محمد عثمان الخشت

نحن في حاجة لـ "عصر ديني جديد"

مفكر وفيلسوف ورائد مدرسة تجديدية متميزة، صنفته منظمة اليونسكو للثقافة والتراث كواحد من أهم الفلاسفة العرب المعاصرين، وتناول باحثون عدة جوانب من مشروعه الفكري بالبحث والتحليل، لينسجوا منه قواعد راسخة لفكر التجديد الديني. إنه الدكتور “محمد عثمان الخشت”، أستاذ فلسفة الدين والفلسفة الحديثة والمعاصرة، ورئيس جامعة القاهرة.

واصل “الخشت” على مدار عدة سنوات طرح رؤيته للخطاب الديني الجديد، قبل أن يتولى رئاسة جامعة القاهرة، وبدأ منذ 2017 مرحلةً جديدةً في “الخطاب الجديد” الذي يتبناه كبديل لمصطلح “تجديد الخطاب الديني”.

أجرى “ذات مصر” حوارًا مع الدكتور “محمد عثمان الخشت” انطلاقًا من رفض مفهوم “تجديد الخطاب الديني”، ومرورًا بفكرة تجديد علوم أصول الدين، وانتهاءً بوثيقة التنوير التي تتبنى الخطاب العقلاني في مواجهة الإرهاب، وإلى نص الحوار: 

1- لماذا يرفض الدكتور "محمد عثمان الخشت" مصطلح "تجديد الخطاب الديني"؟

أرى أنه لا بد من تأسيس خطاب ديني جديد، وليس تجديد الخطاب الديني التقليدي؛ حيث إن الخطاب الديني هو الفهم البشري للنص المقدس، أي إنه متغير بتغير الزمان والمكان.

كما أن الخطاب الديني التقليدي لا يصلح للتجديد؛ لأنه عبارة عن نصوص قديمة مرتبطة بتفسير النص الإلهي لعصور زمنية أخرى، وتحديات مختلفة، يصلح لها من الناحية الزمنية والاجتماعية والاقتصادية وأحوال البشر، لكنه لا يصلح لعصرنا الحالي، كما أن الواقع الحالي للعلوم الدينية هو واقع قائم على النقل والاستنساخ.

لذا، أصبحت هناك حاجة ملحة لتأسيس خطاب ديني جديد، وليتم ذلك يجب تفكيك النص البشري لإعادة بناء العلوم الدينية، وذلك من خلال تفكيك الخطاب التقليدي، والبنية العقلية التي تقف وراءه، وتأسيس خطاب جديد قائم على متطلبات العصر والتحديات الراهنة، ومراعاة تغير أحوال البشر بالزمان والمكان، وإقامة بناء جديد بمفاهيم ومفردات ولغة جديدة، بما لا يُخلّ بثوابت الدين، وفي ضوء الحفاظ على القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة.

2- وماذا تقصد بتطوير علوم أصول الدين؟

هناك ضرورة لتطوير علوم أصول الدين وليس إحياءها، لأن العلوم التي نشأت حول الدين علوم إنسانية، تسعى إلى فهم الوحي الإلهي، كما أن علوم التفسير والفقه وأصول الدين وعلوم مصطلح الحديث وعلم الرجال أو علم الجرح والتعديل هي علوم إنسانية أنشأها بشر، وكل ما جاءت به اجتهادات بشرية، ومن ثم فهي قابلة للتطوير، بل قابلة لتحلّ محلّها علوم جديدة. 

3- كيف يتم افتتاح العصر الديني الجديد من منظورك؟

افتتاح عصر ديني جديد لن يتم إلا بتغيير طرق التفكير ورؤية العالم، ويستلزم تأسيس خطاب وعقل ديني جديد من خلال إصلاح طريقة التفكير، وتفكيك الخطاب والعقل الديني التقليدي، والتمييز بين المقدس والبشري في الإسلام، وفتح العقول المغلقة، ونقد العقول النقلية، وفك جمود الفكر الإنساني الديني المتعصب، وتجديد فهم العقائد في الأديان، ونقد العقائد الأشعرية والاعتزالية وغيرها من عقائد المذاهب القديمة، وتصحيح صورة القرآن الكريم أمام المجتمعات الغربية.

ومن وجهة نظري، فإن تطوير اللغة هو أحد أهم أركان الدخول في عصر ديني جديد؛ لأن لها دورًا في نمو المفاهيم والتصورات ومن ثم السلوك. وبالتالي ينعكس فهم منهجيتها على الفكر، مثلما ينعكس الفكر على منهجية فهم اللغة، إضافةً إلى ضرورة الاهتمام بالدراسات البينية التي تحقق الفهم المتكامل والشامل للظواهر التي يتم دراستها، حيث يساهم فيها أكثر من اتجاه علمي في إطار العلوم الإنسانية والاجتماعية. كما لا بد من توظيف النظريات القانونية الحديثة في تطوير أحكام الشريعة، مثل توثيق الطلاق على غرار توثيق الزواج.

4- وبرأيك.. ما معوقات بدء العصر الديني الجديد؟

أرى أنه لا يمكن تأسيس خطاب ديني شامل يتناسب مع العصر الحالي بدون تجاوز العقل الديني القديم وتكوين عقل ديني جديد، لا يتمثل في الدين نفسه، بل في عقل إنساني يتكون عبر التاريخ والعصور، وتدخله عناصر مختلفة إلهية واجتماعية واقتصادية وثقافية، ويتأثر بدرجة وعي الإنسان في كل مرحلة وبمعطيات كل عصر. 

5- وما آلية تجاوز العقل الديني القديم كما ترونها؟

تجاوز العقل الديني القديم وعصر الجمود الديني لتأسيس عصر ديني جديد ضرورة ملحة، لأن المشكلة ليست في الإسلام، بل في عقول المسلمين. وبالتالي فإن تفكيك العقل الديني القديم لا يتمثل في تفكيك الدين نفسه؛ وإنما في البنية العقلية المغلقة والفكر الإنساني الديني الذي نشأ حول الدين الإلهي الخالص، ويتم ذلك من خلال عدة آليات تتمثل في التفكير المنهجي، والتمييز بين المقدس والبشري في الإسلام، وإزاحة كل المرجعيات الوهمية التي تكونت في قاع التراث. ويأتي بعد التفكيك التأسيس القائم على تغيير طرق تفكير المسلمين، وتعليم جديد مُنتج لعقول مفتوحة، وتغيير رؤية العالم، وتأسيس مرجعيات جديدة، والعودة إلى الإسلام المنسي.

وهنا، لا بد من العمل على تغيير ماكينة التفكير لدى الناس، وتجديد فهم الدين من خلال ثورة في التعليم والإعلام، لتحل الرؤية العلمية للدين والعالم محل الرؤية اللاهوتية والسحرية القائمة على النقل والحفظ والاتّباع الأعمى. كما لا بد من توعية جديدة في التعليم تعتمد على التعلم والبحث بدلًا من النقل، وطرق تدريس جديدة قائمة على التربية الحوارية، بالإضافة إلى التوسع في تعليم الفنون، وإزاحة كل المرجعيات الوهمية وتكوين مرجعيات جديدة، والمواجهة الشاملة، والتحول من مرحلة الوعظ والإدهاش إلى مرحلة الفكر والتفكر، وينتج عن ذلك صناعة عقول مفتوحة على الإنسانية في ضوء العودة إلى المنابع الصافية المتمثلة في القرآن والسنة الصحيحة، وتغيير المرجعيات التقليدية، وتأسيس فقه جديد، وتفسير جديد، وعلم حديث جديد.

6- هل تدعو بذلك إلى ترك التراث بالكلية؟

بالتأكيد لا أدعو إلى ترك التراث كلية، فالتراث به الخطأ وبه الصواب، وأدعو إلى العودة إلى الإسلام النقي “المنسي” المتمثل في القرآن والسنة الصحيحة، لا الإسلام المزيف الذي نعيشه اليوم بسبب التيارات المتطرفة والجماعات الإرهابية ومجتمعات التخلف الحضاري، خاصة مع وجود خلط لدى البعض بين ما هو مقدس في القرآن والسنة وما هو من صنع البشر. 

7- وما هو الطريق الأمثل للتعامل مع التراث؟

الأسلوب الأمثل للتعامل مع التراث الموروث لن يتم إلا بتخليص الإسلام من الموروثات الاجتماعية (وقاع التراث)، والرؤية الأحادية للإسلام.
والمشكلة ليست في الإسلام، بل في عقول المسلمين وحالة الجمود الفقهي والفكري التي يعيشون فيها منذ أكثر من سبعة قرون، حيث نجد أنه تم الخلط بين المقدس والبشري في التراث الإسلامي، واضطربت المرجعيات وأساليب الاستدلال، ولذا من غير الممكن تأسيس خطاب ديني جديد دون تفكيك العقل الديني التقليدي وتحليله للتمييز بين المقدس والبشري في الإسلام. 

8- هل الخطاب الديني الحالي مسئول عن بروز ظاهرة الإلحاد؟

الإلحاد له أسباب كثيرة، منها وجود التطرف والإرهاب الذي يمثل أحد أهم أسباب انتشار الإلحاد، كما أن التشدد في الدين يعطي للأشخاص صورة غير حقيقية عن الدين، بالإضافة إلى الظروف النفسية والاجتماعية التي تؤثر في وجود هذه الظاهرة. وهنا نجد أن انحسار الإلحاد سيتحقق عند رؤية البشر النموذج الديني السليم، والخطاب الديني العقلاني الذي يواكب عصر الحداثة. 

9- وكيف يمكن مواجهتها من منظور فلسفة الدين؟

مواجهة ظاهرة الإلحاد تستلزم الرؤية الصحيحة للدين، والنموذج الديني السليم، وتأسيس خطاب ديني عقلاني يواكب عصر الحداثة، وتحديات العصر الحالي. 

10- كيف يمكن الارتقاء بجهود المؤسسات الدينية وغيرها لتنجح في ملف التطوير؟

أرى أنه لا بد أن تكون لدى المؤسسات الدينية قدرة على التخارج والتعلم من دائرة معرفية خارجية، والعمل على تغيير مسار الأبحاث والدراسات من المسار التقليدي إلى مسار منهجيات العلوم الإنسانية والاجتماعية في تطورها الأخير في الأكاديميات البحثية العالمية بعيدًا عن التقليد والنقل والاستنساخ. 

11- هل تتبنى جامعة القاهرة -في الفترة المقبلة- مشروعًا لإصلاح طريقة التفكير الديني؟

نتخذ في جامعة القاهرة خطوات جادة في إطار مشروع إصلاح وتطوير العقل وطريقة التفكير بشكل عام، ومن ثم طريقة التفكير الديني، للمساهمة في تأسيس الخطاب الديني الجديد، من خلال الحرص على تطوير المناهج، حيث يتم تدريس مُقَرَّرَيْ التفكير النقدي وريادة الأعمال، وتطوير نظم الامتحانات من طرق الحفظ والتلقين إلى الطرق التي تقيس الفهم والتفكير النقدي والمقارنة والتحليل؛ لأن الاعتماد على الحفظ يصنع العقلية الإرهابية ذات البُعد الواحد التي تعتمد على التسليم لا التفكير الناقد.

إضافةً إلى أننا نحرص على وضع خريطة واسعة للأنشطة الثقافية والدينية، والعلمية والتكنولوجية، لتغيير طرق التفكير الخاطئ. كما يتم إطلاق العديد من المبادرات، مثل: مبادرة تطوير اللغة العربية، ومشروع التنمية الاقتصادية، والإصلاح الديني.

كما حرصنا أيضًا على أن يكون لجامعة القاهرة دور في مواجهة الفكر المتشدد والجماعات التي تنتهجه، في المجتمع عامة ولدى طلاب الجامعة خاصة، فأصدرنا وثيقة للتنوير تحدد هوية الجامعة بأنها مدنية عقلانية، وتؤكد هوية مصر المستنيرة القائمة على قيم التعايش وتقبل الآخر، وتأسيس تيار عقلاني مقاوم للإرهاب والتطرف والرجعية والأصوليات الجامدة التي تدعو إلى إبطال إعمال العقل في فهم الواقع أو النصوص الدينية، مما يُساهم في القضاء على الفكر الرجعي الذي يمثل نواة الجماعات الجهادية.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

حوار

ماهر فرغلي

كاتب وباحث مصري

أحمد سلطان

صحافي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram