محمد صلاح

الأشياء البسيطة تُفرحنا يا "MO"!

للوهلة الأولى، ومع النظر إلى الغلاف الرئيس للكتاب الذي تتوسطه صورة اللاعب المصري الدولي محمد صلاح، يُخيّل إلينا أن الصفحات التالية ستحمل حتمًا بين ثناياها سيرة ذاتية ما عن نجم فريق ليفربول الإنجليزي.

إذا كنت لا تزال واقفًا على باب الوهلة الأولى، فإنك ستطرح أسئلة كهذه: هل سيكون الكتاب نصوصًا سردية تفسّر علاقة “صلاح” النجم بجمهوره؟ هل محتوياته نصوص تركز على حالة إنسانية متفردة لنجم متألق؟ هل يقدم المؤلف مقاربة فلسفية عن قصة صعود شخصية متميزة أم أنه يقدم خواطر أقرب إلى الكتابة الانطباعية؟ هل هو عمل أدبي يصنف كرواية، أم نضعه في خانة الدراسة الفلسفية القائمة على منهج أكاديمي؟ إلى أي فئة إبداعية ينتمي هذا الكتاب؟

عزيزي القارئ، دعك من “الوهلة الأولى” ودعك من تصوّر أن الكتاب سيرة ذاتية سريعة من نوعية: “كيف نشأ محمد صلاح وأين ترعرع” لأنك بعد فترة قصيرة من القراءة، لن تفارقك الدهشة، وسوف تَسقط كل توقعاتك –بالقاضية-  فوق حدود 140 صفحة مغايرة، هي كل زاد ومحتوى كتاب “مسافر زاده الكرة” للكاتب والروائي الإريتري هاشم محمود، الصادر باللغة العربية قبل أيام قليلة عن دار النخبة القاهرية.

غلاف كتاب "مسافر زاده الكرة"
فلسفة صعود شاب فقير

الآن تدخل “ذات مصر” إلى عمق الكتاب، الذي صنفه كاتبه “فلسفة صعود لشاب طموح”. وعندما نصل إلى أولى الصفحات التي تُعنون بـ”ليلة لا تنسى وقبلة لم تَضِع” يبدأ الروائي الإريتري مغامرته الكتابية عن محمد صلاح. الشاب ابن القرية الذي ينتمي إلى أسرة بسيطة الحال، استطاع بجده ومثابرته الانطلاق للاحتراف، ووحدها الكرة كانت زاده، وفي قلبه مصر ومن بعدها زوجته.

قصة صعود محمد صلاح، رغم خلوها من الجانب الدرامي الطاغي، فإن الكاتب يعتقد أن شابًّا مثله يخرج من قرية بعيدة عن العاصمة، ويتكبد معاناة الوصول يوميًّا إلى القاهرة لتحقيق حلمه، مواجهًا شقاء الطريق الطويل وتنوع وسائل المواصلات، ومقاومًا صدمة عدم الترحيب بابن الريف في البدايات، جديرة بتحويله إلى أسطورة ورمز وقصة صعود حقيقية.

يرى الكاتب الروائي الإريتري أن محمد صلاح تفوق بالفعل على زملائه اللاعبين في ساحات الاحتراف الدولي، بكل المجهود الذي بذله في سبيل تطوير نفسه ولغته، والاندماج في المجتمعات الجديدة عليه، لكنه تميز أيضًا بفعل “ثالوث التفرد: الحلم.. الحظ.. الإرادة”.

يستطرد: “الدعم والتشجيع الذي حظي به صلاح، والتفاف الجماهير حوله بموهبته الفريدة وأدبه الجمّ وأخلاقه الطاغية بقصد أو دون قصد، جميعها كانت نقاط تحول حقيقية في حياة هذا اللاعب”.

محمد صلاح في طفولته
مو.. وُلِدَ ليلعب!

صحيح أن الدعم والتشجيع لعبا دورًا محوريًّا في بناء شخصية محمد صلاح داخل الملعب وخارجه، لكن العناق وحده، حوله من شخص هادئ صامت ملتزم، لا يقول سوى: حاضر، إلى شخص صار أكثر لباقة، أكثر نضجًا، أكثر حضورًا، أكثر ثقة. فقط برعاية العناق.

فلسفة العناق، وعلاقة صلاح بالكرة وأسرته ومدربه وجمهوره، خصص لها الكاتب والروائي والمشجع الليفربولي، بابًا خاصًّا في كتابه. قال عن عناقه للكرة “ولد للكرة وجاءته بعد مشقة وعناء، فتعانقا عناق المودع والتصقا برباط الدم، فلا يفرق بينهما سوى الموت”. فالكرة تحبه. تلقي بسحرها عليه وعلى قدميه، لا شيء يعيقها، لا أحداث، لا مشكلات، لا مناورات بينها وبينه. ويلفت هاشم محمود إلى تأثير عناق والدي اللاعب له، ودعمهما له على مدار مسيرته المستمرة.

عناق يورجن كلوب لصلاح

أما الألماني يورجن كلوب، مدرب فريق ليفربول الإنجليزي، فقد تجلت فلسفة العناق في تساؤل الكاتب عنه: “هل نبحث عن عناق يشبه عناق هذا الرجل؟ وهل نحن بحاجة إلى من يعانقنا لنشعر بقيمتنا؟ هل نحن بحاجة إلى من يؤكد على وجودنا ومن يثق بنجاحنا ويهدئ من روعنا لنصل إلى وصل إليه صلاح؟”

يقول الروائي العاشق لصلاح: “من الناحية الاجتماعية والأخلاقية، طالما كان محمد صلاح نموذجًا للإنسان الناجح المثابر، كل المدربين أحبوه وأشادوا به، لكن كلوب وحده أعطاه المساحة كاملة بدعمه وحبه له، حتى أصبح درة ليفربول”.

هناك مشاهد كثيرة لا ينساها الكاتب والروئي، تلخص علاقة محمد صلاح بمدربه. فكلوب يعانق صلاح إذا أحرز هدفًا، وإذا أصيب، وإذا أحرز غيره هدفًا، وإذا اضطر إلى تبديل في تشكيل اللاعبين. يورجن كلوب من وجهة نظر الكاتب “مدرب ناجح، استطاع أن يفهم نفسية محمد صلاح، ربما عكس المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو، المدير الفني لتشيلسي، الذي لم تكن لديه المقدرة على تقديم صلاح، فضلاً عن كونه شخصًا (لاذعًا) إعلاميًّا”. فمورينيو لم يقتنع به كفاية، ولم يتح له الفرصة كاملة، واحتفظ به في غالب الأوقات على “دكة الاحتياط”، ولربما كان هذا هو سر عدم حب غالب المصريين والعرب والأفارقة له.

"صلاحُنا" عربيًّا وإفريقيًّا

“نحن شعب بسيط ينقر للسعادة في كل مكان. الشعوب الإفريقية من أطيب الشعوب. كل الأشياء البسيطة تسعدهم. كل العيون الطيبة ترضيهم. نحن شعب مسحور بالحزن. لذلك ما إن تزورنا السعادة حتى نسير في ركابها”.

محمد صلاح

في العلاقة العكسية بين الجمهور ومحمد صلاح، وبينما يقول عنه المصريون “ابننا”، آثر الكاتب والأديب الإريتري، أن يسميه في كتابه “صلاحنا”، وقال عنه في صفحات كتابه “صلاح الحلم العظيم والابن النبيل الذي استطاع توحيد المصريين والعرب والأفارقة، فعل ما عجز القادة عن فعله. صلاح اعتبره البعض هو العدل والنبوءة المنتظرة، فجاء دون قصد في توقيت غريب جدًّا، بعد ثورات الربيع العربي. جاء والمجتمع العربي في حالة يرثى لها، ولم يجن العرب الثمار بعد، والشباب في حالة تأهب شديدة جدًّا، مؤمنون بأن المستقبل لهم”.

هذا الربط اللافت بين صعود صلاح وهبوط أحلام “الربيع العربي”، قال عنه الكاتب “ربما لم تحقق الشعوب الحلم الذي كانت تصبوا إليه. لم يتحقق الهدف المنشود. فجاء صلاح كنموذج للصمود والاجتهاد والمثابرة، ليعوض بعضًا من خيبات الربيع العربي”.

ربما لهذا وصف الكاتب، محمد صلاح بأنه “مرسل رسالة، وهو في حد ذاته رسالة”، فهو الشاب الإفريقي العادي البسيط والطموح، الذي يبرهن أن أصل “الصلاح” من البيت والأسرة، وتشير تصرفاته وأداؤه العام نحو الاتجاه الطبيعي للفطرة، فهو “صالح لم يلوث ولم يغره شيء من كل هذه الشهرة والأضواء”.

أبناء قرية نجريج بالغربية منشأ محمد صلاح

وربما أيضًا، لهذا السبب، تغزل الروائي في قرية صلاح، التي قد تشبه إلى حد كبير بقية القرى المصرية من حيث التكوين والسكون الليلي، والحياة الهادئة التي لا يبيت فيها أحد جائعًا، لكنها في الوقت ذاته “قرية لا تنتهي من كثرة أحداثها”، فكون “نجريج” في حد ذاتها قرية صلاح، جعل منها شيئًا غير عادي. فأصبح من الطبيعي أن يكتشف أهل القرية الغرباء عنها بسهولة، ليس لشيء سوى صغر القرية وطبيعة المكان، فالجميع هنا يعرف بعضهم بعضًا، لا غريب يدخل دون أن يصير ذلك نبأ، وإن اعتاد أهل القرية على الغرباء في الأعوام الأخيرة.

كلنا شعرنا بألم الكتف يا راموس!

الكاتب والروائي لم يلتق محمد صلاح ولا أسرته، ولا حتى زار قريته التي تغزل بها في كتابه، لكنه التقاه في عشقه وتشجيعه للكرة، وآنسه كسائر محبي اللاعب الدولي في ربوع مصر والعالم العربي والإفريقي. عرفه من بداياته بعد أن شعر أنه صادف أمثاله في لعب الشارع “بمجموعة من الجوارب المتهالكة لأفراد الأسرة تصنع كرةً، قد تكون محشوة ببعض من القش أو القطن، وقالبين من الطوب بديلين للمرمى، وأطفال حفاة القدمين يصنع بهم فريقًا مكتمل الأركان للعب كرة القدم”.

راموس يعرقل محمد صلاح بنهائي أبطال أوروبا

ثم تحول صلاح إلى دعوة مستجابة، مع تحول الهاشتاج من “كلنا ليفربول” إلى “راموس الكلب”، في مباراة ليفربول وريال مدريد في نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2018، التي انتهت بفوز ريال مدريد، وبكره محبي صلاح لسيرجيو راموس، بعد أن أصابه في الكتف، إثر سحب يده بغلظة إلى الأرض، ليوقع صلاح، ويوقع معه قلوب مشجعي الفرعون الصغير، الذين شعروا جميعًا حينها بألم في الكتف، وتحولوا إلى أطباء يقدرون حجم الإصابة التي تعرض لها صلاح، وأعينهم صارت بديلاً للأشعة السينية أو الرنين المغناطيسي؛ هل هو تمزق في الكتف، أم خلع فيه، أم كسر، أم مجرد التهاب لكنه شديد؟ والسؤال الأكثر إلحاحًا -مصريًّا وإفريقيًّا وعربيًّا- هل سيشارك صلاح في كأس العالم في روسيا؟

الكاتب هاشم محمود

هذا الحب الكبير قد يتحول إلى النقيض في ليلة ما، فالجمهور لا يرحم والتاريخ لا  ينسى، لا يسامح أحدًا أو يغفر في عالم كرة القدم. لهذا تمنى الكاتب والروائي من محمد صلاح أن يترك الكرة وهو في مجده، قبل أن يتجاوز الأربعين عامًا.. أن يغادر وهو ما زال قادرًا على العطاء. ويقول: حينها فقط، الأخطاء ستُغتفر يا “مو”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

ندى الخولي

صحفي سوداني

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search