متطوعو تجارب "كورونا":
يا رب لقاح!

في زاوية غرفة التطعيم ذات الأضواء الساطعة، يستلقي الشاب عادل نبيل على سريره البسيط في انتظار طبيب يحمل إليه جرعة من فيروس حرم الملايين من الأحباب وعكر صفو الحياة. ينقلُ الشاب المسترخي نظره بين أركان الغرفة، قبل أن يضخ الطبيب في ذراعه مادة تحمل فيروس كورونا. وقبل أن تنتهي الحقنة من عملها، تتعارك داخل الشاب تناقضات الخوف من العواقب، وأحلام الطفولة التي طالما تطلع فيها إلى أدوار البطولة. حانت اللحظة، واختُرِق الجلد بإبرة اللقاح المُحتمل. الآن دخل الفيروس الخامل جسم “عادل”، وبإذن كتابي منه!  

تزامنًا مع تخطي أعداد وفيات كوفيد-19 المليون حالة، تحتدم محاولات دول مثل روسيا، والصين، والولايات المتحدة، فضلاً عن دول أوروبية، للتوصل إلى لقاح يضع حدًّا لإزهاق مزيد من الأرواح.

لقاح كورونا الصيني في يد وزيرة الصحة
100 دولة تحاول

100دولة في الوقت الحالي تجري التجارب السريرية للمرحلة الثالثة للقاحين، ومصر من بين هذه الدول المئة، وتتعاون مع شركتي “سينوفارم” الصينية و”42G ” الإماراتية، نقلاً عن بيان رسمي صادر عن وزيرة الصحة المصرية الدكتورة هالة زايد. ورغم الغموض حول فاعلية هذه اللقاحات، وآثارها الجانبية على المُلقَّح، لم يتردد المتطوعون في خوض التجربة، فترى ما دوافعهم لهذه المخاطرة؟

محمد.. و"الملاذ الأخير"

وقع محمد، وهو اسم مستعار للمتطوع الذي رفض ذكر اسمه، على استمارة التطوع، مدفوعًا بإيمانه بمدى أهمية التجارب من هذا النوع.

لا يخفي محمد تحمسه لخوض تجربة مماثلة.. يقول: “من دون التجارب السريرية لم يكن العالم ليصل إلى الأدوية واللقاحات والأمصال المتوافرة حاليًّا لأمراض كثيرة”، ولذا يصف هذه التجارب بـ”الملاذ الأخير” للنجاة من وباء كورونا العالمي، ومن ثم إنقاذ ملايين الأرواح.

وتحاشيًا لرفض محتمل من أهله، أخفى محمد عن أفراد عائلته عزمه التطوع لكيلا يثنيه خوفهم عليه من إتمام ما بدأه.

عبارة “التماس الملاذ الأخير” التي لا تغيب عن حديث محمد كانت محركه الأهم لتطوعه، فلم ينتظر طويلاً حتى يملأ استمارة المشاركة في التجارب، والتي أتاحتها وزارة الصحة المصرية فور إعلانها بدء التجارب السريرية في ١٢ سبتمبر/أيلول الماضي، لاستقبال طلبات الراغبين في المشاركة. وخلال وقت قليل، تواصل معه أحد المسؤولين ليطلب منه الحضور في اليوم التالي إلى مقر مركز المصل واللقاح بمنطقة الدقي في محافظة الجيزة المصرية.

رحلة المتطوع للحصول على لقاح كورونا
رحلة المتطوع للحصول على لقاح كورونا

داخل الجناح الذي خصصه مركز المصل واللقاح “فاكسيرا” لمباشرة تجارب لقاح كورونا، خضع محمد لكشف طبي يشمل قياس الضغط والسكر، كما استفسره الطاقم الطبي عما إذا ما كان يعاني من حساسية، أو يتناول مضادات للاكتئاب، تفاديًا لأعراض جانبية خارجة عن السيطرة قد تنتج عن أنواع معينة من العقاقير، وكلها موانع أعلنتها وزارة الصحة سابقا لتناول اللقاح.

يواصل محمد حديثه عن جولته داخل المركز، فبعد حصوله على نموذج “الموافقة المستنيرة”، اتجه المتطوع الشاب إلى ركن هادئ، حتى يتيح لنفسه الفرصة ليقرأ بعناية النموذج الذي بموجبه يتلقى المتطوع اللقاح، شريطة التوقيع عليه وثبوت سلامة فحوصاته.

يقول محمد إن كل شيء كان مرتبًا في تلك التجربة عدا شيئًا واحدًا، فقبل لحظة حقنه، سأل المشرف عن نوع اللقاح، لكنه لم يجد ردًا سوى أن التجربة عمياء.

والتجربة العمياء أو Double Blind هي وسيلة متعارف عليها لإجراء التجارب، تُخفى فيها معلومات الاختبار عن المتطوعين والمشرفين أنفسهم، منعًا للتحيز ومن ثم التأثير في النتائج.

نموذج الموافقة المستنيرة قبل الحصول على لقاح كورونا
سوسن.. لم تتردد!

لم تفكر سوسن الجمل، ذات الـ55 عامًا، للحظة قبل التطوع للتجارب الإكلينيكية التي تنظمها وزارة الصحة المصرية، ففور سمعاها جملة “لأجل الإنسانية”، تحركت مشاعر سوسن بالمسؤولية لتخوض هذه المخاطرة. شعار “لأجل الإنسانية” تستخدمه مصر مع 3 دول عربية هي الإمارات والبحرين والأردن، في حملاتها الدعائية لتجارب اللقاح الصيني.

“ما دامت فيه فرصة أقدم مساعدة للبشرية، ليه لأ؟” سؤال ترى سوسن أن إجابته محسومة، وهي تستعيد ما واجهته الأطقم الطبية لاحتواء الوباء الذي سبب ضغطًا على المنظومة الصحية في كل الدول، بنحوٍ لم يسبق له مثيل منذ عقود.

تضيف سوسن: “مش عاوزة الدكاترة يشيلوا أكتر من اللي شالوه”، فبرأيها، لم يترك هذا الفيروس مجالاً للأطباء للاستمرار في تنفيذ قسمهم الذي يؤدونه عادة قبل مزاولتهم مهنة الطب، فالبعض منهم خسر حياته، والآخرون منعتهم الإصابة عن تقديم المساعدة لبقية المرضى.

حظيت سوسن بدعم وثناء المحيطين بها، بداية من أمها التي كانت لتتطوع لو أتيحت لها الفرصة، وأصدقائها الذين احتفوا بشجاعتها وكم هي “بطلة”، ولكن سوسن لم تتفق معهم، فهي لا ترى أي بطولة في ما أقدمت عليه. فما حدث، في رأيها، هو أمر طبيعي على الجميع فعله، مستنكرة: “ليه الناس بتحتفي باللي بيعمل حاجة صح، رغم إن ده اللي مفروض الكل يعمله؟”

لقاح كورونا المنتظر

واجهت سوسن مشكلة عند ملء استمارة التطوع، ولكنها لم تطق الانتظار لحلها، فذهبت في اليوم التالي إلى مقر هيئة المصل واللقاح، وهناك أظهر الطاقم تعاونًا ومعاملة طيبة.

وفي نفس الغرفة التي يتوافد إليها العشرات، خضعت السيدة لفحص كامل، وتحكي: “قياس ضغط الدم كان مرتفعًا قليلاً لكنني لا أعاني من ارتفاع الضغط، فأخبرت الأطباء أني أشرب القهوة وكنت قادمة من الجيم، فأعادوا لي الفحص حتى استقر”.

خضعت سوسن لمسحة الـPCR  في الأنف والحلق، والتي تختبر احتمالية أن يكون المتطوع مصابًا بالفعل بفيروس كوفيد-19، وهي المرحلة الأصعب في تلك الفحوصات بالنسبة إلى سوسن، ولكن إجمالاً كانت تعتقد أن التجربة تستحق.

لم تراود سوسن مشاعرُ الخوف عندما سرى الفيروس في جسدها، وبعدها أودعوها في غرفة الملاحظة لمدة نصف ساعة، وتقول إن الأطباء كانوا حريصين على المتطوعين، موضحة “لدرجة إني لو حطيت رجل على رجل بالاقي حواليا 3 أشخاص يسألوني عن حالتي”.

في اليوم التالي للتجربة، استيقظت سوسن بألم في ذراعها، لكنه لم يكن ألمًا شديدًا بالنسبة إليها، فلم يتجاوز الوجع محيط موضع إبرة اللقاح، مضيفة أنه ألم يمر به أي خاضع لتطعيم الإنفلونزا، وتأمل سوسن أن يتجه الجميع للتطوع: “يا ريت الناس تخوض التجربة ومايكتفوش بإنهم يقولوا لي برافو”.

تجارب لقاح كورونا
عادل.. حلمي "أكون بطل"

لدى البعض أحلام منذ الطفولة لا تتلاشى أمام تقلبات الحياة، كأنها ترافقه كظله، وهذا ما حرك عادل نبيل للتطوع في تجربة اللقاح التي تجرى في مصر، وهو فائض السعادة بهذه المغامرة.

يسرد الشاب العشريني لـ”ذات مصر” مشهدًا من أحلامه: “وأنا صغير كنت باشوف صور شهداء الجيش والشرطة وكنت باتمنى إني أكون بطل زيهم، وأعمل حاجة مفيدة لبلدي”، ويكمل: “الفرصة دي كانت مناسبة جدًّا لتحقيق حلمي ده لأجل الإنسانية، بعد ما ضاعت عليا فرصة إني ألتحق بالجيش أو الشرطة بسبب إصابة في إيدي “.

منذ 25 يومًا، علم عادل بالتجارب من خلال صفحة وزارة الصحة المصرية على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، واستغرق توجهه من محل إقامته بالبدرشين إلى هيئة المصل واللقاح في الدقي قرابة ساعتين.

بعد إتمامه الإجراءات والفحوصات التي تسبق الحصول على اللقاح، أعطى عادل بطاقة لتدوين أي أعراض تظهر عليه لمدة 7 أيام. ويكمل قائلاً: “يوم ويوم بيتواصلوا معايا لحد ما أخدت الجرعة التانية”.

وأخذ عادل على عاتقه مهمة أخرى، وهي الرد على تعليقات زوار صفحة وزارة الصحة على فيس بوك، ممن يواجهون صعوبة في التسجيل للتطوع، وتشمل ردوده إرشادهم بإجراءات التطوع، وحثهم على التوجه فورًا للمشاركة.

لكنه يضيف: “باحس بحزن شديد لما باشوف استخفاف الناس” هكذا ترجم عادل مشاعره تجاه تعليقات البعض بشأن جدية التجربة، مضيفًا: “نفسي كل الناس تروح وتشارك عشان ننقذ البشرية”.

الفنان أحمد فهمي يتطوع للحصول على اللقاح
هدى.. كانت "مرعوبة"

في بادئ الأمر ترددت “هدى”، وهو اسم مستعار، في الحديث عن تجربتها خوفًا من الاستخفاف بها، بسبب ما تتعرض له من مضايقات نتيجة هذه المشاركة.

رغم الصراع ما بين خوفها من المجهول وتطلعها إلى إيجاد نهاية لهذه الجائحة، لم تتراجع السيدة عن قرار خوض التجربة، فـ”المرض موجود ولازم نلاقي له حل، والناس اللي حطته مش هتجازف بأرواح الناس إلا لو فعلاً واثقين بإنه ممكن يبقى فعال”، كما تقول.

حين صادفت إعلان التجارب على فيس بوك، سارعت هدى للحصول على مزيد من المعلومات عن اللقاح الصيني من محرك البحث جوجل. وحينها نضجت في رأسها فكرة التطوع: “أنا كمان معرضة إنه يجيلي كورونا، خصوصًا إني بانزل كتير الشارع”.

“وأنا نازلة كنت مرعوبة؛ أنا عندي بنت صغيرة لكن سبت كل حاجة على ربنا وهو يسترها” تسترجع السيدة أولى لحظات التوتر الأولى لدى وصولها إلى مقر المصل واللقاح، فمن شدة خوفها، ارتفع ضغط الدم لديها إلى حدوده القصوى، ولكنها التقت هناك فتاة طمأنتها حين أخبرتها أنها تصطحب إحدى صديقتها لتناول اللقاح، بعد تطوعها هي نفسها في وقت سابق.

حديث الفتاة الغريبة لم يكن وحده ما طمأن هدى، ولكن عندما علمت بتطوع وزيرة الصحة المصرية، هالة زايد، بشخصها، زاد شعورها بالاطمئنان.

وكانت وزيرة الصحة قد تلقت اللقاح أواخر الشهر الماضي، داعية المواطنين للمشاركة في التجارب لأجل الإنسانية.

ولم يقف الاطمئنان عند هدى التي باغتها التوتر في البداية، ولكنه امتد إلى زوجها وأختها اللذين كانا متخوفين لكنهما أقرا بأن هدى وحدها “تتحمل مسؤولية قرارها”، لكن لاحقًا قرر زوج هدى أن يتطوع هو الآخر لتناول اللقاح، بعدما اطمأن بقدرٍ كافٍ.

تختم هدى حديثها قائلة: “كل حد أعرفه باكلمه وباقول له يروح؛ محتاجين نحمي قرايبنا من المرض ده”.

في ذات السياق، ووفقًا لتصريحات وزيرة الصحة المصرية، تستهدف التجارب الحالية 45 ألف متطوع على مستوى العالم، والتجارب قاربت من 35 ألف متطوع وفي غرفة صغيرة، يتوافد المتطوعون يوميًّا في مختلف البلدان لأخذ اللقاح، وكل منهم يحمل مشاعر ودوافع لا يدركها غيره، فمنهم من سلب منه الفيروس صديقه أو أحد والديه أو حبيبته، والبعض الآخر ربما يرغب في اجتناب خسارة أحباء جدد!  

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

هالة المليجي

صحفية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram