زوايامختارات

محمد ياسين.. ملك الزجاج الذي شرَخه عبد الناصر

قصة كفاح محمد بك سيد ياسين، ملك صناعة الزجاج في مصر، من التأسيس إلى الصعود والتألق ثم السقوط في هاوية التأميم، مُلهمة جدًّا

فهي واحدة من أعظم قصص النجاح لعقلٍ مصريٍّ وطني.. آمن ببلده وأن من حقِّه أن يُحقِّق نجاحات في التصنيع المحلي، وبجودة عالية تنافس أفخر المنتجات الوافدة.

إنها قصة رجلٍ عصامي ثوري في مجاله، لكن قرارات التأميم خنقت حُلْمه مثلما خنقت أحلام كثيرين.

إنَّ قصته علامة على أنه كان لدينا نهضة صناعية معقولة تُديرها عقول نابغة، قبل أن تنتقل ملكية كل تلك المصانع والشركات لحكومة ثورة يوليو، وتواصل من خلالها الإنتاج.. ولكن بفكر آخر.

اقرأ أيضًا: حسن طوبار.. شيخُ الصيادين الذي أحرج نابليون

كان سيد بك ياسين يعمل في المقاولات والأعمال الحرة.. شارك في المشروعات التي نفَّذها الخِدِيو إسماعيل في تقوية الجسور وتطهير نهر النيل.. كان أيضًا يمتلك وكالة ضخمة في بولاق اسمها: “وكالة ياسين”، لا تزال أطلالها موجودة حتى الآن.

كان ذكيًا ومقتدرًا محبًّا للخير، يُخصِّص جزءًا كبيرًا من أرباحه لمساعدة الفقراء والمحتاجين، كما كان يمتلك مخبزًا كبيرًا ملاصقًا لوكالته، جعل إنتاجه بالمجان للمحتاجين.

أصل عائلة ياسين من الصعيد، وبالتحديد من إسنا.. لكن الوالد “سيد” كان يُقيم في القاهرة، وله منزل آخر في الإسكندرية.

تعلَّم الابن “محمد” أصول التجارة والمقاولات من أبيه، لكنه رفض أن يستمر في المجال الذي تخصَّص فيه والده.

لم يحصل محمد على أي نوعٍ من التعليم، لكن مدرسة والده كانت أكثر فائدة له ولعقله! وعندما تُوفي الأبُ، اكتشف محمد أن أباه مات مدينًا بمبلغ 30 ألف جنيه، رغم وجود مستحقات له في السوق.. لكن من دون ضمانات، فضاع معظمها!

إشارة إلى ياسين ومصانعه في إحدى الجرائد
إشارة إلى ياسين ومصانعه في إحدى الجرائد

تأميم أول على يد الإنجليز

وفي يومٍ من أيام يناير عام 1921م، كان “محمد” قادمًا من الإسكندرية إلى القاهرة.. وفي محطة مصر بحث عن وسيلة تَنقلُه إلى منزله في بولاق، لكن كان هناك إضرابٌ للترام، فاستغل سائقو الحناطير تلك الظروف ورفعوا أجرتهم، ولم يجد “مُحمد” سوى الموافقة على دفع مبلغ خمسة جنيهات، وكان مبلغًا كبيرًا جدًّا في ذلك الزمان، نظير توصيله، خاصة أنه كان يحمل حقائب سفر ثقيلة.

عقب تلك الواقعة، فكَّر “محمد ياسين” في تأسيس شركة أتوبيسات تواجه جشع سائقي الحناطير، وتواكب العصر، حيث كانت الأتوبيسات الحديثة تجوب شوارع أوروبا في ذلك الوقت.

اشترى “محمد” عددا من لوريات المقاولات، وكذلك أتوبيسات مملوكة للجيش الإنجليزي جرى تكهينُها، ثم قام هو بتعديلها، مع صناعة مقاعد معقولة لها.

اقرأ أيضًا: الإمام المراغي.. مُعارِض الملك فاروق ومُجَابِه الصهيونية

وقد نجح في إقناع الناس – بعد كثير من التردد – باستعمال تلك الأتوبيسات التي كانت تمشي في خطوط سير منتظمة، وفي أوقات محددة، ولكن الإنجليز استكثروا نجاح المشروع على يدِ مصري، فسحبوا ترخيص شركته ومنحوها لشركة إنجليزية.

أقام “محمد” دعوة قضائية، بعد خسارته 22 أتوبيسًا.. علاوة على الجراجات التي كان يمتلكُها، وجاءته نصيحة رسمية بأن عمر تلك الدعوى أمام المحاكم لن يقل عن عشر سنوات، وبعدها قد يحصل على قرابة 150 ألف جنيه.. لكن بإمكانه الآن أن يحصل فورًا على تعويض قدره 16 ألف جنيه.

اختار الرجل الخسارة القريبة، وكان ذلك الإجراء الإنجليزي المتعسف هو التأميم الأول الذي واجهه “محمد ياسين” في حياته.

كان “ياسين” صديقًا مُقرَّبًا لأحد قيادات وزارة الصناعة، وذات يوم سأل صديقه هذا عن أي مجال يُمكن أن يبدأ فيه من جديد؟

فنصحه ذلك الصديق بالاتجاه إلى الزجاج.. وقال له: “لا يوجد مصنع واحد في المنطقة العربية، وكل الزجاج الذي نستخدمه حاليًا في بيوتنا ومكاتبنا ومقاهينا ومطاعمنا.. يأتي من أوروبا، وبالتحديد من بلجيكا وبريطانيا، رغم أننا بلد صحراوي، وبه أجود أنواع الرمال التي هي المادة الرئيسية لصناعة الزجاج”.

قرأ “محمد ياسين” وبحث طويلاً عن مصانع الزجاج في العالم، واقتنع في النهاية بتلك الفكرة، وسافر إلى تشيكوسلوفاكيا، وطاف هناك على المصانع الكبرى، ثم اشترى مصنعًا متكاملاً للزجاج بمعداته وموظفيه وعماله.

عمال ياسين.. من الخواجات إلى المصريين

تبدأ عملية إنتاج الزجاج في مصنع ياسين سريعًا عبر فنيين من ألمانيا والتشيك خلال عام 1931م.. ودارت العجلة، واشتُهر اسم ياسين في كل مكان.. لكن مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، التي اقترب تأثيرها سريعًا من عمال المصنع قبل أن تتحول صحراؤنا الغربية إلى ساحة إحدى معاركها العظمى، فكَّر “ياسين” في “تمصير” العمالة داخل مصنعه.

في ذلك الوقت، كان عدد كبير من العمال الأجانب يرغبون في العودة إلى بلدانهم، خوفًا من تداعيات الحرب، فجمع ياسين هؤلاء الأجانب وقدَّم لهم عرضًا كريمًا جدًّا: إذا قام كل عامل منهم بتعليم وتدريب اثنين من العمال المصريين، فستمنحه إدارة المصنع كل راتبه المنصوص عليه في العقد، أي سيكون بإمكانه العودة إلى بلاده بأمواله كاملة.. إذا أدَّى ذلك التدريب على أكمل وجه!

سيد مكاوي يغني من أشعار فؤاد حداد عن “إزاز ياسين”

أيضًا، استفاد المصنع من تلك الحرب بوسيلة أخرى، حيث توقفت استيرادج مصر للمبات الجاز تمامًا من أوروبا، فبدأ “ياسين” صناعة لمبات الجاز “نمرة 5″، ومن أجل ذلك دعَّم أحد المصانع التي كانت مُتخصِّصة في صناعة النجف، لكي تُصنِّع له الشاسيه المعدني للمبة، والجزء الذي يتحرك فيه الفتيل .

وقد ربح “ياسين” أموالا طائلة من لمبات الجاز! لكنَّ ذلك لم يُوقِف هدفه الأسمى في إنتاج صناعات زجاجية تناسب كل الأذواق والمستويات.

لذا برع “ياسين” في إنتاج كل الأدوات المنزلية من الأطباق وأدوات المطبخ، حتى إن فندق هيلتون – حديث البناء حينئذ – تعاقد مع مصنعه على شراء كل احتياجاته من الزجاج.

ومع تنوع إنتاج المصنع، بدأت باقي الشركات الأجنبية العاملة في مصر التعاقد مع “ياسين”، لإنتاج عبواتها، وكانت “بيبسي كولا” و”كوكاكولا” على رأس تلك الشركات.

بعد سنوات من انطلاق المصنع، بدأ “ياسين” في إنتاج الزجاج المُسطَّح، المستخدم في الشبابيك والأبواب، وغيرها من الاستخدامات، لكنَّ التجارب الأولى فشلت، فما إن ينتهي الفنيون من صناعة بعض الألواح حتى تتهشم تمامًا، فاستعان “ياسين” بخبراء ألمان، حيث أجروا تعديلات مهمة على طريقة صناعة ألواح الزجاج، ليحصل في النهاية على الجودة المطلوبة، التي فاقت نظيرتها من الألواح المستوردة.

على اليمين - محمد ياسين يعرض منتجات مصنعه على الملك فاروق
على اليمين – محمد ياسين يعرض منتجات مصنعه على الملك فاروق

ومع إنشاءَ مُجمَّع التحرير في “ميدان الإسماعيلية” – التحرير حاليًا – الذي كان الملك فاروق متحمسًا له بشدَّة، ومُعجبًا بالتصميم الجريء الذي وضعه الاستشاريُّ الهندسي المصريُّ محمد كمال إسماعيل، قرر محمد بك ياسين التبرع بكل ما يحتاج إليه “المُجمَّع” من زجاج مجانا.. وقد نفَّذ ذلك فعليًا.

وفي تلك الفترة وصل مصنع ياسين إلى ذروة الجودة والانتشار.. وقد كان لديه مصنع للنفخ، وآخر “أتوماتيك”، إضافة إلى إنتاجه من الزجاج المسطح.

وكان يجري استيراد المواد الخام الفاخرة من المصانع الكبرى في أوروبا، خاصة المواد التي تُستَخدَم في زخرفة الأبواب والأطباق.

خلال تلك المرحلة أيضًا، أنتج ياسين “الزجاج المُتعادِل”، وكان نوعًا من الزجاج يُستخدم في عبوات الأدوية، حيث كان لا يتفاعل مع أي كيماويات موجودة بالدواء.

ولأن محمد سيد ياسين عقلية إدارية ناجحة، ويُدرك أن راحة عماله وموظفيه ستنعكس على جودة منتجاته، فقد أسَّس داخل مصنعه بمنطقة “شبرا” ناديًا رياضيًّا واجتماعيًّا.. كانت تُتاح فيه ممارسة جميع أنواع الرياضة، وكان فيه أيضًا حمام سباحة فاخر.

وعندما أراد “ياسين” أن يتوسَّع في صناعته، نجح في ضم عدد من رجال المال الوطنيين الذين كانوا جميعا متحمسين للاستثمار معه.

لكن من المفارقات الغريبة، أن أصول مصنع “ياسين” حين تم تأميمُها بعد ذلك، جرى تقديرُها بأبخس الأثمان!

كانت إدارة “ياسين” قد استوردت أحدث المَكِنَات في العالم لتصنيع “الزجاج المتعادل”، كما كانت هناك علاقات ثقة بين “ياسين” والمصنع الألماني الذي كانت تلك المَكِنَة هي الأحدث لديه، وأبلغت الشركة الألمانية إدارة مصنع ياسين بأنها لا تستطيع تحديد السعر إلا حين تنتهي المهمة، وتبدأ المَكِنَة في عملها.. وبعدها يجري تحديد سعرِها، وبعد كل ذلك؛ جرى تأميم الشركة!

الطريف أن تلك المَكِنَة الحديثة جدًّا عجز الخبراء الحكوميون عن تحديد قيمتها وفائدتها، فقدَّروا بأنها لا تساوي شيئًا.. قدروا قيمتها حينئذ بأقل من جنيه واحد؟.

اقرأ أيضًا: حكاية عمر بك لطفي.. أبو التعاونيات ومؤسس النادي الأهلي

من المفارقات التي حدثت مع “ياسين” وغيره أيضا، أن القائمين على فكرة التأميم، ركَّزوا في عملهم على معرفة حجم العملات الصَّعبة التي تمتلكها تلك المصانع، سواء لاستيراد المعدات أو مستلزمات الإنتاج، تمهيدا للاستيلاء عليها ومصادرتها!

وقد قدَّرت لجان التأميم قيمة مصنع ياسين للزجاج بـ15 ألف جنيه فقط، دفعوها على 6 أقساط لمحمد ياسين، في حين أن القيمة السوقية للمصنع، وفقًا للعائلة التي لجأ عدد من أفرادها إلى شركة “ديجوسا” المتخصصة في فرانكفورت، كانت قرابة 40 مليون جنيه إسترليني وقت التأميم.

ادَّعى خبراء التأميم أن “ياسين” غير ملتزم في تسديد الضرائب المُستحقَّة عليه، ولم يقدِّموا دليلاً واحداً على  ذلك، وفي النهاية خصموا الضرائب من قيمة المصنع!

معاش 15 جنيها

وأخيرًا صرفت الدولة لـ”ياسين” معاشًا بقيمة 15 جنيهًا، وهو الذي كان مسؤولاً عن المئات من المديرين والموظفين والعمال، وأكثر ما كان يُؤلمه، أنه لن يستطيع أن يواصلَ عمل الخير الذي علَّمه إياه والده.

ويتردَّد في أوساط عائلة “ياسين” أن بعض كبار التجار الذين كانوا يتعاملون مع مصانعِه، وكانوا مَدينين له، رفضوا دَفْع ما عليهم من ديون للحكومة، ولما جاءتهم الفرصة.. ردَّوها إلى الرجل، مما خفَّف قليلاً من محنته.

وما بين سنوات التأميم ووفاة “ياسين” في أواخر عام 1970م، ظل الرجل ساكنًا، شبه صامت على كرسي قرب سرير نومه، لا يتحدث كثيرًا مع أولاده وأحفاده!

محمد ياسين وابنه في ألمانيا
محمد ياسين وابنه في ألمانيا

في المقابل، نجح أولاده في تغيير دَفَّة الحياة الوظيفية والاجتماعية لهم، تماشيًا مع الظروف الجديدة، فقد نجح ابنُه “سيد محمد سيد ياسين” في حياته الإدارية، فهو الذي أسَّس مبنى مؤسسة “الأهرام” بشكله الحالي، حيث كان الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل يَثق به ويَعرف قُدراته من إدارته لمصنع والده.

وقد وافق “سيد” على أن يتولى إدارة المشروع، وقدَّم لـ”هيكل” شرطًا واحدًا، هو: أن يتولَّى الرئيس جمال عبد الناصر بنفسه تحديد راتبه عن تلك المهمة حتى لا يُقال إن هيكل يُجامل صاحبَه.

وبالفعل نجح “ياسين” الابن في مهمته إلى أبعد حد، بل إنه أدخل أول كمبيوتر في مصر لمبنى الأهرام.

سجل عائلة ياسين

أنجب محمد بك سيد ياسين 5 أولاد و5 بنات، حرص على تعليمهم جميعًا في الجامعات الكبرى داخل مصر وخارجها، وفقًا لميول كل منهم.

 فابنُه الأكبر “عبد المعطي” كان شغوفًا بالطيران.. وبسبب حادث طيران أُصيب بإعاقة لازمته حتى وفاته.. وابنه “سيد” هو مَن استعان به محمد حسنين هيكل لإدارة مبنى “الأهرام الجديد”.

أما أبناؤه ممدوح، وخالد، وحسين.. فقد عملوا في شركات ومصانع الحكومة وذلك لخبراتهم السابقة في مصنع والدهم.

وقد ربطت علاقة صداقة بين محمد ياسين وتوفيق دياب، بدأت بسلسلة مقالات لـ”دياب” يتعاطف من خلالها مع “ياسين”، وكيف أنه تعرَّض للظلم، ابتداءً بالتضييق على شركة الأتوبيسات التي كان يمتلكُها وإجباره على بيعها، ثم تحوَّلت تلك الصداقة إلى علاقة مصاهرة بين العائلتين، حيث تزوجت ابنة محمد ياسين بأحد أبناء دياب، وأنجبا عبد الحميد دياب.. وهو الذي أمدَّنا بكثير من المعلومات في هذا الموضوع.

المصادر

حوارات مع عائلة ياسين، وبالتحديد مع حفيده عبد الحميد دياب

مجلة السياحة العربية: (مقال طارق بدراوي عن محمد سيد ياسين)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى