وجهات نظر

محمد رمضان و”خطاب الانتصار”

محمد السيد الطناوي

تستطيع أن ترجع السلوكيات الاستفزازية لمحمد رمضان، إلى طباع شخصية مدانة، مثل الفيديو الذي يصور إلقاءه أوراقًا مالية في حمام سباحة، ردًا على الحكم بتغريمه ستة ملايين جنيه.

يمكنك أيضًا أن تتجاوز معي السطح إلى تفسير غرضه الفهم والإدراك، لا التوقف عند عتبة الرفض والإدانة.

لعقود طويلة قبل ظهور محمد رمضان، كان للنجم/البطل مواصفات أو معايير يحددها ذوق الطبقة الوسطى، ترتبط بالمظهر الخارجي والأسلوب واللهجة، ولم يكن يسمح لمن يخالف هذه المعايير بتصدر الشاشة.

كان ذوق الطبقة الوسطى هو المسيطر، وعلى مدار عقود طويلة امتد الازدراء والسخرية والإقصاء لثقافة الطبقات الشعبية عبر الإنتاج التليفزيوني والسينمائي والفني بصفة عامة.

قبل ظهور محمد رمضان، ولعقود طويلة، كان للنجم/البطل مواصفات أو معايير يحددها ذوق الطبقة الوسطى

في مجال الغناء على سبيل المثال، وخلال السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، لم يكن متاحًا للمغنين الشعبيين أمثال حمدي باتشان وكتكوت الأمير ورمضان البرنس وشفيقة ومجدي طلعت ومحمود الحسيني، الظهور في برامج التليفزيون، أو أن تحتل أغانيهم مساحة من خارطته الغنائية أو في الإذاعة، مع أنهم كانوا ألصق بالطبقة الشعبية ممن التزموا المعايير الموضوعة من قبل الطبقة الوسطى أو انتموا إليها، مفضلين اللون الغنائي الشعبي، مثل مصطفى كامل، حكيم، جواهر، بهاء سلطان، خالد عجاج، حلمي عبد الباقي، كأن الغناء الشعبي كان موجهًا للطبقة الوسطى لا إلى طبقته المكنى بها.

اقرأ أيضًا: “يا ترى” بهاء سلطان.. يعرف نفسه؟

وفي الدراما أو السينما كذلك لم يكن متاحًا لأي ممن انتمى للطبقات الشعبية في مظهره وأسلوبه أن يتقدم إلى مرتبة “نمبر وان”، وإذا ما سمح لواحد منهم بالظهور، فبغرض السخرية والتفكه على بساطته وطريقة حديثه ومظهره، شعبان عبد الرحيم مثالًا على ذلك.

تطلب الأمر ظهور بطلين من أبطال هذه الطبقة، هما الأخوان السبكي، من خلال شركتهما للإنتاج الفني والسينمائي، لتكون البوابة الملكية لنجومية جيل جديد من أسماء انتمت إلى الطبقات الشعبية، مثل سعد الصغير، عماد بعرور، ريكو، مرورًا بأمينة، وبوسي وصولًا إلى محمود الليثي ومحمد رمضان وغيرهم.

وأسهم انتشار الفضائيات الخاصة بشكل كبير في صنع هذه الحالة الجديدة، كما لعبت مواقع التواصل الاجتماعي الدور الرئيسي في انتقال موسيقى المهرجانات من الهامش إلى المركز، من خلال نجومها، ورثة الجيل القديم من المغنين الشعبيين غير المعتمدين من قبل الطبقة الوسطى، بكسرهم النظام الموسيقي السائد وعدم تقيدهم بالمعايير الموضوعة.

كانت الطبقات الشعبية “الهامش” قبل حدوث تلك الطفرة، مستسلمة لسطوة ذوق الطبقة الوسطى التي مثلت “المركز”، حتى حانت اللحظة التي تحرك فيها الهامش من خلال ممثليه، ليقاوم ضغط المركز، رافضًا استمرار التجاهل والإقصاء، محاولًا إعادة هندسة العلاقة مع المركز، لتمنح تلك المقاومة الهامشَ الحيوية اللازمة لأن يقوم بثورته.

قاد الأخوان السبكي هذا الحراك، أو إن شئت تسميته بالثورة الاجتماعية الفنية، بينما جسّد محمد رمضان ذروتها وعنفوانها، معلنًا بظهوره الباذخ والعنيف، أو ربما الانتقامي (بسبب عقود طويلة من الإقصاء والتهميش)؛ أن الهامش أضحى هو المركز.. كان إعلانًا بمثابة فضيحة للمركز ومعاييره، كاشفًا عن خلل اعترى تلك المنظومة.

اللحظة “الرمضانية” عكست كل العناصر الحاكمة للتجاذب بين الهامش والمركز: الدونية، وعقدة التفوق، والتمييز، والإقصاء، والتبعية ورفضها. ولا يتصور أحد أن الهامش يدخل هنا في علاقة ضدية مع المركز، فالمركز لا يقابل الهامش أو يناقضه، فقط يخالفه، والدليل أن نجوم الهامش صاروا هم نجوم المركز، بعدما فرضوا أنفسهم فرضًا.

تنتظم أفعال رمضان ضمن هذا الطرح، فهي تمثل في فوضويتها وعنفها، ذروة هذه الثورة الناجحة التي انتقلت بذوق الهامش إلى المركز، كما في موسيقى المهرجانات، وكثير من الأعمال الدرامية والسينمائية التي باتت تروج للغة وأسلوب ومظهر أبطال الهامش.

الهامش بطبيعته فضاء صيرورة، أي فضاء حركة وتحول، في حين أن المركز لا يطمح إلى تكوين نموذج

الهامش بطبيعته فضاء صيرورة، أي فضاء حركة وتحول، في حين أن المركز “لا يصير”، بتعبير جيل دولوز، أي لا يطمح إلى تكوين نموذج، فهو النموذج بالفعل، وفي هذا الحراك تصدع للمركز، لتتعدد المراكز.

الخلاصة أن ممارسات محمد رمضان ليست إلا تعبيرًا عن “خطاب انتصار”، بمفهوم رولان بارت، وهو خطاب غطرسة وكبرياء وتعال، يعلن صاحبه من خلاله أن الهامش لم يعد ذلك الذي لا يكاد يُرى أو يدرك، بل أصبح ملء السمع والبصر، وأنه لم يعد تابعًا للمركز، بل صار مرادفًا له.

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى