ثقافة وفنقصص مصورة

حوار| مجد كردية: هل الطقس مناسب للصيد اليوم؟

يقدم الفنان السوري الشاب مجد كردية أعمالًا تشكيلية يمكن وصفها بالخروج عن المعتاد؛ ثراءٌ بصري يفتح شرفة التلقي على تأويلات متعددة، مع الالتزام بالصراخ في وجه الموت، والهتاف للحياة. لكنها حياة يناورها كثيرًا بريشته وخطوط الشخصيات الحاضرة في أعماله بألفة وشفافية، وبعض المباشرة أحيانًا.

تشكل وعي مجد كردية في مدينة حلب السورية حيث ولد، منتصف ثمانينيات القرن العشرين (1985)، لعائلة عرفت بتفاعلها المبكر مع الهم العام، ما كان لو دور في طبع مساراته اللاحقة، فنيًا أيضًا.

وبخصوص تجربته الفنية وما قدمه مجد كردية، تسود حيرة ما عندما يتعلق الأمر بالتوصيف، لأنه ليس من السهل توصيف وتصنيف طبيعة ما يقدمه في لوحاته المتباينة.

يمكن القول إن كردية يلون وينوع ويتنقل بريشته بين عدة مدارس فنية، دون أن يلزم نفسه بأعباء المنهج والأسلوب، مصوبًا نظره بتركيز على المنتج النهائي. ينطلق كردية من قناعة تراكمت عنده، مفادها أن المدارس الفنية ليست إلا مصطلحات تسهم فقط في فهم الفن، لكن لا تحدده.

وفي القاهرة، كان لكردية حضور ليس الأول من نوعه، خلال الأسبوعين الماضيين، في معرض أزاد بمنطقة الزمالك، مشاركًا فنانين آخرين من مصر وسوريا وفلسطين، تحت عنوان: “رحلات عاطفية”.

مجد كردية
هناك حصلت لحظات “تجميد الزمن فيزيائيًا” بتعبير الناقد البنيوي رولان بارت في كتابه “الغرفة المضيئة.. تأملات في الفوتوغرافيا“. وهناك كانت لـ”ذات مصر” هذه الجولة المصورة رفقة حوار مع صاحب القصة، مجد كردية:

قد تكون الإجابات على سؤالي “ما الفن؟” و”لماذا الفن؟”، نظرية وواسعة. لكن لو خصصنا السؤال لنموذج مجد كردية فماذا لديه ليقول عن سبب وأهداف تحركه نحو الفن ومن خلاله؟

إجابة هذا السؤال محفوفة بالكليشيهات والتصورات النمطية. سأحاول القفز فوقها قدر المستطاع، وقد أتعثر بإحداها.

مجد كردية

حين دخل الإنسان إلى كهف مظلم وأشعل النار ليرسم على نورها ما تتفجر به نفسه، هل سألهُ الآخرون “لماذا؟”؟ لا أعتقد. ببساطة لأن الفن هو نتاج طبيعي للبشرية، في صُنعه وتذوقه. الفن هو حاجة إنسانية.

اقرأ أيضًا: صورٌ للعبور في الزمن

لكل باب من أبواب المعرفة إجابات مختلفة؛ الفيلسوف يقول وعلماء الأركيولوجيا يقولون وعلماء النفس كذلك. لكن الفنان يكتفي بالدهشة، كأنه هو جده الذي دخل الكهف قبل عشرات آلاف السنين.

كيف يصف مجد كردية بداياته الفنية إذا ما وضعت في مواجهة سؤال أين يقف الآن؟

لا أظن أن التطور الخطّي موجود في مسيرة الفنان أو الفن عمومًا. الفنان يطير كعصفور ثَمِل، تقدُّمه للأمام لا يعني تطوره، وعودته للخلف لا تعني تراجعه.

أحيانًا يكتشف فضاءات جديدة يضيفها للمساحات التي يحلق فيها. أحيانًا يعود لمكانه القديم ليكتشف فضاءً أشد اتساعًا مما كان يظن.

مجد كردية

مجدر كردية

أيهما أقوى حضورًا في فنك وأقوى على مستوى تأثرك والتأثير على ريشتك: الطبيعة أم الإنسان، إن صحت هنا التفرقة بينهما؟

لا فرق بينهما. الطبيعة لوحدها لا معنى لها. الإنسان المصاب بعمى الألوان الكلي، يرى الطبيعة بالأبيض والأسود. الإنسان المكتئب يرى في الغيمة وجه وحش. العاشق يرى القمرَ حبيبته، دون أن يكترث لعلماء الفلك.

أما الطبيعة لوحدها فهي موجودة في جدول تصنيف العناصر: ذرات وإلكترونات… إلخ.

مجد كردية

وأين تجد نفسك أمام مقاربة الفن بين الفطرة/الموهبة والمعرفة؟

هما عصبان في ذراع الفن: الفطرة تعطينا الدهشة، والمعرفة تجعلنا قادرين على تقديم الدهشة بصورة صحيحة.

هل تسمي نفسك ضمن مدرسة فنية بعينها؟

رمزي سريالي تعبيري

هل ترى في الفن أداة تعبير ونقل من الواقع، أم لوحة لواقع مغاير؟ بتعبير آخر: إلى أي زمنٍ ينتمي الفن؟

الفن الذي يكون ابنًا للحظة زمنية معنية، يمضي بانتهاء هذه اللحظة. الفن لكل الأزمنة ولكل الأمكنة.

رغم كل زحام الأفلام وشركاتها التي تصرف مليارات الدولارات، مازالت البشرية تشاهد أفلام تشارلي شابلن. رغم أعداد الشعراء التي فاقت رمال الصحاري، مازال المتنبي ملك هذا الزمان.

مجد كردية

هل يمكن القول إن للأسطورة والموروث الشعبي حضور في ريشتك؟

من المفترض أن يكون له حضور في ريشة كل فنان.

يمكن لمس مستوى من أثر الكاريكاتير في أعمالك. شخصياتها تذكر بحنظلة لناجي العلي، وبشخصيات جو ساكو. هل تأثرت بهما؟

أغلب الأعمال الفنية فيها نسمة من الكاريكاتير. لكن الكاريكاتير بشكله المتخصص، هو وقود للصحافة، ينتهي بانتهاء الحدث ويخص مكان محدد وزمان محدد وأشخاص محددين. أحيانًا يستمر لاستمرار الأزمات التي كان يعالجها، وفور انتهائها سينتهي معها.

مجد كردية

بخصوص ناجي العلي، فهو من الفنانين الذين تأثرت بهم كثيرًا في صغري. تعلمت من مواقفه الفروسية وعدم المهادنة، وكيف يكون الفنان سيدًا لنفسه. لكن لا أجد تأثيرًا لحالته البصرية على أعمالي.

بالنسبة لجو ساكو، فهذه أول مرة أسمع به!

جو ساكو هو صحفي ورسام أمريكي من أصول مالطية، حيث ولد في مالطا قبل الانتقال إلى الولايات المتحدة للعمل كصحفي ورسام كاريكاتير وقصص مصورة. تفاعل ساكو برسوماته مع عدد من القضايا الراهنة، مثل القضية الفلسطينية في الكتاب المصور باسم “فلسطين“.

مجد كردية

هل يمكن للفنان العربي عمومًا الاعتماد على الفن ليؤمّن قوت يومه؟

نعم بالإمكان، بالنسبة لفنان خالق لفن جيد بأسلوب متميز. لكن كرسام فلا.

هل من أسئلة معلقة تلاحقك باستمرار؟

سؤال واحد: هل الطقس مناسب للصيد اليوم؟

أميرة السواح

مصورة مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى