للقاح كورونا

  • كل أزمة كبرى أو جائحة تحمل معها اختبارًا أخلاقيًّا ومبدئيًّا وإنسانيًّا للعالم
  • الفوارق كبيرة جدًّا بين البلدان الغنية والفقيرة لكن هذا لا ينفي وجوب عدالة توزيع اللقاح
  • آلية كوفاكس هي الذراع الخاصة باللقاحات في مبادرة تسريع إتاحة أدوات مكافحة كوفيد-19
  • ينقسم مسرّع الإتاحة إلى 4 مجالات عمل: وسائل التشخيص والعلاجات واللقاحات والربط بين النُظم الصحية.
  • تحالف “جافي” ومنظمة الصحة العالمية يضع معايير توزيع اللقاحات.. وسيحتفظ بنحو 5% كجرعات طوارئ
  • لن تتلقى أي دولة جرعات تتعدى احتياج 20% من سكانها حتى يصل هذا القدر من الجرعات إلى جميع البلدان

لا تكاد تمر دقيقة فوق سطح هذا الكوكب من دون أن نضع الكلمة الكابوسية “كورونا” في جملة مفيدة، مؤرقة، خانقة. هذا الضيف الثقيل، المميت الذي حلّ على العالم مطلع العام الحالي، أجبر الدول على التكاتف من أجل تقويضه وتحجيمه، بهدف القضاء عليه في مُقبل الشهور والأيام، أو محاصرته من خلال آلية مشتركة لتوزيع عادل بين الدول للقاح مُرتقب.

لذا، مع انتهاء وشيك للموجة الأولى لفيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″، وعلى مشارف الموجة الثانية بحلول فصل الخريف، وفي القلب منها مرحلة آمال فيصلية في معركة العالم مع الفيروس (الوصول للقاح)، التقت “ذات مصر” الدكتورة مها الرباط،  وزيرة الصحة المصرية السابقة، المبعوثة الخاصة للمدير العام لمنظمة الصحة العالمية للاستعداد والاستجابة لجائحة كوفيد-19 في هذا الحوار.

مها الرباط مبعوثة مدير الصحة العالمية للاستعداد لكورونا

 * كيف تضمن منظمة الصحة العالمية والتحالف العالمي للقاحات والتحصين “جافي”، نجاح آلية “كوفاكس” في إتمام دورها المنشود لتحقيق توزيع عادل للقاحات المحتملة لكورونا؟

 آلية كوفاكس هي الذراع الخاصة باللقاحات في مبادرة تسريع إتاحة أدوات مكافحة كوفيد-19 المعنية بتسريع استحداث وإنتاج اختبارات كوفيد-19 وعلاجاته ولقاحاته، وإتاحتها على نحو منصف. وأُنشئت المبادرة استجابة لنداء من قادة مجموعة العشرين في مارس/آذار 2020، وأطلقتها منظمة الصحة العالمية والمفوضية الأوروبية وفرنسا ومؤسسة بيل وميليندا جيتس في نيسان/إبريل 2020.

وينقسم مسرّع الإتاحة إلى 4 مجالات عمل هي: وسائل التشخيص، والعلاجات، واللقاحات، والربط بين النُظم الصحية. وهناك مسار عمل متعلق بالإتاحة والتخصيص يشمل مجالات العمل هذه كافة. ويهدف هذا المسار إلى تمكين البلدان المنخفضة الدخل والأقل قدرة على الوصول إلى اللقاحات وتعزيز فرصها في الحصول على حصة ملائمة من اللقاح فور جاهزيته للتوزيع، بما يغطي أولوياتها العاجلة والملحة.

أما عن الكيفية التي تضمن بها المنظمة وتحالف “جافي” التوزيع المنصف للقاح  فهناك قواعد ومعايير واضحة في هذا الشأن. وسيُقتطع نحو 5% من إجمالي عدد الجرعات المتاحة، كمخزون للمساعدة في التصدي لأي تفشٍّ حاد للمرض، ولدعم المنظمات الإنسانية بحيث تتمكن على سبيل المثال من تطعيم اللاجئين الذين قد لا يتمكنون من الوصول.

ولضمان التوزيع العادل، لن تتلقى أي دولة جرعات تتعدى احتياج 20% من سكانها، حتى يتسنى تقديم هذا القدر من الجرعات إلى جميع البلدان في مجموعة التمويل.

موقف أمريكا والصين
لقاح كورونا المنتظر

*  إلى أي مدى يؤثر رفض أمريكا والصين الانضمام إلى الآلية في نجاحها؟

بداية نوضح أن هذه الآلية ليست آلية لصنع قرار، بل هي الحل العالمي الحقيقي للجائحة، لأنه الجهد الوحيد لضمان حصول الناس في جميع أنحاء العالم على لقاحات كوفيد-19 بمجرد توافرها، بصرف النظر عن ثرواتهم. ونحن بالتأكيد نأمل أن ينضم المزيد من الدول إلى هذه الآلية، خاصة البلدان المؤثرة التي طالما تعاونت مع منظمة الصحة العالمية، ولها دور بارز في تعزيز العمل الصحي العالمي.

ما نود التأكيد عليه أن العمل يمضي قُدُمًا في تفعيل هذه الآلية وتجاوز الصعوبات التي تواجهنا. ونحن متفائلون بالقدرة على النجاح، أولاً لأهمية هذه الآلية وجدواها الصحية والاقتصادية، وثانيًا لتنوع وقوة الشركاء المتضامنين فيها، فهذه المبادرة تجمع الحكومات والعلماء والشركات والمجتمع المدني ومؤسسات العمل الإنساني والجهات المانحة والتحالفات الصحية الكبرى ومنظمة الصحة العالمية. وهذا يعد إنجازًا رائعًا. ولكننا بحاجة إلى تنفيذه من خلال توفير التمويل اللازم وتوزيع التكلفة على البلدان المشاركة في الآلية، وهذا يتوقف على انضمام الدول إلى آلية “كوفاكس” حتى تتمكن من تنفيذ استثمارات عاجلة وتجاوز الفجوة المالية، بما يمكّننا من بدء توقيع اتفاقيات رسمية مع مصنعي اللقاحات ومطوريها، لتأمين الجرعات، ويضمن أيضًا قدرتنا الإنتاجية اللازمة لتصنيع كميات الجرعات التي نحتاج إليها، في اللحظة التي يكون فيها اللقاح جاهزًا.

تجارب لقاح كورونا
لا يجب تسييس اللقاح

* كيف يؤثر الصراع بين أمريكا والصين منذ بدء أزمة الوباء، والاتهامات المتبادلة بينهما، وفي القلب منها اتهامات لمنظمة الصحة العالمية، على أولويات حصول الشعوب على اللقاحات؟

حصول الدول والشعوب على اللقاحات بصفة عامة واللقاح المنتظر لكوفيد-19 على وجه التحديد، أمر بدهي وحق لكل بلد ولكل الفئات السكانية ذات الأولوية. وهذا الحق لا يجوز تسييسه ولا الانتقاص منه لأية اعتبارات. إن المبادرات والآليات التي دشنتها الجهات العالمية بتنسيق من منظمة الصحة العالمية، تستهدف في الأساس كفالة هذا الحق من خلال ضمان إتاحة اللقاحات ووسائل التشخيص والعلاجات، على نحو منصف لا يستثني البلدان منخفضة الدخل، ولا الفئات الضعيفة والمهمشة. ونأمل أن تتجاوز جميع البلدان خلافاتها وتعمل بروح من التضامن والتعاون، بما يمكننا من التغلب على الجائحة، وأداء دورنا في تعزيز العمل الصحي وخدمة الإنسانية.

* كيف سيكون ترتيب أولويات الدول والشعوب من حيث وصول اللقاح وكمياته؟

كما نعرف، إن إنتاج اللقاح في البداية سيكون بكميات محدودة لا تكفي للاستجابة للطلب العالمي بالكامل. ولذلك يعد تحديد الأولويات أمرًا فائق الأهمية لتحقيق التوزيع المنصف للقاح، وأيضًا لضمان أفضل مردود لاستخدامه. وهناك اتفاق على أن العاملين الصحيين من الفئات ذات الأولوية القصوى، باعتبارهم يقفون في الصفوف الأولى في مكافحة مرض كوفيد-19 والعناية بالمرضى وتوفير الرعاية الصحية لهم، ومن ثم هم الأكثر عرضة للإصابة بالعدوى.

عاملون بالقطاع الطبي أثناء سحب مسحة كورونا

إن توفير اللقاح لهذه الفئة يمكّنهم من أداء مهامهم بأمان، وبما يضمن سلامتهم وسلامة من يتعاملون معهم من المرضى ومن أفراد المجتمع. وهناك أيضًا الفئات الأكثر عرضة للإصابة بالحالات الوخيمة من كوفيد-19 وهم فئات المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة سابقة على الإصابة بكوفيد-19، وكذلك المسنون والنساء الحوامل. وتوصي منظمة الصحة العالمية البلدان بتحديد الفئات ذات الأولوية مسبقًا، وفي إطار خطة لتوزيع اللقاح على نحو منصف مجتمعيًّا ومُجْدٍ صحيًّا.

اختبار أخلاقي للعالم

* هل خضع العالم لـ”اختبار أخلاقي” كهذا من قبل في أي وباء أو جائحة؟ وكيف كان التعامل الدولي حينها؟

بالطبع كل أزمة كبرى أو جائحة من مرض ما، تحمل معها اختبارًا أخلاقيًّا ومبدئيًّا وإنسانيًّا. وإذا كان الاختبار المبدئي والإنساني يتمثل في قدرتنا على نبذ الخلافات والفرقة، والتحلي بروح الوحدة والتضامن والتعاون، وإيماننا بالعمل المشترك، فإن الاختبار الأخلاقي يتمثل في مدى إيماننا واقعيًّا بحق كل إنسان في التمتع بالصحة، وبالحصول على فرصة مساوية لغيره في الوصول إلى الأسباب التي تحفظ هذا الحق، سواء أكانت الرعاية الصحية أم العلاج أم اللقاح. نعلم أن العوامل المادية والقدرات الاقتصادية تتفاوت على نحو خطير بين البلدان المرتفعة الدخل والأخرى المنخفضة الدخل، ونعلم أن كل بلد يعمل على ضمان حصول مواطنيه على اللقاح فور توافره. لكن المسؤولية التضامنية بين بلدان العالم -فضلاً عن حقيقة أن الأمن الصحي العالمي لا يتحقق إلا بضمان سلامة ومأمونية جموع البلدان، وليس القادرين وحدهم- تحتم علينا إعلاء البعد الأخلاقي وقيم الإنصاف والعدالة.

لقد مررنا بهذا الاختبار قبل عقد تقريبًا، في سعينا لتطوير لقاح لوباء الإنفلونزا H1N1 وضمان توزيعه على نحو عادل، وقد وضعنا حينها في اعتبارنا مبدأ الأولوية للأشد احتياجًا. كما تعد معركتنا الحالية لاستكمال هدف استئصال مرض شلل الأطفال من العالم أجمع، نموذجًا واضحًا للاختبار الأخلاقي. فالعالم كله تخلص من هذا المرض، ولكن لا يمكنه اعتماد استئصاله نهائيًّا إلا بمساندة آخر بلدين يتوطن بهما الفيروس، حتى ينجحا في التخلص منه، وهو ما يتكاتف الجميع من أجله.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

حوار

ندى الخولي

صحفي وباحث في الشؤون الإسرائيلية

بمشاركة

أحمد بيكا

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram