محاكمة موسيقى الزمن الجميل

فن الزمن الجميل.. هكذا تم إطلاق الحكم على أحد العصور الغابرة، ويُقصد بالفترة تحديدًا أوائل القرن العشرين حتى الستينيات، ومع هذا الحُكم ستتكشف لنا مفارقتان: الأولى أن كل الأزمنة هي أزمنة جميلة في الأصل بالنسبة لكل من يتذكر شبابه فيها، والثانية أن الحُكم قد تم إطلاقه على (الزمن) لا على (الفن).

فجملة (فن الزمن الجميل) تشير إلى الفن الذي كان يتم صُنعه في الزمن الجميل، ولكنها لا تقول بالضرورة إن ذلك الفن كان جميلًا أيضًا! فقد يكون الفن آنذاك في ذلك الزمن الجميل فنًّا “ركيكًا”، “ساذجًا”، “طفوليًّا”، “خاليًا من أي تعبير أو معنى أو إبداع”.. ما المانع؟

وأيًا كان نوع الفن المقصود من تلك العبارة، سواء كان المقصود الغناء والموسيقى أو السينما والمسرح أو الشعر والأدب أو الفنون التشكيلية، فالحكم في حقيقته الأيديولوجية يقصد جميع أنواع الفن، ويقصد أيضًا أن يُفهم ضمنيًّا من العبارة (فن الزمن الجميل) أن كل أنواع الفن في ذلك الزمن كانت جميلة هي أيضًا.

نعم، ربما ساعدتهم فلسفة اللغة في استنباط الحُكم، ولكن خانتهم قواعد المنطق الرصين في نقل المعنى، سواء من العبارة، أو من الفن آنذاك، وحديثنا هنا عن نوع واحد رئيسي من الفنون، هو الموسيقى في “فن الزمن الجميل”.

في البداية، قد أكون مغاليًا في نقدي، ومتحيزًا للموسيقى الكلاسيكية، وأهدم كل الأساطير التي قيلت حول أقطاب الموسيقى المصرية في الزمن الجميل، ولكني سأتحاشى التعميم، كنوع من النزاهة، والاستمتاع الشخصي النابع من خبرتي الموسيقية، الذي لا أنكره في بعض أعمال الزمن الجميل، والتي لا شك هي من أعظم ما أنتجته الثقافة المصرية الموسيقية على مر تاريخها.

وبالدخول في صلب الموضوع مباشرة، أقول: إن الموسيقى هي الفن الذي يُعبِّر عن المعنى العام، فلا يناقش موضوعًا محددًا، ويأتي ذلك عبر ترددات صوتية تستمر في إطار زمني معين، فالموسيقى لا تشير إلى موضوع محدد بعينه، وليست كأي عمل فني آخر يشير إلى موضوع ما، مثل الرواية التي تشير إلى حدث، ولا كاللوحة التي تشير إلى لقطة تعبيرية.

فلا يمكننا أن نقول إن هذه المقطوعة الموسيقية تحكي عن رجل يتألم ولا يستطيع النوم لأن محبوبته هجرته، إنما هي تشير إلى معنى عام، وللوصول إلى ماهية المعنى العام يستلزم ذلك خبرات موسيقية، وتذوقًا فريدًا لأصول الموسيقى، وقوالبها، ومقاماتها، وخبرة سماعية لا نستطيع أن نقول إنها موجودة بالفطرة في أذن كل إنسان، إنما هي مهارات نكتسبها عن طريق الاستماع الجيد للموسيقى الجيدة.

ولهذا ربما ربّى لنا الزمن الجميل أذنًا ليست موسيقية بقدر ما هي غنائية، والقصد في ذلك أن الفن الجميل لم يعرف في مجمل إنتاجه الموسيقي أعمالًا موسيقية حقّة، واكتفى بأعمال غنائية، تشوبها شائبة موسيقية، وكما قال فؤاد زكريا، كأنهم لا يستطيعون التعبير بالموسيقى، فيلجئون إلى الأسلوب الأسهل وهو (الكلمات) التي تؤدي إلى معنى (محدد!).

ومن هذا المنطلق يمكننا برحابة صدر أن نطلق على موسيقى الزمن الجميل مسمى آخر، فهي ليست موسيقى من حيث المبدأ، وإنما (أشعار) مسّها طيف ضئيل جدًّا من الموسيقى! ولا يمكن القول بأن الأشعار يتم تلحينها، وبالتالي تعتبر جملة موسيقية، باعتبار أن الموسيقى هي (ترددات صوتية) بغض النظر عن مصدر تلك الترددات، سواء كانت صادرة من آلات موسيقية، أو من أفواه المطربين.

فهنا يتم إقحام المتلقي/المستمع في حالة محددة تحددها الكلمات التي هي بطبيعتها تشير إلى موضوع محدد، ومغرق في التحديد! وليس هذا ما يرجوه الفن الموسيقي من المستمع.

المايسترو يوسف السيسي

يقول المايسترو يوسف السيسي إن: “المؤلف والعازف والمستمع يشتركون في خاصية الإبداع الموسيقي، لأنهم يشتركون في خلق العمل الفني، وإخراجه بطريقة أو بأخرى، فالمستمع يشترك مع المؤلف والعازف في عملية الإبداع الموسيقي، فهو الذي يتلقى هذه الألحان بسمعه وبأحاسيسه وفهمه”، وهو ما لا يصح إلا لو كان المعنى الذي يتلقاه المستمع معنىً عامًا، لا يحكي موضوعًا محددًا، كما تزخر موسيقى/أشعار الزمن الجميل.

والإبداع الموسيقي ينشأ كلما حفر الفنان أكثر في تلافيف نغماته: لديك اثنتا عشرة نغمة. كم جملة لحنية تستطيع أن تخرج بها يا ترى من هذا العدد؟ ذلك سؤال رياضي ولا يحتاج منا أن نستعين بآينشتاين كي يكتب لنا مجلدات بحثية في الإجابة عنه، فالحسبة بسيطة، وتؤدي إلى رقم يمثل أضعاف عدد ذرات الكون المرصود مليارات المرات، ولكن ليس هذا هو موضوعنا الآن.

إنما الفكرة في ثلاثة أمور، وهي ثلاث خصائص تختص بها موسيقى الزمن الجميل: 1- التلاصق. 2- الرجوع الدائم للقرار. 3- المقامات الموحدة تقريبًا. ولكي نقدم للقارئ الفكرة بوضوح يستلزم أن نشرح باختصار وتبسيط شيئًا ما عن المقامات.

النغمات الموسيقية مكونة من سبع نغمات رئيسية (دو – ري – مي – فا – صول – لا – سي) وهم الأصابع البيضاء في البيانو، وخمس نغمات فرعية (دو# – ميb – فا# – لاb – سيb) وهي الأصابع السوداء في البيانو.

كل نغمة تعتبر نصف درجة، بحيث تبعد كل نغمة عما قبلها وما بعدها نصف درجة، ويمكننا أن نستمع إلى كل النغمات مجتمعة بطريقة متلاحمة في سارينة عربة الشرطة، أو في آلة مثل الفيولينة، وإذا أدّى العازف على الآلة الموسيقية الـ12 نغمة بتتابع، يُسمَّى ذلك كروماتيك “chromatic”، وإذا أدى بعض النغمات بتتابع معين (مختلف عن أنصاف الدرجات) سيصنع مقامًا معينًا، يؤدي إلى تعبير معين، يتم استخدامه في التأليف الموسيقي.

وفي الموسيقى الغربية الكلاسيكية تنقسم المقامات إلى مقامين رئيسيين: المقام الكبير “Major”، والمقام الصغير “Minor”. الأول يعطي في الأغلب معنى عامًا بالاسترخاء والراحة والبهجة والأمل، أما الثاني ففي الأغلب يُعبر عن الشجن والحزن والفقد وبصيص من الأمل والقلق والرعب أحيانًا.

ويتفرع هذان المقامان إلى 22 سلمًا (12+12)، وعندما نتحدث عن القرار فيُقصد به النغمة الرئيسية في السلم، التي تنتهي عندها المقطوعة أو تعطي شعورًا بانتهائها، فقرار سلم “دو” هو نغمة “دو”، وقرار سلم “صول” هو نغمة “صول” وهكذا. والآن يمكننا أن نفنِّد الخصائص الثلاثة التي تنفرد بها موسيقى الزمن الجميل:

1- التلاصق:

عملية التأليف الموسيقي لا يُقصد منها صعود السلم أو المقام من أول درجة (قراره) إلى آخر درجة (جوابه)، ثم النزول مرة أخرى. في الحقيقة إن أول ما يتعلمه الطالب وهو في المرحلة الابتدائية أن يتدرب على ذلك بآلته الموسيقية، فيأخذ السلم صعودًا وهبوطًا بنغمات متلاصقة لا يفصل بين النغمة والثانية أكثر من درجة واحدة، وعندما تستمع الأذن المتمرسة إلى ذلك تعرف مباشرة أن هذه الموسيقى طفولية وساذجة، فما بال المؤلف لا يريد أن يخرج عن إطار التلاصق بين النغمات، وكأن النغمات تؤانس بعضها بعضًا!

لكن من أساسيات القواعد الهارمونية هي القفزات على السلم، مع الأخذ في الاعتبار أن هناك علاقات تحكم تلك القفزات، وتعطي مزيدًا من العمق في المعنى، ومن ثمَّ يأتي الإبداع.

وخاصية التلاصق هذه هي الطابع الرئيسي لموسيقى الزمن الجميل، بحيث تصدر النغمات كلها خلف بعضها بعضًا، لا مزيد من التتابعات أو التوليفات، أو حتى التغيير من مبدأ التغيير، إنها الخاصية الأكبر والأعم، والسبب في الشعور بأن كل أعمال الزمن الجميل الموسيقية متشابهة. فالتلاصق بين النغمات لا يأتي بجديد.

محمد عبدالوهاب

فمن بين عدد أضعاف ذرات الكون من الجمل اللحنية يكتفون ببعض الجمل التي تعد على أصابع اليدين والقدمين تقريبًا! اللهم إلا القليل من الموسيقيين الكبار في الزمن الجميل الذين تمردوا على عصرهم، فقدموا موسيقى مليئة بالقفزات والحيوية والمعاني العظيمة، مثل: محمد فوزي، ورياض السنباطي، ومحمد عبدالوهاب، وأحمد فؤاد حسن، وغيرهم، ولهذا نلاحظ في بعض أعمالهم اختلافًا جذريًّا بينها وبين بقية أعمال الزمن الجميل المتلاصقة.

2- الرجوع الدائم للقرار:

القرار هو ما يعطيك شعورًا بانتهاء المقطوعة، وهو النغمة التي يرتكز عليها المقام، وتنتهي عندها المقطوعة. وفي الموسيقى الكلاسيكية مثلًا تجد أن الرجوع للقرار لا يتم إلا مرة واحدة تقريبًا في نهاية المقطوعة، يدعك المؤلف تلهث وراءها، تتمناها أحيانًا، تأمل ألا تأتي أحيانًا، وتتوقعها أحيانًا أخرى فيخدعك المؤلف. وذلك من باب الإثارة والمتعة السمعية المتصلة التي لا تكل ولا تمل، لتصنع لك جملًا لحنية متصلة لا أول لها ولا آخر، متنوعة وزاخرة بالمعاني والتعبيرات العظيمة.

أما في موسيقى الزمن الجميل، فيتم الرجوع الدائم للقرار، بحيث تشعر أن المقطوعة انتهت أثناء عزفها آلاف المرات، فتصاب بالضجر إن كنت مستمعًا فذًّا، وتشعر بأن المؤلف لا يملك في جعبته الموسيقية ما يقوله لنا عبر آلته، فيستسهل رجوعه الدائم إلى القرار، ريثما يعيد اللحن مرة أخرى، ولا يأتي بجديد!

3- المقامات الموحّدة تقريبًا:

يشمل هذا العنوان معنيين: الأول، أن موسيقى الزمن الجميل يتم تأليفها على مقامات معينة، بحيث لا يخرج المؤلف تقريبًا عن ذلك المقام أثناء تأليفه اللحن، بمعنى أنه إن قرر أن يؤلف أغنية ما على مقام الـ”صبا”، فسيستمر هذا المقام طوال الأغنية (المقطوعة الموسيقية مجازًا)، ولن يخرج عنه إطلاقًا حتى تنتهي المقطوعة، فيظل المستمع في حالة شجن وتألم وتأوه وبكاء وصراخ وعويل مدة وقدرها من الزمن!

أما الموسيقى الكلاسيكية، فعلمتنا شيئًا، أن المؤلف يعرب عن نيته أنه يؤلف هذه المقطوعة الموسيقية في سلم “دو” صغير مثلًا، ولكنه لا يكتفي إطلاقًا بذلك، فيستدرجك مرة إلى “ميb” الكبير فتطير روحك محلقة بعدما كانت مدفونة في براثن الدو الصغير، ثم يفاجئك بمقام الصول “minor flat sac” (كُرد الصول في الشرقي) فتنزلق في أحالم وردية، وتغوص روحك أكثر في الفضاء اللا متناهي، ثم يعود بك إلى “دو” صغير، وينهي المقطوعة عليه، كما وعدنا في البداية.

فما بال مؤلف الزمن الجميل (اللهم إلا القليل) يريد أن يتخذك كأسير حرب، أو كعبد ذليل، ويقول لك: “ستستمع إلى حالة واحدة فقط، هكذا حكمت على أذنك، ألّا يطالها تنوع في التعبيرات. سأعذبك بمقامي العظيم، فهكذا أُمرت، ولا لشيء سوى أنني لم أتعلم كيف أنتقل بين السلالم والمقامات، فلا عجب وأنا صاحب خاصية النغمات المتلاصقة، والرجوع الدائم لقرار نفس المقام”!

والمعنى الثاني للعنوان هو أن المقامات الشرقية لها طابع موحد في حقيقتها، بمعنى أن السلم الكبير أو الصغير، كل منهما له 12 نظيرًا كما علمنا، وفي الموسيقى الشرقية ليس هناك نظائر، فإذا كان السلم الكبير (وهو العجم في الشرقي) يمكن أن يتكون في سلم “دو”، أو “ري”، أو “مي” إلخ، فمقام العجم يتكون في “دو” فقط، ومقام الـ”نهاوند” في “دو” فقط، و”الكُرد” في الـ”ري”، والحجاز في الـ”ري”، والـ”راست” في الـ”دو”.. إلخ.

ويقال عليها المقامات (الشرعية) بحيث حين يقال “راست” يُفهم مباشرة أنه راست الـ”دو”، فليس لدينا بديل غيره! وهذه مشكلة في صُلب الموسيقى الشرقية في الأساس، ولا تختص فقط بالزمن الجميل، وربما هذا ما يشفع له في تلك النقطة!

السنباطي

وبالطبع هناك بعض المؤلفين يستخدمون مقام الـ”نهاوند” أو الـ”عجم” في درجات غير الـ”دو”، ولكن الأغلب الأعم يستخدمون السلالم الشرعية فقط، وهذا سبب رئيسي للغاية في جعل معظم الموسيقى الشرقية وموسيقى الزمن الجميل، متشابهة فعلًا؛ لأنها جميعًا من نفس الطبقة، فيمكنك أن تغني أغنية، وبنفس الطبقة تغني أغنية أخرى، وأخرى، وأخرى! بكل أريحية! وفي ذلك كسر بل إخصاء للإبداع.

نعم، قد تبدو للوهلة الأولى لدى المستمع غير المتمرس أن نظائر السلم الكبير (مقام العجم) أو السلم الصغير (مقام النهاوند) متشابهة، ولكنه مجرد اختلاف في الدرجة/الطبقة، بينما في الحقيقة هناك اختلاف جذري، كأنك قمت بتأليف مقطوعة في مجرة درب التبانة، بقوانين المجرة، ثم رحلت لكون موازٍ وقمت بتأليف نفس المقطوعة ولكن بقوانين مختلفة، هذا هو الفرق.

وفي ذلك يقول المايسترو يوسف السيسي، مبينًا مدى أهمية اختلاف الطبقات: تحديد الطبقة يعني تحديد الطابع والارتباط الوجداني بالمقام واللحن. وعندما تتغير الطبقة فإن اللحن يصبح مقطوع الأوصال وبلا ارتباطات وجدانية نفسية، وبلا جذور ثابتة، ويصبح الأداء الموسيقي بلا ثبات أو حكمة. وفي الموسيقى العربية نجد الفرقة تضبط أصواتها وتوحدها وفقًا لما يسمى (الطبقة الصغيرة) و(الطبقة الكبيرة)، وذلك حتى يتفق اللحن ويتناسب مع طبقة أصوات المنشدين، أو إمكانيات أصابع العازفين. في الواقع إن تغيير الطبقة معناه تغيير الطابع واللون والارتباطات (السينستيزية) وهو تشويه لأداء العمل؛ فأنا لا أتصور أبدًا عزف سيمفونية لبيتهوفن في مقام “ري” بدلًا من “دو” مثلًا، وإلا فإن القيامة تقوم!.

يتبقى الحديث عن أمرين: الأول يتعلق بحروف الموسيقى، والثاني يتعلق بشكل الموسيقى. أما حروف الموسيقى فيتفاخر أهل الزمن الجميل بأن لديهم نغمة زائدة على السلم الموسيقي وهي الربع تون أو (السيكاه)، ويقولون إن هذه ميزة لأنها زائدة على السلم الطبيعي الذي أقصى وحداته هو نصف التون.

ولكن إذا كانت هذه الفكرة صحيحة فأعظم الشعراء والكتاب ينبغي أن يكونوا الصينيين، فلديهم عدد عظيم من الحروف الأبجدية! وبالطبع الفكرة لا تتلخص في عدد الحروف، وإنما في توليفات الحروف مع بعضها بعضًا، والخط اللحني الذي ينتج عن تلك الحروف، فربما كانت الـ(سيكاه) ميزة فعلًا، ولكنهم لم يستغلوا حتى هذه الميزة استغلالًا له قدره.

وأما الشكل الموسيقيّ فيتلخص في أربعة محاور: 1- الإيقاع. 2- اللحن. 3- التآلف الموسيقي. 4- القالب. والموسيقى العربية بوجه عام وفي الزمن الجميل بوجه خاص تفتقد العديد من هذه المحاور الرئيسية للموسيقى، وتكاد تكون مؤسسة على اللحن فقط، فبالنسبة للإيقاع، فهناك إيقاع مسموع، وليس ذلك المفهوم من الإيقاع، فالإيقاع في الموسيقى يكون متضمنًا داخل اللحن الموسيقي نفسه، ويتم الشعور به دون الحاجة إلى تسجيله بآلات الإيقاع.

وعبر تاريخ التطور الموسيقي نجد أن الموسيقى الإيقاعية هي الموسيقى البدائية في الأساس، حتى تطورت الموسيقى فظهرت موسيقى خالصة، بها إيقاع خفي مفهوم ضمنيًا خلال الألحان والتآلفات.

التآلف الموسيقي الهروموني

أما اللحن، فذلك ما تضطلع به موسيقانا الشرقية، وقد فندناه في نقاط سابقة مثل التلاصق والرجوع الدائم للقرار. وبالنسبة للتآلف الموسيقي (الهارموني) فهو منعدم تقريبًا في موسيقانا الشرقية وموسيقى الزمن الجميل، اللهم إلا فيما ندر، والتآلف يعطي مساحة تعبيرية أعمق بكثير، ويمثل معاني أكثر تعقيدًا وكمالًا، ولكن لم تستغل موسيقى الزمن الجميل ذلك المحور الذي يجعل من الموسيقى عملًا فنيًّا له قدره وجلاله.

 وإذا تحدثنا عن القالب، فسنكون أكثر تحيزًا للموسيقى الكلاسيكية، حيث يمثل القالب الموسيقي الشكل الذي تظهر به الموسيقى، مثلًا السيمفونية والكونشيرتو والسوناتا، ولكن مع وجود الطبيعة الغنائية في الموسيقى العربية، فقد تحولت القوالب إلى أشكال تفيد الغناء أكثر مما تخدم الموسيقى نفسها، مثل الموشحات والقصيد الديني والطقاطيق والبشارف.

بالطبع هناك قوالب نادرة تخدم الموسيقى فقط مثل اللونجا، وأشهرها “لونجا نهاوند” لرياض السنباطي على سبيل المثال، ولكنها للأسف لم تشتهر وتحتل أذن المستمع العربي كما احتلت القوالب الغنائية.

في النهاية، هذه هي موسيقى الزمن الجميل، قد فندناها، ووضعناها في مواجهة مقارنة شبه مباشرة مع الموسيقى الكلاسيكية، بدون قصد منا أو سبق إصرار، ولكن عندما نتحدث عن الموسيقى، الموسيقى الخام، ستتبادر إلى الذهن مباشرة الألحان الرائعة التي خلقها الإنسان عبر التاريخ، في أبسط صورها، وأكثرها تعقيدًا، في الآن ذاته، وهذا ما لم نجده في موسيقى الزمن الجميل، لا أقول جملة وتفصيلًا، ولكن في الأغلب الأعم. مع التقدير التام لقلة قليلة من الموسيقيين الكبار، الذين كانت لديهم رؤية للخروج من صندوق التلاصق، والرجوع الدائم للقرار، واللحن الموحد، وغيرها من السلبيات.

المراجع:
  • التعبير الموسيقي. فؤاد زكريا. مكتبة مصر، 1971.
  • دعوة إلى الموسيقى. يوسف السيسي. عالم المعرفة، 1981.
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أحمد الصادق

كاتب مصري

مشاركة

نفرت ناجي

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram