ثقافة وفن

محمد عز العرب ترافع ضد “الملك”.. وتنازل عن دائرته لسعد زغلول

مِن أشهر المحامين المصريين في بدايات القرن العشرين. وكان من أبرز خطباء ثورة 19، وأحد الأصدقاءَ المقربين من الزعيم سعد زغلول

يُعد محمد عز العرب مِن أشهر المحامين المصريين في بدايات القرن العشرين. وكان من أبرز خطباء ثورة 19، وأحد الأصدقاءَ المقربين من الزعيم سعد زغلول، الذين ألحوا عليه كي يكونَ ممثلاً للأمة. وجاب وسط الحشود بالعاصمة وخارجها، لجمع التوكيلات للوفد. وقد حافظ على انتمائه الوفدي حتى النهاية، ولم يَحُد عن ذلك مثلما فعلت رموز أخرى.

وفي تاريخ “محمد عز العرب” وعائلته المخلصة لحزب الوفد منذ تأسيسه وحتى الآن، الكثير من المواقف الثورية والجريئة. فعندما كان نقيبًا للمحامين الشرعيين؛ تشجَّع عز العرب وبمساعدة ابنِه أمين، وقبلا توكيلاً رسميًا من “الوالدة باشا”؛ ليختصما الملك فؤاد شخصيًا!

رحلة إلى زمن “عز العرب”

وقبل أن نصل إلى تفاصيل تلك القصة الشيقة؛ نعود بالزمن إلى الخلف.. لخمسة قرون بالتحديد، للتنقيب في تاريخ عائلة عز العرب:

كان هناك تاجر إبل من نَجْد اسمُه “الجِراحي”؛ وهو من عائلة عربية عريقة في شبه الجزيرة العربية .وكان “الجِراحي” يأتي للتجارة في مصر مرةً واحدة في العام. وكانت غايتُه قرية في مديرية الغربية اسمها “الجعفرية”. وتلك البلدة كانت تشتهر بسوق كبيرة للإبل. وفي إحدى المرات؛ وقعت عينا التاجر على شابة جميلة جدًّا من بنات القرية، فبهره جمالها، وسأل عن عائلتها.

وعندما وصل إلى والدها، طلب يد الفتاة للزواج. وافقت العائلة على طلبه، لكنها اشترطت عليه شرطًا واحدًا؛ وهو أن تُقيمَ ابنتهم معهم في  مصر، وأن يأتيَ إليها كل عام كما كان يفعل من قبل. وإن شاء فإن بإمكانه الإقامة معهم لا يغادر. لم يتردد التاجر النجديُّ، وعلى الفور قرر أن يبيعَ كل الإبل التي يمتلكها، وأن يستقر في تلك القرية التي لا تعرف سوى الزراعة. واشترى أرضًا زراعية واسعة واستعان باثنين من الفلاحين، كي يعلموه فلاحة أرضه، ويساعداه على حرثها.

ولصفاته النبيلة وصِدقه وأمانته وحبِّه لذلك المجتمع؛ أطلقوا عليه اسم: “عزّ العرب”؛ الذى صار لقبًا للعائلة كلها إلى الآن.

الحفيد محمد عز العرب كان محاميًا بارعًا؛ بل اختُير مرتين نقيبًا للمحامين الشرعيين. ففي تلك المرحلة من نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين؛ كانت هناك نقابة للمحامين الشرعيين ونقابة أخرى للمحامين المدنيين تأسَّست في بداية القرن العشرين. وكان أول نقيب لها هو إبراهيم باشا الهلباوي، صاحب السمعة السيئة في “محاكمة دنشواي”، لكنه عدَّل بُوصلته السياسية، وأصبح أحد الزعماءَ الوطنيين. واقترح البعضُ ضمَّه إلى “الوفد المصري” لكن الأمير عمر طوسون رفض ذلك وانتقد أصحاب ذلك الاقتراح.

حكايته مع سعد زغلول 

وقبيل اقتراب “محمد عز العرب” من سعد زغلول في ميادين الثورة، عملا إلى جوار بعضهما البعض بالدفاع عن الشيخ علي يوسف؛ صاحب ورئيس تحرير صحيفة “المؤيد” في القضية الأكثر جماهيرية في ذلك الوقت؛ والمتعلقة بزواجه من صفية ابنة الشيخ عبد الخالق السادات.. شيخ الطريقة الصوفية عام 1904م.

وكانت تلك القضية قد وصلت إلى المحكمة، حين أوعز الإنجليز، وعدد من رموز الحركة السياسية في مصر إلى الأب، بأن يرفعَ دعوى أمام المحكمة الشرعية يطلب فيها طلاق ابنته من ذلك الصحفي، بحجة عدم كفاءة “علي يوسف” لابنته؛ “لأن نسبَه حقير، وحرفته – وهي الصحافة – مهنة حقيرة؛ بل أحقر الحرف.. حرفة كلها عار وشنار، لا يحترفها إلا كل متشرد آفاق، وكل مَن لا صناعة له، وكل مَن لفظته الأعمال الشرعية”!

وبرغم تحيُّز مصطفى كامل وعدد من السياسيين لذلك الموقف المتشدد؛ فإن سعد زغلول – وهو مستشار في محكمة الاستئناف – لم يتردَّد في أن يشترك في كتابة الدفاع، الذي تولاه حسن بك صبري (رئيس الوزراءَ فيما بعد) عن الشيخ علي يوسف. بينما تولى المحامي محمد عز العرب الدفاع عن صفية السادات. وبرغم الدفاع القوي؛ فإن القاضي الشرعي الابتدائي قد حكم بالتفريق بين الزوجين، ثم حكمت محكمة الاستئناف بتأييد الطلاق!

ووفقًا للأستاذ أحمد عز العرب؛ فإن أشهر القضايا التي تحمَّس لها جَدُّه محمد عز العرب، والتي تسبَّبت في حرمانه هو وابنه (أمين) من لقب الباشاوية إلى الأبد؛ كانت تخُصُّ الوالدة باشا “أمينة إلهامي” أم الخِدِيو عباس حلمي وزوجة الخِدِيو توفيق.

فبعد عزل الإنجليز للخِديوِ عباس ومصادرة معظم أمواله وأملاكه، بموجب فتوى شرعية رسمية؛ حيث اعتبره بعض الشيوخ مارقًا عن الدين الإسلامي.. فإن السلطان فؤاد – الذى صار بعد ذلك ملكًا – قد استفاد بتلك الأموال، ورفض إعادتها، فوكَّلت الوالدة باشا المحامي الشرعي محمد عز العرب للدفاع عنها.

ووقتها لم يكن عز العرب يعرف لغات أجنبية تُمكِّنه من التواصل مع وزارة المستعمرات الإنجليزية، أو الاطلاع على المراجع القانونية الأوربية؛ فاستعان بابنه “أمين” خريج مدرسة الحقوق الخِدِيوية (مكانها الآن معسكرات الحرس الجمهوري بعابدين)؛ فجهَّز الابن أمين عز العرب كل الوثائق والقرائن والمستندات التي تُثبت حق الخِدِيو السابق وأمِّه في الأطيان والأموال.

وتعاطف مسئولو وزارة المستعمرات لمنطق أمين عز العرب، ولكن كان من الصعب جدًّا عليهم أن يحرجوا الملك أو يطالبوه بإعادة الممتلكات المنهوبة!

ومع شهرة تلك القضية، ومعرفة الرأي العام بجزء من تفاصيلها؛ جرى القبض على أمين عز العرب وأُودِع سجن الأجانب لمدة ثلاثة أشهر بلا محاكمة. وحين أُفرج عنه تم اعتبار فترة حبسه وكأنها جناية “عيب في الذات الملكية”. وبسبب ذلك حُرم أمين العرب من رتبة الباشاوية إلى الأبد، وحمل فقط رتبة “بك” إلى أن جرى إلغاءَ الألقاب مع قيام ثورة يوليو 1952م.

نعود للأب محمد عز العرب وحكاية اقترابه من سعد زغلول، وتحوَّل معرفته به إلى مرحلة الثقة، ثم الصداقة. لدى العائلة حكاية مهمة ترويها: ففي عام 1913م جاءَ موعد انتخابات الجمعية التشريعية؛ وهي جمعية أسسها الاحتلال الإنجليزي بعد قدوم اللورد كتشنر كمعتمد سامٍ لمصر؛ لتهدئة الرأي العام الذي كان يُطالب بجلاءَ الإنجليز. وكان رأي الجمعية استشاريًا في كل شيء إلا في فرض الضرائب؛ فكانت الحكومة لا تستطيع أن تفرضَ ضرائب جديدة إلا بعد موافقة المجلس التشريعي عليها .

وقد أيدت القيادات المصرية تشكيل تلك الجمعية، ورأت فيها خطوة للأمام، رغم أنها أقل من طموحها. وكان سعد زغلول من المنادين بهذا الرأى، بل صار فيما بعد وكيلاً منتخبًا للجمعية الشريعية. ولكن قبل الوصول إلى التشكيل والوظائف، كان عليه أن يترشح لعضوية الجمعية على أن تُجرى الانتخابات الشعبية بعد ذلك. واختار سعد دائرة “السيدة زينب”، وكان يشغل في ذلك التوقيت منصب ناظر الحقانية، في حكومة محمد سعيد باشا.

على الجانب الآخر؛ كان محمد عز العرب قد عقد النيَّة هو الآخر، للترشح  في تلك الدائرة نفسها. ولم يكن يعلم بخُطط سعد زغلول. فقام “الزعيم” بزيارة منزل صديقه “عز العرب” الواقع  في تلك الدائرة ليُبلِّغَه أنه كان عازمًا الترشح لعضوية الجمعية الشريعية عن “السيدة زينب”، لكنه لما علم بنيِّة عز العرب على ذلك، جاءَ ليُبلِّغَه بأنه سينسحب من أمامه.. إكرامًا للصداقة بينهما.

فرفض عز العرب ذلك؛ بل وحلف يمينًا بالطلاق أنه لن يترشح عن تلك الدائرة. ولم يخرج سعد زغلول من بيت عز العرب إلا وهو مترشحٌ بالفعل!.

ورغم الدور الشكلي الذى رسمَه الإنجليز لتلك الجمعية؛ فإنها كانت إحدى الركائز السياسية المهمة لثورة 19. فعقب الهدنة التي أنهت الحرب العالمية الأولى في نوفمبر 1918م؛ اجتمع سعد زغلول مع بعض أعضاء الجمعية، وتباحثوا في ضرورة تأليف وفد يسافر إلى باريس، للمطالبة باستقلال مصر لدى مؤتمر السلام.

أي أن سعد زغلول اختار الوفد الأول من زملائه في الجمعية التشريعية. وبعد المقابلة الشهيرة بين: المعتمد سير “ريجنالد ونجت”، وسعد زغلول، وعلي شعراوي، وعبد العزيز فهمي في دار الحماية؛ طلبوا منه السماح لهم بالسفر إلى باريس، لعرض قضية مصر، والمطالبة بالاستقلال. وهي المطالب التي لم يتجاوب معها “ونجت”.

ولما كانت تنقُص تلك الهيئة السياسية الجديدة الصفة القانونية؛ فقد بدأوا حينئذ يستكتبون التوقيعات من مختلِف أفراد الشعب وهيئاته وجماعاته بتوكيل “الوفد” في الدفاع عن القضية المصرية، والمطالبة بحرية البلاد واستقلالها.

وقد اتخذت تلك التوقيعات صيغة واحدة في جميع أنحاءَ البلاد، وكان نصُّها: “نحن الموقعين على هذا أنبْنا حضرات: سعد زغلول باشا، وعلي شعراوي باشا، وعبد العزيز فهمي بك، ومحمد علي بك، وعبد اللطيف المكباتي بك، ومحمد محمود باشا، وأحمد لطفي السيد بك.. ولهم أن يَضمُّوا إليهم مَن يختارون، وأن يسعوا بالطرق السياسية المشروعة.. حيثما وجدوا للسعي سبيلاً في استقلال مصر استقلالاً تامًا”.

وكان الشيخ محمد عز العرب من أنشط الخطباءَ الذين حرَّضوا المصريين على توقيع تلك التوكيلات، ونجح هو وباقي الزعماءَ في جمع نصف مليون توقيع من القاهرة وضواحيها في يومين، ثم توالت التوقيعات من جميع المدن والقرى المصرية .

وظل دور محمد عز العرب حاضرًا في جميع المنتديات وقاعات المحاكم، يدافع عن الثوار والمتظاهرين، ومعبرًا عن صوت الثورة في كل مكان.

ومع عودة سعد زغلول ورفاقه من مؤتمر باريس – الذي حضروه بضغط الثورة والتوكيلات الشعبية وعدالة قضيتهم – خطَّط المصريون لاستقبال سعد استقبالاً تاريخيًّا حافلاً، وأن يتخذوا من ذلك الحدث مظهرًا لأمانيهم القومية، حتى يُشعِروا العالم بأنهم ماضون في جهادهم الوطني، لنيل الحرية الكاملة والظفر لبلادهم بالاستقلال التام.

وكان هناك فريق من أعضاء الوفد لم يكونوا متمسكين بالفكرة التي يُمثِّلُها سعد زغلول في المفاوضات؛ وهي تحقيق استقلال البلاد التام، وعدم الاعتراف بأي سلطة للإنجليز عليها .

وقد تشكَّلت لجنة لاستقبال الزعيم برئاسة إبراهيم سعيد باشا، وضمَّت في عضويتها عددًا من القادة الوطنيين؛ على رأسهم: فخري بك عبد النور، وأمين عز العرب. كما كان الوالد محمد عز العرب إلى جوار سعد زغلول في رحلته الشهيرة إلى الصعيد.. وهو الذي تنبَّه إلى أن بعض المراسلين الإنجليز الموجودين معهم ينشرون موضوعات سلبية عن رحلتهم. وقد توالت أدواره هو وابنُه الشاب “أمين” في خدمة قضايا الاستقلال، وانحازا دائمًا للوفد وللشباب.

وكان “أمين” هو الذي فضح الممارسات الإنجليزية الفاشية في قرية “الشبانات” القريبة من الزقازيق. عندما أحرق الإنجليز تلك البلدة عن آخرها، ومنعوا أهالي القرى المجاورة من الحضور لنجدتها. وبات قرابة أربعة آلاف في العراء، مع استمرار النيران مشتعلة لمدة يومين كاملين!

وجاءت تلك الإجراءات القاسية ردًّا على قتل الأهالي الثائرين لأحد الجنود الهنود ضمن قوات الاحتلال، ولم يعثروا على جثته. وبتلك الإجراءات التعسفية التي لم تخل من التعذيب والتهديد بالقتل؛ قُتلت سيدة حامل من الأهالي، كما هدَّد الاحتلال بقتل خمسين من كبار القري!

وبعد إحراق القرية؛ جرى توزيع ورقة مُوقَّعة من ملاحظ البوليس موجهة لعمد البلاد بأن يُعلنوا بطريقة المناداة في بلادهم أنه محظور على كل واحد أن يُوجَد خارج منزله من الساعة السابعة مساءً وحتى الساعة الخامسة صباحًا، وأن كل واحد تمر به الدورية الإنجليزية؛ عليه أن ينزل إذا كان راكبًا ويُعطي التحية للضابط الإنجليزي برفع يده إلى رأسه!

سجل عائلة عز العرب

يتشابه لقب عائلة (عزِّ العرب) مع أكثر من عائلة تحمل اللقب العائلي نفَسه، لكن الشيخ محمد بك عز العرب نقيب المحامين الشرعيين أنجب أمين، الذي أشرنا إلى دوره في ثورة 19، وحافظ على انتمائه الوفدي حتى رحيله.

وبدوره أنجب أمين ولدين هما: محمد (الذي تدرَّج في المناصب العسكرية، إلى أن وصل إلى رتبة اللواءَ). وأحمد عز العرب (نائب رئيس شركة مصر للطيران سابقًا، الرئيس الشرفي لحزب الوفد).

كما أنجب أمين عز العرب أيضًا أربع بنات. أما جيل الأحفاد فأشهرهم: هشام عز العرب (والده محمد أمين عز العرب)؛ وهو رئيس مجلس إدارة البنك التجاري الدولي السابق.

ــــــــــــــــــــ

المصادر:

.  مذكرات سعد زغلول: تحقيق د. عبد العظيم رمضان.

.  مذكرات فخري عبد النور: تحقيق د. يونان لبيب رزق.

.  الكتاب الممنوع: مصطفى أمين .

.  من واحد لعشرة: مصطفى أمين.

.  علي وصفية: محمد توفيق.

.  لقاءَ مع الأستاذ/ أحمد عز العرب؛ الرئيس الشرفي لحزب “الوفد” (حفيد محمد عز العرب).

.  ذات يوم: سعيد الشحات (اليوم السابع).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى