سياسة

محمد حسين يعقوب..تحولات داعية مثير للجدل

خلال الأيام الأولى من المظاهرات الرافضة لحكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في يناير 2011، وصف الداعية السلفي محمد حسين يعقوب الأحداث التي شهدتها مصر بأنها عبارة عن “فتن متلاطمة” داعيًا الجميع لالتزام الصمت، والابتعاد عن السياسة.

وبعد أقل من شهرين، كان “يعقوب” يحتفي بنتيجة الاستفتاء على تعديلات الدستور، والتي تمت في 19 مارس، مطلقًا عبارته الشهيرة: “هي غزوة الصناديق.. وكان السلف يقولون لمخالفيهم بيننا وبينكم الجنائز، واليوم نقول لهم بيننا وبينكم الصناديق، وقالت الصناديق للدين نعم”.

كشفت مواقف “يعقوب” التي أعقبت الثورة المصرية، عن حجم التحولات التي تمت في إطار الحالة السلفية العلمية التي ظلت مستأنسة وبعيدة عن السياسة طوال حقبة الرئيس مبارك، لكنها قررت خوض غمارها وسط حالة السيولة التي عاشتها البلاد في تلك الفترة.

في تلك المرحلة، لعب محمد حسين يعقوب دورًا في تعزيز حالة الاستقطاب التي شهدتها البلاد، وانحاز في مواقفه المعلنة لجماعة الإخوان لاسيما بعد وصولها للحكم، واختار أن يقف معها بعد الإطاحة بحكمها مؤيدًا الاعتصامات التي أقامتها، كما قال في خطابه داخل ميدان مصطفى محمود بحي المهندسين (محافظة الجيزة) يوم 14 أغسطس 2013: “نقول لمن يقول إنه سيفض الاعتصامات، الاعتصامات لن تُفض وستسمر كما هي”.

اختفى الداعية السلفي، بصورة اختيارية، من المجال العام خلال السنوات التي تلت فض اعتصام رابعة (أغسطس 2013)، إلى أن ظهر في الـ15 من يونيو الجاري، أمام محكمة جنايات القاهرة ليدلي بشهادته في قضية “داعش إمبابة” والتي ذكر بعض المتهمين فيها أنهم تأثروا بآراءه، لكنه نفى أن يكون عالمًا بالدين أو حتى سلفيًا واصفًا نفسه بـ: “أنا خريج دبلوم معلمين وكل ما أقوله عبارة عن اجتهادات شخصية من خلال قرائتي).

رحلة صعود محمد حسين يعقوب

ألمح “يعقوب”، خلال شهادته أمام المحكمة، إلى خلفيته الاجتماعية والتي ساهمت في ظهوره كأحد أبرز الدعاة السلفيين خلال العقود الماضية.

وبحسب معلومات نشرتها مواقع سلفية عنه، فإن محمد حسين يعقوب ولد في عام 1956، بقرية المعتمدية التابعة لمنطقة إمبابة بمحافظة الجيزة، وتلقى تعليمه الأساسي بها، إلى أن حصل على دبلوم المعلمين عام 1976.

ولعبت عائلة “يعقوب” دورًا في تحولاته الدعوية، لاسيما وأن والده الشيخ حسين يعقوب كان أحد مؤسسي الجمعية الشرعية في قريته، في حين خطى نجله أولى خطوات مع السلفية بعد سفره للعمل بالمملكة العربية السعودية بين عامي 1981 و1985.

أثناء وجوده في المملكة، واظب “يعقوب” على حضور دروسًا لعدد من أبرز رموز السلفية السعودية مثل مفتي المملكة ورئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن باز، وعضو هيئة كبار العلماء محمد بن صالح العثيمين، والشيخ أبوبكر الجزائري، وغيرهم.

على أن التدقيق في قائمة شيوخ محمد حسين يعقوب، يكشف جانبًا هامًا من رحلة صعوده كداعية سلفي شهير، إذ أنه حرص على تصدير نفسه كتلميذ لأشهر رموز السلفية العلمية والسلفية الجامية أو المدخلية وسلفية الصحوة في السعودية، واستفاد من شبكة العلاقات التي نسجها لترويج نفسه لدى أبناء التيار السلفي العام، خاصةً بعد أن حاز تزكية شيوخ كبار كأبي بكر الجزائري الذي كتب مقدمة لكتاب يعقوب (إلى الهدى ائتنا) ووصفه بـ”المحب الفاضل والعلامة المصلح”.

ولاحقًا، تنقل الداعية السلفي بين مصر والسعودية على فترات متفرقة، وعزز حضوره داخل مصر عبر الارتباط بمسؤولي جميعة أنصار السنة المحمدية والدعوة السلفية بالإسكندرية، بجانب الرموز السلفية وعلى رأسهم الدكتور أسامة عبد العظيم، رئيس قسم أصول الفقه الأسبق بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، والذي حاول “يعقوب” محاكاته في طريقة الدعوة والتربية لكن مع إضفاء بعد شعبي عليها لتتناسب مع طريقة الأخير، وهدفه الرامي لتحقيق انتشار كبير في أوساط المجتمع المصري.

كما عمل “يعقوب”، في التسعينات، بـ”مركز معلومات السنة النبوية”، والذي كان عبارة عن مركز يعمل على إدخال الأحاديث النبوية على أجهزة الحاسب الآلي، ثم اتجه إلى “الشريط الدعوي” والذي كان يحظى بانتشار واسع في تلك الحقبة، ونجح في تحقيق رواج كبير منه خاصةً وأن شركة إنتاج موسيقي الشهيرة “هاي كواليتي” هي التي تولت إنتاج وتوزيع شرائطه جنبًا إلى جنب مع شرائط مطربين معروفين كإيهاب توفيق، وذلك وفقًا لما ذكره الكاتب الصحفي وائل لطفي في تدوينة سابقة له عبر موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”.

ومن الشرائط الدعويَّة إلى الفضائيات الدينية، انتقل محمد حسين يعقوب نقلة نوعية وصار ضيفًا دائمًا على الشاشة، مصطحبًا معه طريقته المعتادة ليتحول شريطه الأشهر: “أنت مبتصليش ليه” إلى مقطع مرئي مقتبس من حلقاته، يعاد بثه بين الحين والآخر.

أصبح “يعقوب” ملء السمع والبصر واستمر في إلقاء المواعظ والدروس الأسبوعية في أكثر من محافظة، بينما شد مريدوه الرحال خلفه من مسجد إلى مسجد ليستمعوا خطبه الطويلة والمكررة وكأنه يلقيها عليهم للمرة الأولى.

يعقوب وتحولات مع بعد 2011

بحلول عام 2011، كان الواقع السياسي المصري يشهد تغييرًا جذريًا، أدى للإطاحة بالرئيس الأسبق محمد حسني مبارك بعد 3 عقود من بقاءه في السلطة، لكن التيار السلفي الذي لم يتوقع أن يغادر “مبارك” الرئاسة تأرجح بين الدعم الضمني لمبارك وبين تأييد الثورة خاصةً عندما بدأت الموازين تنقلب في غير صالح النظام الحاكم.

استفاد معارضو مبارك من الثورة الجديدة، ونشطت حركات الإسلام السياسي بصورة غير مسبوقة، ونجحت في حشد أنصارها خلال الاستفتاء على الدستور في مارس 2011، وانتخابات مجلسي الشعب والشورى، ثم انتخابات الرئاسة في 2012، والتي فاز بها مرشح جماعة الإخوان “محمد مرسي” بفارق طفيف على منافسه الفريق أحمد شفيق آخر رئيس وزراء في عهد الرئيس الأسبق.

وفي هذا التوقيت، اختار “يعقوب” أن يتحالف مع جماعة الإخوان المسلمين، فانضم للهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح والتي لعب خيرت الشاطر، نائب مرشد الجماعة، دورًا فاعلًا في هندستها، ثم انضم إلى ما سُمي بمجلس شورى الأمة الذي لم يختلف عن الهيئة كثيرًا، وظهر في أكثر من مناسبة مؤيدًا لـ”مرسي” وحكومته.

وتبين خلال السنة التي قضاها “مرسي” في الحكم، دعَّم الشيخ يعقوب الجماعة بشكل كبير، وهو ما عبر عنه الداعية السلفي في مناسبات عديدة سبقت وصول الجماعة للحكم، إذ ذكر في كتابه “منطلقات طالب العلم” أن حركات الإسلام السياسي الموجودة تُعتبر من جماعات العمل الدعوي المعاصر وليست من الفرق النارية (بالتعبير السلفي الذي يقسم المسلمين إلى 73 فرقة منها واحدة ستدخل الجنة و72 ستؤول إلى النار)، مضيفًا أن الساحة تسع الجميع، وأنه لو قال الإخوان على باطل، فسيكون هو الذي على باطل، على حد تعبيره.

وفي يوليو 2013، وجد “يعقوب” نفسه أمام تغيير جديد لم يتوقعه، فعزل محمد مرسي من رئاسة الجمهورية، وأعلن أنصاره اعتصامًا مفتوحًا بميداني رابعة العدوية بمحافظة القاهرة والنهضة بمحافظة الجيزة، وبقي الداعية السلفي على تأييده للإخوان حتى بعد فض الاعتصاميِّن.

ومنذ اللحظة التي خرج فيها محمد حسين يعقوب من ميدان مصطفى محمود، آثر أن يعود إلى ما قبل يناير 2011، فانشغل بالعمل الدعوي من جديد وأعاد إطلاق دورات التربية والتزكية التي اشتهر بها في أوساط الشباب السلفي، واختفى من المجال العام بصورة لافتة إلى أن أُعيد إلى الواجهة بقرار محكمة الجنايات التي استدعته للشهادة، لينقض ما كان يروج له خلال عقود طويلة، ويثير الجدل من جديد كما اعتاد أن يفعل دومًا.

أحمد معروف

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى