مجزرة المستتابين

ماهر فرغلي

كاتب وباحث مصري

لم تأخذ مجزرة المستتابين، التي ارتكبها تنظيم الدولة “داعش” في عام 2018 حظها إعلاميًّا رغم عظم الجرم، وفداحة الخطب، ودموية الفعل الذي قام به التنظيم، الذي لم يسبقه إليه أحد، سوى في القرون الوسطى، من قِبل بعض الحكام، أو بعض الفرق الدموية الخارجة.

ملخص ما جرى، هو أنه حينما احتلَّ “داعش” مدينة البوكمال السورية، ثم مدينة القائم العراقية، ألقى القبض على الكثير من رجال الشرطة والجيش، وفرت عناصر كثيرة جدًا، وتدخل رجال العشائر للوساطة وعدم قتل المئات من الفارين والهاربين، ووافق التنظيم، وألقى البغدادي كلمة قبل ذلك فيها استتابة تلك العناصر إن قاموا بتسليم سلاحهم، والتزموا بقوانين الدولة، وبايعوا خليفتها، وهذا ما حصل بالفعل؛ حيث سلموا أنفسهم وبايع المئات منهم البغدادي، لكنهم بعد أيام فقط غدر التنظيم بهم بحجج واهية، مثل أنهم أملوا عناوينهم خطأ وهذا نقض للاستتابة، أو أنه وجد في منازلهم سلاح، وقاموا بذبحهم جميعًا، في مذبحة، أطلق عليها عناصر التنظيم فيما بعد “مجزرة المستتابين”.

كانت الانتصارات المزعومة لـ”داعش” في هذا الوقت تغطي على كل هذه الجرائم، التي طالت عشائر كاملة في سوريا والعراق، مثل ذبحه 150 من عشيرة “البوعبيد”، و85 من عشيرة “البونمر” العراقية، و200 من عشيرة “الشعيطات”، الذين ذبحوا رجالًا وشيوخًا وأطفالًا.

يورد عدد من منشقي التنظيم شهادات على “مذبحة المستتابين”، ومنهم ما ورد في شهادة “أبي جندل الحائلي” في رسالته “شهادتي على قضية المستتابين”، و”شهادة أمني تائب جزء 1 وجزء 2″، و”رسالة مجزرة المستتابين، لـ”أبي عيسى المصري”، الذي كان يعمل في القضاء الشرعي، ومن المقربين لـ”أبي بكر القحطاني”.

يقول “أبو عيسى المصري” في رسالته: “مجزرة المستتابين”: إن البغدادي من المعلوم أنه استتاب الجيوش في تسجيل صوتي، بعنوان “وليمكنن لهم دينهم”، في شهر رمضان الموافق 7 أغسطس/آب 2011 م، مؤسسة الفرقان للإنتاج الإعلامي، وكان “العدناني” يكرر هذا النداء كثيرًا، ويجدد هذه الدعوات في تسجيلات عدة، واستجاب لَتلك الدعوة كثيرًا؛ فجاءوا تائبين في العراق والشام، لكن فوجئوا بغدر دولته بهم، واقتياد شرائح عديدة منهم إلى السجون، وقتلهم ردَّة، وأخذ أموالهم بعدما جاءوا تائبين قبل القدرة عليهم، وسلَّموا أسلحتهم، وجلسوا في بيوتهم.

ورغم توقفنا حول مصطلح الردة والمرتدين، الذي كان يُطبع التنظيم به عناصره المنشقة، أو المواطنين العزّل، يتابع “أبو عيسى المصري” في رسالته التي نشرتها مؤسسة الوفاء الإعلامية: كانت دعوة البغدادي وناطقه الرسمي إلى التوبة شاملة لجميع المرتدين من غير استثناء، فلما جاءوا تائبين، وأخذوا وثائق التوبة، وقعدوا في بيوتهم، فوجئوا بأن القيادة تستثني من قبول التوبة شرائح من المستتابين، فيُعتقَلون ويُقتَلون، ثم يأتي استثناء آخرَ، ثم ثالث، وهكذا.

أما الشهادة الحية من أحد رجال الأمن الداعشيين، وهم الحكام الفعليين للتنظيم، في رسالته “شهادة أمني تائب” من إصدار مؤسسة التراث فيقول: كان لي إخوة في ديوان القضاء والمظالم حصلتُ على هذه الوثيقة من أرشيفهم، إنهم قالوا لهم: يا أهل الأنبار عودوا إلى دياركم، وعودوا لأهلكم، عودوا لبيوتكم، واستجابة من أمير المؤمنين لمناشدة شيوخ العشائر ووجهائها؛ فإنا نعطي الصحوات، ومن بقي مع الروافض من الجيش والشرطة فرصة أخيرة، وندعوهم للتوبة من جديد، ومن غير استثناء، ولن نشترط عليهم سوى تسليم سلاحهم.

يتابع “الأمني التائب”: أخبرني إخوة من مسؤولي الديوان أن “الحاج عبدالله” -سيتولى فيما بعد رئاسة التنظيم عقب مقتل أبو بكر البغدادي- مسؤول اللجنة المفوضة بهذا الوقت، قتل أحد المستتابين؛ وجريمته أنهم وجدوا في بيته سلاحًا، واعتبر أن المستتاب إن وُجِد بحوزته سلاح بعد استتابته تعتبر توبته منقوضة!

وفي وثيقة مجزرة المستتابين، أنه من يوجد في بيته سلاح، أو ضُبط متلبسًا بأي جريمة بعد توبته، أو غيِّر رقم هاتفه، أو غيِّر محل إقامته بغير علم الجهات الأمنية، وغير ذلك من الشروط توبته منقوصة لاغية، وكُفّر عليها، وقُتل عليها، لقد تلقى الكثير أنباء اعتقال طلبة العلم وتعذيبهم وقتلهم بكل استياء، وكانوا ناقمين ولكن لم يكن أحد يستطيع أن يواجه الأمنيين وإلا فمصيره السجن.

إن المشكلة هي في تلك التنظيرات التي كانت تحكم بالردة ابتداء على كل من لم ينتمِ للتنظيم، أو انتمى له ثم انشق عنه، أو خالف بأي فعل أوامر الرجال الأمنيين، الذين يحكمون الآن كل التنظيم.

يقول “أبو عيسى المصري” في رسالة حول هذه المجزرة نقلتها عنه مؤسسة “التراث العلمي”: يعلم القاصي والداني بل وعامة الأمة قبل مجاهديها أن “ابن عواد” قد أعطى عهدًا لكل مرتد تائب؛ فيكون له ما لهم ولا يتعرض له أحد ولو قتل ألفًا وتمت استتابة ألف من المسلمين! وبعد مدة من الزمن؛ فتح الله المناطق في العراق، وبعد أن أعلن عدد كبير توبتهم واستقرار الأمر للدولة جاءنا الأمر باعتقال الضباط الذين تابوا في الموصل، وهرب كثيرون، وتم ترحيل المعتقلين ثم أمر بقتلهم، إن الأمر بتصفيتهم كان عامًا ولم يكن خاصًا، لقد أصدروا أمرًا وتعميمًا إلى القواطع بإجبار كل تائب من الشرطة (فقط) -فالتائبون من الجيش لا يشملهم هذا التعميم والقرار-؛ بأن يشتري مسدسًا من التجار ويجلبه للتنظيم، وإلا اعتبرت توبته ناقصة، ومن ثم أودع السجن! بل والأدهى كانت تتم تصفية أي مسلم خارج من الموصل، وعُلق كثير منهم على أعمدة الكهرباء، واعترف “أبو كرم العسكري” قائلًا: إن عائلة قُتلت أمامه.

يصف “أبو جندل الحائلي” في رسالته “شهادتي على قضية المستتابين” ما ورد عن المجزرة قائلًا: إنني استمعت إلى شهادة “أبي سيف العراقي”، وهذا نصها: قبل نحو أكثر من عام صدر أمر عن طريق المساجد، أي دعوة للاستتابة؛ لغرض تدقيق موقف أعداد كبيرة من جميع المناطق فقاموا بتسليم أنفسهم إلى الولاية “الفرات”، وعندها تم اعتقال هذه الأعداد الكبيرة بمكاتب الأمن، وكل معتقل يتم سؤاله عن أبنائه، وسكنه إلخ.. وتم تقسيمهم الأول تم قتلهم ولم تأخذهم بهم لومة لائم، بحجة أدلة بنقض التوبة، وهي تهم ثابتة دائمًا، والقسم الآخر: مشتبه بهم يبقون قيد التحقيق لحين التأكد من موقفهم، وهم نسبة قليلة، والقسم الآخر: لم يثبت ضدهم شيء، وسيتم إخلاء سبيلهم وإطلاق سراحهم، وهم نسبة كبيرة، لكن فوجئنا أنهم جميعًا تم قتلهم.

يتابع: ما حصل أنه في هذه الفترة سيطر “حجي عبدالله” على ديوان المظالم والقضاء، كما كان “أبو محمد الفرقان” -وائل حسين فياض- بهذ الوقت يسيطر على ديوان الإعلام، وملخص القضية أن نادوا بعد إذن الوالي “أبو أنس” والي البوكمال، وقبل دخول مدينة القائم، ممن كان في سلك العسكرية، بالتوبة، ووضعوهم لمدة 3 أيام قيد الحجز، وجاء الناس آمنون مطمئنون على أنفسهم وأموالهم، واستتابهم: “محمد التميمي”، و”أبو عبادة الشامي”، و”أبو أسامة الخطاب”، و”أبو محمد الأنصاري”، و”أبو عبدالرحمن الغريب”، ثم فوجئنا بذبحهم جميعًا.

والحقيقة هنا، أن المجزرة حصلت في أتون صراع كان بين فصائل ثلاث داخل التنظيم حول التكفير وهل هو من أصول الدين أم من لوازمه؟ ومسألة عدم العذر بالجهل في مسائل التوحيد والشرك، وتكفير كل من أنكر شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة، والتسلسل في التكفير بمعنى أن من لم يكفر الكافر فهو كافر إلى ما لا نهاية، والحكم بقاطني ديار الكفر بالكفر، وفي هذه الأثناء انتصر تيار حجي عبدالله على التيارات الأخرى، وتخلص من المستتابين بحجة تكفيرهم.

النظر دائمًا للأفكار والأيديولوجيات، والمتواليات التكفيرية، والانحياز والإفراط إلى مسائل الحكم بالردة، سيجلي لنا حقائق كثيرة، ومن هنا أوردنا هذه المذبحة وكشفنا عنها، ليعلم الجميع كم الجرائم التي حصلت باسم الدين وهو منها براء.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search