هل يُحيي “مترو أكتوبر” القناطر الأثرية المدفونة بالهرم؟

عبدالرحمن الطويل

صحافي مصري

كانت حقبة السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي العصر الذهبي للإنشاءات العسكرية في مصر والشام، إذ استدعى اشتعال المواجهة مع الصليبيين تحصين المدن والثغور، وقد حظيَت مدينتا العاصمة المصرية (الفسطاط والقاهرة) بنصيب وافر من إنشاءاته، فبنى قلعته الشهيرة على الهضبة السفلى من جبل المقطم بين المدينتين، ومد السور منها شمالًا ليدور حول القاهرة، وهو السور المنتصب اليوم بين حديقة الأزهر وحي الدرب الأحمر وحتى الدراسة حيث يتصل بالسور الفاطمي ثم يمتد بعده عبر شارع الفجالة، كما مد السور من القلعة جنوبًا ليدور حول الفسطاط، وهو السور المار اليوم بميدان السيدة عائشة، والذي كُشفت أطلال أخرى منه في حفائر الفسطاط إلى الجنوب الشرقي من قصر الشمع.

وقد قام على منشآت صلاح الدين وزيره بهاء قراقوش الأسدي، واعتمد في جلب الحجارة لهذه المنشآت على هدم أهرام صغيرة كانت متناثرة في تلال الجيزة، توفيرًا للوقت والطاقة التي سيبذلها في قطع حجارة جديدة من الجبال، قبل أن يعرف الناسُ علمَ الآثار المعنيَّ بالحفاظ على المنشآت القديمة لقيمتها التاريخية والفنية، ولم يتجاوز قراقوش عادة زمانه التي كانت ترى المصلحة في الانتفاع بحجارة الأبنية القديمة حين تتداعى أو يتعطل الانتفاع بها في سياق العصر، كما هُدمت مساجد وقصور ومنشآت إسلامية في كثير من العصور ليُعاد استعمال حجارتها في منشآت جديدة، لذا كان الحجر دائمًا أقدم من المبنى، وما زال يصرخ في عصرنا: أنا أثري! وإن لم يكن المبنى مسجلًا في عداد الآثار.

وكان من منشآت صلاح الدين الكبرى غير العسكرية أثر لم تُدركه لجنة حفظ الآثار العربية ولا عدسات مصوري القرن التاسع عشر، هو قناطر الأهرام أو قناطر الجيزة التي بناها قراقوش عام 569هـ، ورممها السلطان المظفر بيبرس الجاشنكير عام 708هـ، وكانت تمتد من رصيف بُني لها خصيصًا على ساحل الجيزة إلى سفح الأهرام، وسنتتبّع أخبار هذه القناطر من خلال نص تراثي يرجع إلى القرن التاسع الهجري، ونصّين حديثين نسبيًّا يرجعان إلى عصر أسرة محمد علي، لنحاول الوقوف على أمر هذه القناطر.. كيف كانت؟ وما يمكن أن يكون قد بقي منها.

النص الأول: للمقريزي المتوفى عام 845هـ-1441م، من كتابه الأشهر (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار)

“القناطر الموجودة اليوم في الجيزة من الأبنية العجيبة، ومن أعمال الجبارين، وهي نيف وأربعون قنطرة عمرها الأمير قراقوش الأسدي، وكان على العمائر في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بما هدمه من الأهرام التي كانت بالجيزة وأخذ حجرها فبنى منه هذه القناطر وبنى سور القاهرة ومصر (الفسطاط) وما بينهما وبنى قلعة الجبل.

… وفي سنة تسع وتسعين وخسمائة تولى أمر هذه القناطر من لا بصيرة عنده، فسدّها رجاء
أن يحبس الماء فقويت عليها جرية الماء، فزلزلت منها ثلاث قناطر وانشقت، ومع ذلك
فما روي ما رجا أن يروى.

“القناطر الموجودة اليوم في الجيزة من الأبنية العجيبة، ومن أعمال الجبارين، وهي نيف وأربعون قنطرة عمرها الأمير قراقوش الأسدي، وكان على العمائر في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بما هدمه من الأهرام التي كانت بالجيزة وأخذ حجرها فبنى منه هذه القناطر وبنى سور القاهرة ومصر (الفسطاط) وما بينهما وبنى قلعة الجبل.

… وفي سنة تسع وتسعين وخسمائة تولى أمر هذه القناطر من لا بصيرة عنده، فسدّها رجاء أن يحبس الماء فقويت عليها جرية الماء، فزلزلت منها ثلاث قناطر وانشقت، ومع ذلك فما روي ما رجا أن يروى.

وفي سنة ثمان وسبعمائة رسم الملك المظفر بيبرس الجاشنكير برمّها فعمر ما خرب منها، وأصلح ما فسد فيها فحصل النفع بها، وكان قراقوش لما أراد بناء هذه القناطر بنى رصيفًا من حجارة ابتدأ من حيز النيل بإزاء مدينة مصر (الفسطاط) كأنه جبل ممتد على الأرض مسيرة ستة أميال حتى يتصل بالقناطر”(1).

النص الثاني: لمحمد بك رمزي صاحب القاموس الجغرافي للبلاد المصرية المتوفى عام 1945

ورغم أن هذا النص أحدث من الذي يليه، فإنني أقدمه عليه لأنه العمدة في إثبات وجود هذه القناطر حديثًا، مع صدوره عن علامة زمانه في المعرفة بالبلدان المصرية والاستدلال على منشآتها المندثرة وأماكنها الدارسة، قال في حواشي “النجوم الزاهرة” عند الحديث عن قنطرة الأهرام:

“وأقول: إن هذه القنطرة كانت مكوّنة من جملة عيون أغلبها مسدود تحت شارع الهرم، وبعضها لا يزال مفتوحًا، والجزء المفتوح قد تجدد جملة مرات وهو الذي يمر منه اليوم مجرور بحر اللبيني الواقع غربي مصرف المحيط تحت شارع الهرم وعلى بعد 1500 متر من الجهة الشرقية للأهرام بأراضي ناحية نزلة السمان بمركز الجيزة”(2).

وأقول تعليقًا عليه: إن الجزء المفتوح لم يعد له وجود قطعًا، فبحر اللبيني أصبح طريقًا رئيسًا قاطعًا لشارع الهرم، ومكان تقاطعهما أقيم فيه نفق حديث، ما يعني أن الجزء المفتوح أزيل ولم يؤبه له، ومصرف المحيط هو ترعة المريوطية.

لكن الأهمية الكبرى للعيون المسدودة التي بُني عليها شارع الهرم عام 1869 قبل نشأة لجنة حفظ الآثار العربية، فمن الممكن أن تكون هذه العيون متناثرة في أجزاء مختلفة من الشارع.

النص الثالث: لعلي باشا مبارك ت 1893، من كتابه الأشهر (الخطط التوفيقية)

ورغم أن هذا النص لا يتحدث عن قناطر صلاح الدين، فإنه يفيدنا بمعلومات مهمة عن شارع الهرم في بداية نشأته.

قال “علي مبارك” عند حديثه عن مدينة الجيزة: “وبجوار المدينة من بحري جسر سلطاني أنشأه الخديوي إسماعيل باشا ممتد من البحر إلى الجبل الغربي يعرف بجسر أهرام الجيزة تحفُّه الأشجار من الجانبين، يمر به المتفرجون على الأهرام والآثار القديمة، وعمل به قناطر وبرابخ تمر فيها المياه للري”(3).

نص المقريزي هو النص التراثي الأهم الذي وقفت عليه يُفصل شأن هذه القناطر، وقد ذكرها ابن تغري بردي عرضًا في منشآت صلاح الدين، ومن المهم هنا الانتباه إلى أن وجود هذه القناطر خارج العاصمة (الفسطاط والقاهرة وما بينهما) جعل عناية المؤرخين وكُتاب الخطط القدامى بها دون ما تستحق، وحتى يتسنى لي أو لغيري الوقوف على نصوص تراثية أخرى بشأن هذه القناطر فإنني أستنطق النصوص الثلاثة التي أوردتها عن عدة أمور:

الأول: أن إعادة استعمال حجارة الأبنية القديمة في منشآت جديدة أمر كان شائعًا طيلة التاريخ قبل نشأة علم للآثار يُعنى بالحفاظ عليها والتعامل معها كوثائق تاريخية، وكما هُدمت أهرام للبناء بحجارتها هُدمت مساجد ومدارس وقصور إسلامية حين تضعضع بنيانها أو تعطل الانتفاع بها وأعيد استعمال حجارتها في منشآت لاحقة، لذا فإن عمر الحجارة في الأبنية القديمة أقدم بكثير من عمر الأبنية ذاتها، وإن الحجارة أثرية حتى يثبت العكس.

الثاني: أن حجارة هذه القناطر مأخوذة من أهرام كانت قائمة في الجيزة، ولما كان أكثر الأهرام التي نعرفها يرجع إلى عصر الدولة القديمة فإن عمر هذه الحجارة الأثري لا يقل عن 4000 سنة، ومن المحتمل جدًّا أنها تحوي نقوشًا هيروغليفية لمتون الأهرام، أو نصوصًا تأسيسية توثق أسماء الفراعنة الذين أنشئوها، وستكون نصوصًا بالغة الأهمية حال اكتشافها لأنها ستكون الشاهد التاريخي الأوحد على وجود هذه الأهرام، وعلى إنشاء هؤلاء الملوك أهرامًا لا نعرف عنها شيئًا لاندثارها قبل نشأة علم الآثار بقرون طويلة.

الثالث: أن القناطر بالتأكيد كانت تشتمل على نصوص تأسيسية عربية ترجع إلى عصر صلاح الدين مؤسسها عام 569هـ، ونصوص أخرى ترجع إلى عهد بيبرس الجاشنكير مرممها عام 708هـ، وربما تشتمل على نصوص عربية ترجع إلى عصور سلاطين آخرين، ولو أسعدنا الحظ بالعثور عليها فستكون وثيقة مهمة لتاريخ أثر مندثر قبل نشأة لجنة حفظ الآثار العربية، كما أنه من الوارد العثور على عيون كاملة من القناطر باقية بحالة سليمة، وفي هذه الحالة يمكن فكها وإعادة تركيبها للعرض بمتحف الحضارة أو غيره من المتاحف.

الرابع: رُغم أن “علي مبارك” لا يحدثنا عن قناطر صلاح الدين، إلا أنه يفيدنا بأن شارع الهرم عند نشأته كان جسرًا لا شارعًا بمستوى الأرض، وهذا منطقي لمروره فوق مزارع وتُرع ومصارف، ولأنه أنشئ لغرض سياحي يُحتم ألا يختلط بأراضي الناس، ويدل عليه في زماننا انخفاض مستوى جميع الشوارع المتفرعة من شارع الهرم عنه بفروق متفاوتة، لكن النازل من شارع الهرم إليها والصاعد منها إليه يلحظ فرق مستوى الأرض بوضوح.

لا يحدثنا “علي مبارك” عن قناطر الجيزة، لكن هذا لا ينفي وجودها تحت جسر الأهرام، ونصُّ “علي مبارك” على أن “إسماعيل” أنشأ في الجسر قناطر وبرابخ لمرور مياه الري دال على أن أسفل الجسر كان مسدودًا في غير مواضع هذه القناطر والبرابخ، ومن الوارد جدًّا أن تكون عيون القناطر القديمة في هذه الأجزاء المسدودة، فضلًا عن أنه يلفت نظرنا إلى قناطر الخديوي إسماعيل التي تُعد آثارًا في حد ذاتها لتجاوز عمرها 150 عامًا، وتستحق ذات العناية في البحث عنها.

هل يعود الأثر إلى الحياة؟

أنا لا أدري ما الموجود الآن تحت شارع الهرم، لكن من المؤكد تأسيسًا على كلام “محمد رمزي” و”علي مبارك” أن تحته عيونًا مسدودة من قناطر صلاح الدين، قد تكون متناثرة أو متصلة أو بقايا، وأن تحته قناطر وبرابخ الخديوي إسماعيل، لكني أدري أن أمامنا الآن فرصة ذهبية لإنقاذ ما بقي من هذه القناطر التي طُمرت قبل إنشاء لجنة حفظ الآثار العربية، فالحفر في شارع الهرم كان مستحيلًا طيلة القرن الفائت، الشارع الذي كان أهم طرق العاصمة السياحية وأصبح فيما بعد من أهمها مروريًّا وأشدها ازدحامًا وتحمُّلًا لخطوط المواصلات.

اليوم لدينا فرصة ذهبية لاستنقاذ ما بقي من الأثر لأن الحفر سيشمل كامل طول الشارع من أجل إنشاء الخط الرابع للمترو، ولا أظن هذه الفرصة ستتكرر ثانيةً، فضلًا عن أن الحفر دون مراعاة وجود أي بقايا أثرية تحت الشارع قد يودي بها ويفعل بها ما لم يفعله طمرها لقرن ونصف.

اليوم لدينا فرصة ذهبية لنجري مسحًا أثريًا لشارع الهرم كله قبل الحفر، لنحدد مواقع العيون المسدودة من قناطر صلاح الدين التي ذكرها “محمد رمزي”، وبقاياها المتناثرة، والتي قد تشتمل على نقوش عربية أيوبية ومملوكية، ونقوش هيروغليفية من عصر الدولة القديمة، كما أن حجارتها كلها أثرية فرعونية، وهي كل ما بقي لنا اليوم من أهرام مندثرة، فضلًا عن قناطر الخديوي إسماعيل.

لدينا الفرصة الذهبية لفكّ ما يُعثر عليه من آثار وعرضه بالشكل اللائق في المتاحف إن كان نقوشًا أو بقايا، وفي حدائق المتاحف إن كان عيونًا كاملة أو أجزاء ضخمة، بل إنه من الممكن عرض بعضها في محطات الخط الجديد الذي كان السبب في كشفها، ولا يماري مُخلص لهذا البلد في أن كل حجر من آثاره جزء من تاريخه يستحق البحث عنه وإنقاذه وعرضه بالشكل اللائق المشرف، ثم يُحفر خط المترو على ما خُطط له بعد أن نطمئن أننا أنقذنا آثارنا وأخرجناها للنور، فلم نبنِ مستقبلنا على أنقاض تاريخنا، ولم نُضحِّ بماضينا من أجل حاضرنا.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram