زوايامختارات

لا سحر ولا شعوذة.. متلازمة توريت: الحياة في جسد يملكك

تفاصيل خروج “صلاح الدين” من مدرسته في إحدى قرى محافظة المنيا، جنوب مصر، يوم اشتدت عليه التشنجات وعلت الأصوات الخارجة منه دون إرادته، لا تزال عالقة في ذهنه، خاصة أنه تعرض للطرد من المدرسة، ونهره أحد المعلمين: “ماتجيش هنا تاني لغاية ما تتأدب”.

صلاح الدين علي، شاب في منتصف العقد الثالث من عمره، من أصول صعيدية، يعيش في الإسكندرية، مصابٌ بمتلازمة توريت (Tourette syndrome)، وهو ما اكتشفه في نهاية فترة مراهقته بعد رحلة طويلة وصعبة في التشخيص استمرت من عمر سبع سنوات حتى 15 سنة.

يعاني “صلاح” من تشنجات في وجهه بشكل أساسي، تؤثر بالتبعية على بقية جسده، وهي كلها حركات لا إرادية، وعندما تزداد حدة تلك التشنجات تخرج معها أصوات من فمه غير مفهومة.

في الماضي كان غير قادر على تفسير ما يحدث له، للأشخاص من حوله.. لكن بعد التشخيص، ومع بداية رحلته العلاجية، صار قادرًا على شرح ما هو مصاب به: متلازمة توريت.

ما هي متلازمة توريت؟

بحسب جمعية “متلازمة توريت” الأسترالية، فهذه المتلازمة هي اضطراب عصبي يبدأ في معظم الأحيان بين سن عامين و21 عامًا، ويستمر طوال العمر.

تؤدي متلازمة توريت إلى حركات عضلية وتلفظات لا إرادية سريعة ومتكررة تسمى “العرات”، وعادةً ما تتضمن صعوبات سلوكية.

وتصنف الجمعية العرات إلى فئتين:

البسيطة: وتتضمن العرات البسيطة أعراضا حركية أو لفظية مثل طرف العينين ونخع الرأس وهز الكتفين والتنحنح والنباح والصراخ.

المركبة: وتتنوع أعراضها الحركية واللفظية بين القفز ولمس الآخرين أو الأشياء، والدوران حول النفس وتحرك الجذع أو الأطراف حركة متكررة، واللجلجة والنطق بعبارات غير مفهومة.

متلازمة توريت
رسم توضيحي لأعراض متلازمة توريت: حركات عضلية وتلفظات لا إرادية سريعة ومتكررة

وحتى الآن لا يعرف السبب الدقيق لمتلازمة توريت، إذ تشير الجمعية إلى أنها تمثل اضطرابا معقدا ناتجا، على الأرجح، عن مزيج من العوامل الوراثية والبيئية، وقد تلعب المواد الكيميائية الموجودة في الدماغ، والتي تنقل النبضات العصبية (بما في ذلك الدوبامين والسيروتونين)، دورًا في الإصابة بالمتلازمة.

وتتضمن عوامل الخطر لمتلازمة توريت كلًا من:

تاريخ العائلة: لأن وجود تاريخ عائلي لمتلازمة توريت أو غيره من الاضطرابات التشنجية، قد يزيد خطر الإصابة بالمتلازمة.

الجنس: لأن الذكور أكثر عرضة للإصابة بمرض توريت من الإناث بمعدل ثلاثة أو أربعة أضعاف .

التشخيص الخاطئ.. سحر وشعوذة

أول طبيب ذهب إليه صلاح الدين كان في مستشفى حكومي يبعد عن قريته مئات الكيلومترات، لكنه لم يشخص المرض بشكل صحيح، وكتب له بعض الأدوية التي لم تكن ذات جدوى.

وفي الوقت الذي كان أهل “صلاح” متعاطفين معه بسبب التشنجات التي تصيبه، كان بعض الجيران يعتقدون أنه يتمارض، بينما ذهب آخرون إلى الاعتقاد بأن سبب التشنجات هو الجن.

اقرأ أيضًا: مصابو الحروق في مصر: معاقون بأمر المجتمع.. أسوياء بقرار حكومي

بالفعل عرضه أهله على أحد “المشايخ” المعنيين بأمور الرقية الشرعية و”صرف الجن”.. يقول “صلاح” إن شيخًا كان يزوره في المنزل يوميًا لمدة أسبوعين تقريبًا من أجل رقيته.

الغريب أنه خلال تلك الفترة هدأت التشنجات بعض الشيء.. لاحقًا عرف صلاح الدين سبب ذلك، وهو أن تشنجات متلازمة توريت تخف بتعرض المريض للاسترخاء.

لكن ذلك الهدوء النسبي، جعل أهل “صلاح” يعتقدون أكثر في أن الجن هو السبب، فبدأت رحلة أخرى مع “الدجالين”.

يحكي “صلاح”: “كنت مادة خصبة لعمل الدجالين ونصبهم لفترة، حيث اصطحبتني والدتي لاثنين منهم، وأخذوا منها كثيرا من المال، رغم فقر أسرتي”.

رغم كل هذا الإنفاق، جاءت النتائج عكسية.. يوضح “صلاح”: “أصوات الدجالين العالية ووصفات الأعمال التي كانوا يطلبونها من والدتي، والدم الذي كانوا يوصونها بأن أتذوقه، كلها أمور كانت مفزعة بالنسبة إلي، وكانت تجعل وجهي يتشنج بشكل متكرر”.. وباقتناع والدته، اقتنع الطفل “صلاح” أنه ملبوس بجن.

ترك “صلاح” المدرسة ولم يُكمل تعليمه لأنه لم يُعالَج.. وعندما بلغ العاشرة من عمره، عمل بأحد المخابز رأفةً من صاحب المخبز بحاله، وجعله في جانب العجين ليبعده عن الاختلاط المباشر بالناس/الزبائن.

فقط حين بلغ الـ15 من عمره، استطاع “صلاح” الوصول للتشخيص الصحيح لحالته، عندما سافر مع والده لأقارب لهم في الإسكندرية، حيث أشاروا عليهم بزيارة طبيب أعصاب، استطاع تشخيص الحالة.. عندئذ شعر “صلاح” بالراحة، وبدأت حالته النفسية تتحسن: “أخيرًا لا يوجد جن ولا مس شيطاني”.

نصح الطبيبُ والد “صلاح” بالمتابعة مع طبيب نفسي لاحتواء مضاعفات المرض.. لكن والد صلاح، الذي كان متقبلًا لكون ابنه “ملبوسًا” بالجن، لم يتقبل العلاج النفسي: “ابني مش مجنون”.

على إثر ذلك، لم يتمكن “صلاح” من الحصول على الرعاية النفسية سوى بعد سنوات، حين قرر ترك قريته في محافظة المنيا، والرحيل للاستقرار بالإسكندرية، حيث تنقل بين حرف وأعمال مختلفة..

وفي الإسكندرية، بدأ رحلة علاج نفسي، ومعرفة أكبر بمتلازمته.

وفي حين لم يسلم من التنمر والسخرية مع كل نوبة تشنجات يصاب بها، لم يعد يسعى لكبحها، بعد أن بات يعلم أن ذلك سيجعلها تزيد في شدتها.

وصمة الطب النفسي

وعن تشخيص متلازمة توريت، تقول خلود أحمد، إخصائية الطب النفسي، لـ”ذات مصر”، إن التشخيص نفسه ليس صعبًا.. لكن في مصر الطب النفسي عمومًا، والطب النفسي للأطفال خصوصًا، موصوم، وغالبًا أول ما يحضر في ذهن الآباء عند ملاحظة تصرفات غريبة من الأطفال مثل التشنجات، هي السحر، وأن الطفل ملبوس”.. تفسر “خلود” ذلك بأنه “أهون على الأهل من أن يكون طفلهم مريض نفسي”.

أما أبرز ما يمكن به معرفة متلازمة توريت، أن أعراض إصابتها تأتي في هيئة تصرفات غريبة في وجه أو جسم الطفل أو أصوات غير مفهومة تخرج منه بشكل متكرر.. وتزداد هذه الأعراض مع تعرض المريض للضغوطات.

توارث متلازمة توريت

من الممكن الإصابة بمتلازمة توريت بالوراثة، كما حدث مع أحمد (اسم مستعار)، الذي ورّث طفله المتلازمة.

اكتشف “أحمد” إصابته بمتلازمة توريت حين كان في سن المراهقة، وتسببت المتلازمة بإصابته باضطرابات نفسية أخرى، مثل الوسواس القهري، والاكتئاب.

يرجع “أحمد” الاضطرابات النفسية التي أصيب بها إلى تعامل المحيطين مع حالته: “تنمر، سخرية، ورفض”.. لذلك اختار الانعزال عن الناس بدايةً لطريق العلاج، الذي انقسم إلى علاج بالأدوية والعقاقير ورعاية نفسية تمثلت في المتابعة عند طبيب نفسي والمشاركة في مجموعات للدعم والتعافي، حيث تعرف على زوجته.

متلازمة توريت
عادة ما ترافق الإصابة بمتلازمة توريت، اضطرابات نفسية أخرى مثل الوسواس القهري وطيف التوحد

عندما بلغ طفلهما السابعة من عمره، لاحظ “أحمد” وزوجته، عليه بعض التصرفات الغريبة، أبرزها اللجلجة، ثم تلاها بعض التشنجات في الوجه.. مع ذلك لم يخطر في بالهما نقل المرض إليه بالوراثة، ولم يتأكدا إلا بعد التشخيص.

كل ما يريده “أحمد” حاليًا ألا يمر طفله بكل الصعاب والأزمات النفسية التي مر بها.. يقول: “يكفيه تحمل المتاعب الجسدية والنفسية للمتلازمة فقط، وأتمنى ألا يحمّله المجتمع مزيدًا من المتاعب”.

في سبيل ذلك، اضطر “أحمد” إلى نقل ابنه من مدرسة حكومية إلى أخرى خاصة “ليتفهموا حالته”.

الاستيعاب والدعم.. بداية طريق العلاج

الدعم والقبول المجتمعي هما أهم ما يذلل عقبات رحلة العلاج التي يخوضها مريض متلازمة توريت.

يجسد فيلم “Front of the class” معاناة معايشة مرض متلازمة توريت، عن قصة الكاتب براد كوهين، التي وثقها في كتابه “أمام الفصل.. كيف جعلتني متلازمة توريت المعلم الذي لم أكنه”.

يحكي الفيلم قصة براد كوهين واكتشافه المرض صغيرًا بعد ظهور بعض التشنجات عليه، مرورًا بمرحلة الطفل المرفوض وغير المرغوب فيه بين زملاء المدرسة وحتى معلميه.. بل يصل الأمر إلى رفض والده له، بينما تبقى والدته متمسكة برعايته.

اقرأ أيضًا: مأساة المجروحين بالماء.. “مرضى التعرق المفرط” ضحايا الإعاقة الخفية

لم يبدأ براد كوهين في التماسك وإبداء الصلابة، إلا بعد انتقاله إلى محيط اجتماعي يتقبله ولو نسبيًا، رغم أنه لا يزال يعاني في الأماكن العامة إذا أصيب بالتشنجات.

على مستوى آخر، قد تستلزم حالات الإصابة بالتوريت علاجًا دوائيًا، لا يغني عن العلاج النفسي، الذي توضح الإخصائية النفسية خلود أحمد، أنه يبدأ بجلسات توعية لأهل المريض، لحثهم على تفهم أعراض إصابته، وأن تعرضه للتعنيف بسببها سيضاعف الحالة.

ولارتباط متلازمة توريت باضطرابات نفسية أخرى، تكون بمثابة المضاعفات للمتلازمة، فإنه لا يمكن تحديد الوقت اللازم لعلاج المريض، وعادة ما يعاني المصاب بمتلازمة توريت باضطرابات فرط الحركة والوسواس القهري والقلق، وكذلك اضطراب طيف التوحد.

وفي دراسة حديثة أجريت بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو الأمريكية، تم اختبار 294 طفلا مصابا بمتلازمة توريت، ليجد العلماء أن قرابة 23% من الحالات تظهر عليها أعراض اضطراب طيف التوحد، فيما كانت النسبة 8.7% بين البالغين من أصل 241 حالة.

ندى جمال

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى