محمود أمين العالم.. الماركسى المتصوف

 

في زي أزهري عتيق يعبر الشيخ أحمد الطريق بمساعدة أخيه محمود ذي الثمانية أعوام- نحو الجمعية الشرعية بحارة خطاب السبكي بالدرب الأحمر، بدا الصبي سعيدا بتلك الصحبة التي تتيح له التنقل مع أخيه بين مساجد الحي كما تمنحه فرصة قراءة كتب الفقه والشريعة على أسماع أخيه الذي ينقلها بدوره كتابة بطريقة “برايل”. بين تلك المساجد التي يزدحم بها الحي نمت لدى الصبي تلك النزعة الصوفية التي ستلازمه طيلة حياته وستصير طابعا وسمة تصطبغ بها أفكاره ورؤاه وفلسفاته على تنوعاتها وتناقضاتها.

لكن رغم نزعته الصوفية الكامنة، إلا أن تطلعه المعرفي كان باعثا له على البحث في الفلسفة المثالية عما يطفئ غلته، فوجد في “النتشوية” ممثلة في فكرة “الإنسان الأعلى” ضالته، ليبدأ مشروعه في تغيير العلم على أساس “روحاني وباطني ووجداني” على حد تعبيره.

وقد أسس “العالم” رسالته للماجستير حول “فلسفة المصادفة في الفيزياء المعاصرة”، ورغم أنَّه انكب على العمل وفق هذا التصور ثلاث سنوات إلا أنه لم يجد غضاضة في تحويل مساره في البحث بعد قراءته لكتاب “لينين” المعنون بـ”المادية والنقد والتجريبي” فصار “فلسفة المصادفة على أساس موضوعي” لكن الفلسفة المثالية التي تحول عنها “العالِم” ظلت كامنة في نفسه تُستدعى في كثير من المواقف، وتلتقي مع النزعة الصوفية الروحانية ابتغاء نوع من الكمال و”التأله” بعيدا عن التعالي “النيتشوي” للـ”سوبرمان” الذي اصطدم به في شخص أستاذه الدكتور عبد الرحمن بدوي.

كان التحاق “العالِم” بقسم الفلسفة بكلية الآداب، تأثرا بكتاب الدكتور عبد الرحمن بدوي عن “نيتشه” لكن الرجل نفر من بدوي أشد النفور عندما درَّسه بالقسم؛ لـ”طبيعته الخشنة المؤمنة بأخلاق السادة وأخلاق العبيد” على حد تعبيره.. كما كان لكتاب “قصة الفلسفة اليونانية” لأحمد أمين وزكي نجيب محمود أكبر الأثر في اختياره هذا الطريق كمجال دراسة ومنهج حياة.. لقد فهم “العالِم” الفلسفة بوصفها فاعلية دائمة تجاه الواقع والتاريخ والإنسان؛ كما كان يرى النقد وظيفة اجتماعية أساسية وضرورة صحية تمثل النبض الحقيقي لقلب المجتمع، وبغيره لا نستبصر حقيقتنا، ولا نواجه مشكلاتنا، ولا نحسن مواصلة طريقنا الاجتماعي؛ لذلك فلا يجب أن يصدر النقد عن عاطفة أو انفعال بل عن دراسة وفهم معمق للأسباب في سبيل الوصول إلى الحلول الموضوعية. أما الحوار عنده فهو جوهر أسلحة الإنسان للوصول إلى الحقيقة.. حقيقته وحقيقة الوجود من حوله، وبه تتكامل الشخصية إذ تتعانق الخبرات المتنوعة، تختلف، تتصارع، تنضج، ويتخطى بعضها بعضا.

 

في بيت “العالِم” الذي لم يعرف أبناؤه وجهة للتعليم سوى الأزهر ينشأ “محمود أمين” صبيا مسكونا بشغف المعرفة، وحب الاكتشاف، وهما ما أورثاه رغبة في التمرد على السائد لكن في حدود ما تمليه الظروف الصعبة في بيئة فقيرة يستدين فيها رب الأسرة لدفع المصروفات الدراسية لابنه.

في هذا الحي الذي يُبَرِّئ “العالِم” اسمه من أي تدخلات “ماركسية” وإن لم ينكر أنَّه حي “البروليتاريا” في مصر القديمة بامتياز، مدللا على ذلك بتسمية معظم شوارعه وحاراته منسوبة إلى أصحاب المهن (الخيامية/ النحَّاسين/ العقادين/ القِرَبِيَّة/ المغربلين…) كان التراث حاضرا بقوة يتجاور مع هذا الواقع المصطخب بالكفاح والمعاناة.. تجاورٌ شكَّل إحدى الثنائيات الملهمة لدى “العالِم” المفكر المتأمل الهادئ، والأيدولوجي “الدينامي” المنهمك في العمل السياسي الحزبي، والناقد الأدبي والثائر المتمرد الذي يدخل معركة مع الدكتور طه حسين، بسبب عبارة وردت للعميد في إحدى مقالاته عن الأدب بوصفه ألفاظا ومعاني، فيصدر “العالم” بيانا مشتركا مع الدكتور عبد العظيم أنيس يردان فيه على طه حسين برأيهما أن الأدب علاقة بين الشكل والمضمون، “وأن الشكل في الأدب ليس مجرد إطار خارجي؛ ولكنه بنية تعبر عن حركة داخلية في قلب العمل الفني، وتحوّل موضوعه إلى مضمون، وبالتالي فهي عملية ديناميكية داخلية” وقد سجلا وقائع ذلك السجال في كتابهما المشترك “في الثقافة المصرية”.. ورد الدكتور طه على البيان بقوله “يوناني لا يُقرأ” قاصدا أنه لا علاقة لما ورد بالبيان بالعربية ناهيك عن الأدب وتحديدا النقد.. إلا أن “حسين” أشاد بالعالم بعد ذلك في برنامج تليفزيوني ووصفه بالمثقف المجيد لقراءة التراث والتفاعل معه.. أثار “العالم” و”أنيس” أيضا خلافا مع العقاد حول الوحدة العضوية للنص الأدبي، مرجحين أن التعامل مع النص يجب أن يكون من خلال رؤية متكاملة وليست جزئية -كما يفعل “العقاد” دائما- وكان رد العقاد متجاوزا للمتعارف عليه في هذه المعارك إذ كتب يقول في معرض رده:” أنا لا أناقشهما.. أنا أضبطهما، إنهما شيوعيان”.

تظهر هنا قدرة “العالم” على الدخول إلى تلك السجالات الأدبية والتفوق فيها، هو ما ساهم في ذيوع شهرته ناقدا أدبيا أكثر من كونه مفكرا ومنظرا سياسيا، وهو ما يتفق أكثر مع طبيعته التي تفضل المعارك “اللطيفة” على الصراعات العنيفة، بالرغم من أن تلك الطبيعة المتسامحة لا تجزع كثيرا عند دفع الثمن.. لكنه في لحظة ما يحسم أمره، ويُغلِّب قناعته بضرورة الالتحاق بالسلطة، ونقدها من الداخل، ولا يستنكف من الاعتراف بأن المواقف المتشددة من سلطة عبد الناصر التي اتخذها الشيوعيون، وتمسكوا بها لفترة طويلة قد أضرت بهم، كما كانت سببا مباشرا في إضعاف الثورة، وتمكين أعدائها منها فيما بعد؛ وهو في سبيل تدارك ذلك، يتخلص سريعا من الشعور بالمرارة التي خلَّفها الاعتقال الطويل والتعذيب والإهانة؛ ويكتفي بكلمات من رأس السلطة “تطيَّب خاطره” فيخرج من ألمه الخاص جدا إلى الشعور بالمسئولية تجاه ما هو عام؛ فيتحول حزنه إلى أسف لعدم مشاركته في الإنجاز “الثوري” الذي حققته “يوليو” على الأرض.

ورغم ذلك الدعم والتأييد الذي أبداه “العالم” بعد خروجه من المعتقل 1964، لسلطة عبد الناصر تحديدا وليس لدولة يوليو التي لم تتخلص من فساد أجهزة الملكية، إلا أنه ظل محتفظا بقناعة ترى أن هناك تناقضا ما يتراوح بين الرئيسي والثانوي؛ يحكم علاقة عبد الناصر بالشعب، وإن أعلن غير مرة أنه انحاز إلى ثانوية هذا التناقض؛ لكنه يحيل كثيرا إلى أن غيبة الديمقراطية كانت سببا مباشرا في جعل تلك المكتسبات التي قدمها ناصر للشعب؛ كالنقش على الرمال، سرعان ما انمحت بعد رحيله المفاجئ.

ربما تصلح علاقة “العالِم” بالرئيسين ناصر والسادات نموذجا تفسيريا لمحددات التعاطي مع السلطة لديه.. لقد كان حُسن النية تجاه ناصر عاملا قويا في مدى تقبل “العالِم” لكثير من أخطاء ناصر حتى بحقه هو شخصيا، مثل استبعاده من “أخبار اليوم” دون مبرر حقيقي، ويسوق “العالِم” لذلك تفسيرا غير مقنع، إذ أرجع تزامن إبعاده مع إقصاء علي صبري عن منصبه أنه كان من باب الضغط على الاتحاد السوفيتي لدفعه لتقديم بعض التسهيلات بشأن توريد الأسلحة، مع إقراره بعدم وجود علاقة مباشرة بالسوفييت.. لكنه يوضح بعد ذلك أن السبب الجوهري في الإبعاد هو أن رفاقه القدامى أعادوا بناء الحزب الشيوعي من جديد ليكون أداة نضالية لمواجهة العديد من السلبيات والنقائص التي أدت إلى هزيمة يونيو، وأنهم استشاروه في ذلك فلم يجد بأسا.

 

يبدو “العالِم” متسامحا بطريقة محيرة في العديد من المواقف، منها موقفه من الكتَّاب الذين أغرقوا مسرح الدولة بأعمال معادية لثورة يوليو والاشتراكية ولـ”ناصر” نفسه -على حد وصفه- بشكل يستعصي على القبول، وهذا الأمر يبقى محل تساؤل مشروع، وهو: لماذا لم يواجه “العالم” هؤلاء بما يجب من الحزم رغم قوة موقفه وهو الناقد القدير الذي رأى في تلك الأعمال تهافتا وضعفا وركاكة لا تخفى على أحد؟ من المرجح أن “العالِم” تجنب الصدام مع هؤلاء لأسباب تتعلق بتناقضاته الداخلية، وعدم ميله إلى الصدام، وهو خيار سلامة واستكانة ربما فرضته روح المفكر المتصوف الجانح نحو المثالية المتعالي على الصغائر، ونظنها فضيلة أضرت كثيرا به وكانت سببا في إخفاقه المتكرر في إدارة الصراع داخل المؤسسات التي تولَّى قيادتها.

اعترافات شيخ الشيوعيين العرب محمود أمين العالم- سليمان الحكيم- مكتبة مدبولي- ط1 -2006م.

شخصيات لها العجب، صلاح عيسى، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، ص 458:452

دراسات مهداة إلى محمود أمين العالم في عيده ميلاده الماسي- مطبوعات الجمعية الفلسفية المصرية-دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع-1999م.

بمشاركة

رسوم

أحمد بيكا

إنفوجرافيك

محمود أسامة

قصــة

ماهر الشيال

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram