زوايا

متصوفة “الباي فال” في السنغال.. يطعمون الطعام ولا يصومون رمضان

ربما لا يقتصر المعنى الشامل للصيام عند المسلمين على الإمساك عن الطعام فقط، إلا أن فعل الصيام الرئيسي بالنسبة للمسلمين في شهر رمضان هو الإمساك عن الطعام نهارًا وحتى تغيب الشمس. مع ذلك، لدى طائفة من المسلمين في السنغال طريقة خاصة في الصوم، قوامها عدم الإمساك عن الطعام!

كاتي جاين فرنليوس، كتبت في “أطلس أوبسكورا” عن رحلتها بصحبة هؤلاء القوم، متقصية طقوسهم الفريدة في رمضان. في ما يلي، نترجم بتصرف قصة فرنليوس.


تمر الطريق المفضية للمسجد الرئيسي في مدينة طوبى بالسنغال، بصف من المحلات المغلقة، وبمحاذاة الممشى بائع ناعس أمام كشكه، يبيع “بيني” مستعملة، وهي قبعات غالبًا ما تكون من الصوف، إلى جوار جوارب من الصوف أيضًا.

وخلف ستارة معلقة، يقلي مهاجرٌ من مالي البيض والبطاطس في كافيتريا صغيرة، فيما تعلن البوتيكات التي تشبه البقالات، للمسلمين الذين سيفطرون وقت غروب الشمس، عن توافر المشروبات الغازية.

في وسط هذا الصباح الهادئ نسبيًا، يعمل أفراد طائفة “الباي فال” المسلمة، بكل جهدهم لجمع أموال التبرعات على الطرقات، بطرق استعراضية تتسم بالخفة والفكاهة.

يدفع مباي ثيام، ابنه مصطفى، لمشاركة الأطفال والمراهقين في عملية جمع التبرعات هذه، ضمن أنشطة الباي فال، مرتديًا ملابس من اللونين الأسود والأبيض، يعبران عن الليل والنهار.

بعض أفراد الباي فال يرتدون الأزرق والأبيض، إشارةً للسماء، والبعض الآخر يرتدي الأصفر والأسود من أجل الحظ، بينما يرتدي كبار الطائفة معاطف بألوان زاهية.

الباي فال
فردان من الباي فال يرتديان زيًا بالأبيض والأسود

يشبه أفراد الباي فال في هيأتهم، أفراد الراستافارية، الحركة الدينية التي ظهرت في جمايكا، ويعتمد أفرادها هيئة معينة حيث الشعر المجدول والملابس المزركشة. وكان بوب مارلي منتميًا للراستافارية.

لا يصومون رمضان

لا يصوم أفراد الباي فال شهر رمضان على عكس معظم المسلمين، بل إنهم لا يمارسون العديد من شعائر الإسلام مثل الصلوات الخمس، ولا يحرمون المشروبات الكحولية. ويراهم أغلبية السنغاليين بالصورة النمطية للهيبيز: متسعكي الطرقات الذين يتشاركون الحشيش والكحوليات.

لكن بالنسبة للباي فال أنفسهم، فإن هذا التصور يمثل جزءًا أساسيًا من معتقدهم، الذي يستبدلون فيه الصيام والصلوات الخمس، بالعمل الجماعي، ومساعدة الآخرين، لذا ففي رمضان من كل عام، يجتمعون من كل أنحاء السنغال، في مشهد حميمي مؤثر، ويطهون الطعام طوال النهار، ويوصلون الوجبات لأكبر مسجد في طوبى، عبر موكب كرنفالي هائل، من أجل إطعام المسلمين الصائمين.

اقرأ أيضًا: سحور بكورال جماعي.. رمضان في السودان: لا للزواج نعم للعبادة

“لا نأتي لطوبى بدافع العاطفة فقط، بل نأتي إليها لأن المرابط طلب منا أن نفعل، ولا يمكننا مخالفة تعاليمه وأوامره”، يقول ثيام.

والمرابط بالنسبة للباي فال، هو الإمام الروحي للطائفة، والذي مُنح هذه المكانة من قبل الشيخ إبراهيم فال. وقد وجدت هذه المكانة بين أعضاء الباي فال بطريقة دنيوية إلى حد كبير، وذلك خلال فترة مقاومة الاستعمار الفرنسي، فعندما نفى الفرنسيون الشيخ أحمدو بامبا، مؤسس الطائفة، لعقود بسبب دعوته للمقاومة السلمية، كان إبراهيم فال من أكد بأن قوة الطائفة تشتد فقط من خلال دعم أحمدو بامبا ونشر رسالته، ولذا عندما سُمح لبامبا بالعودة، كرم إبراهيم فال بتعيينه شيخًا.

مات كلًا من بامبا وفال منذ نحو قرن مضى، وبقيت صورهما مع صور المرابطين المعاصرين، تُزيّن سيارات الأجرة، وجانبيّ الأتوبيسات الشعبية، وحوائط غرف المعيشة.

طوبى.. المدينة المقدسة

بالنسبة للباي فال، تمثل طوبى المدينة المقدسة، لذا اعتاد ثيام، زيارتها في شهر رمضان، منذ كان طفلًا وعلى مدار 40 عامًا.

طوبى المطلة على الساحل، يمتزج حر جوها بالرطوبة الاستوائية، لكن ذلك لا يمنع مئات من الباي فال أن يقيموا في خيامهم بمجمع المرابط، يعدون الطعام للمسلمين الصائمين، بينما تتمثل مهمة آخرين في حمل الطعام لنقله، وآخرون يشاركون بالغناء.

المسجد الكبير في طوبى
المسجد الكبير في طوبى

ولأن طوبى مدينة دينية “مقدسة”، وبها ثاني أكبر مسجد في القارة كما يزعم أهلها، تُمنع الخمور والسجائر وكل موسيقى غير إسلامية، وتؤمر النساء بتغطية شعورهن وارتداء التنانير، كما يكلفن بمهمة الطهي.

بالنسبة للنساء، فإنهن يجهزن في اليوم الواحد وجبتين رئيسيتين: وجبة الغداء للمريدين من الباي فال، ووجبة الإفطار التي سيوصلونها للمسجد. وتتكون وجبة المريدين، أفراد الباي فال، من طبق سنغالي كلاسيكي يسمى ثيبوديان، وهو عبارة عن خليط بسيط من الأرز واللوبيا والملفوف والجزر وشرائح البصل.

بعد تقديم الغداء، يبدأ على الفور إعداد وجبة النودغو. وتتكون تلك الوجبة من دجاج بصلصة البصل والزنجبيل والفلفل الحار والخردل، وتقدم مع شرائح البطاطس السميكة.

بالنسبة لأولئك الذين لا يطبخون، من النساء والرجال، فإنهم يستريحون تحت أشجار الباوباب، يتجاذبون أطراف الحديث، وهم يشربون القهوة.

متواضعون مثل مكب نفايات!

تقول إحدى أعضاء الباي فال، إن طائفتها ليست ثرية بالضرورة، لكنها مع ذلك تُعرف بالسخاء والكرم، ومد يد العون للجميع. تصف طائفتها بقولها: “نحن متواضعون مثل مكب نفايات، لكننا مفيدون، ونجهد ونتعب من أجل السنغال”.

قبيل الخامسة مساءً، ينشط مجمع مرابط الباي فال بوصول الحلل المعدنية الواسعة الممتلئة بالدجاج الناضج، كما يتوافد الصبيان الذين ذهبوا للتسكع عند البوتيكات، عند رجل يحمل وعاءً من اللبن المجفف المحلى، يشربون منه كوجبة خفيفة.

أخيرًا، يخرج الباي فال جميعهم للشوارع، فتتعطل حركة المرور ويتأزم السير في الاتجاهين، بينما يدندن المنتظرون ويرد بعضهم على بعض في تناغم.

يحمل جماعة من الباي فال أوعية النودغو فوق رؤوسهم، يتقدمهم صف من رجال يحملون أكياس خبز ملفوفة، وعلى وجوههم تعابير جادة ووقورة.

الباي فال
الباي فال يوصلون وجبات النودغو

لا يصوم أفراد الباي فال، لكن أيضًا لا يشيع في السنغال التطوع بتقديم وجبات الإفطار للصائمين. وحدهم تقريبًا الباي فال من يقومون بذلك، مدفوعين بمعتقداتهم، التي يمتزج في طقوسها الغناء والرقص مع الخدمة والأعمال التطوعية.

رحمة راضي

مترجمة مصرية مهتمة باللغات وآدابها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى